الإدمانترياق الصحة الجنسية

أثر الأفلام الإباحية نفسيًا | كيف تُفلِت من المصيدة؟

باب مُوصَد، وغرفة ذات إضاءة خافتة، وهاتف ذكي، واتصال بالإنترنت لا ينقطع؛ ذلك مخبؤك الأمين ووكرك الحصين. 

تُشاهد مقطعًا تلو الآخر -في لذة- بينما تُرهِف السمع وترتقب؛ خوفًا من أب يطرق باب غرفتك، أو زوجة تباغتك فتقطع خلوتك. 

وما أسهل أن تنجرف -هذه الأيام- وراء شهوة تعتمل في نفسك؛ إذ لا يتطلب الأمر منك سوى نقرة أو نقرتين حتى تصل إلى مبتغاك بكل سرية ويُسر!

تلك السرية الموعودة التي لا تلبث أن تجُرَّك إلى شِراكِها حتى تُحكِم قبضتها على عنقك؛ فتجبرك على نمط حياة ازدواجي؛ يختلط فيه الصدق بالزيف، واللذة بالألم! 

ما أثر الأفلام الإباحية نفسيًّا؟ وكيف تتصرف إذا وقعت فريسة لمصيدة إدمانها؟ وإلى من تتوجه إن احتجت المساعدة وخفت من الوصم؟ 

نناقش ذلك كله في مقالنا اليوم، فاتبعني.

إدمان الإباحية وأعراضه

هل يمكن إدمان الأفلام الإباحية؟

كي نتمكن من الإجابة عن هذا السؤال، وتحديد أثر الأفلام الإباحية نفسيًا، علينا أولًا أن نوضح ما نقصده بالإدمان. 

يُعرف الإدمان بوجود رغبة مُلِحة تجاه شيء ما -سواء أكان دواءً مخدرًا أم سلوكًا معينًا- تدفعك إلى محاولة الحصول عليه مهما كانت عواقبه وخيمة. 

وعلى الرغم من إدراكك لعواقب إشباع تلك الرغبة، فأنك تقف عاجزًا أمامها؛ فلا تستطيع ردع نفسك حتى لو دمرت حياتك تدميرًا!

ولا يزال النقاش محتدمًا بين مؤيد ومعارض لتصنيف الإفراط في مشاهدة الأفلام الإباحية كإحدى صور الإدمان، فمثلًا:

  1. يكتفي الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية بإدراج ذلك السلوك كبند فرعي تحت اضطراب آخر: “السلوك الجنسي القهري”، دون أن يعده إدمانًا.
  2. ترى بعض الدراسات أن ذلك السلوك لا يختلف في تفاصيله عن القمار القهري الذي يندرج ضمن الإدمان السلوكي؛ أحد أنواع الإدمان.
  3. أشارت الدراسة التي أجرتها (فاليري فون) -طبيبة الأمراض النفسية والعصبية بجامعة كامبريدج- إلى وجود تشابه بين مشاهدة الأفلام الإباحية ورؤية المخدرات لدى المدمنين؛ إذ يحفز كلاهما نفس المناطق بالمخ.

وعلى الرغم من اختلاف الآراء حول التصنيف -سواء أكان إدمانًا أم سلوكًا قهريًّا- فإن ذلك لا ينفي وجود المشكلة الأصلية: عدم قدرتك على السيطرة على نفسك مع ما يُحدِثُه ذلك السلوك من ضرر على حياتك الشخصية والعاطفية.

الإدمان ونظام المكافأة

إذًا، كيف يصبح الفردُ مدمنًا؟ ولِمَ يجد صعوبة في السيطرة على نفسه؟ 

يحتوي المخ على مجموعة من المناطق التي تتواصل فيما بينها وتشكل معًا واحدًا من أهم أنظمة المخ “نظام المكافأة”. 

يحدد هذا النظام ما إذا كان سلوك معين -كتناول طعام دسم- يجلب قدرًا كافيًا من المتعة، وبناء عليه يحتفظ عقلك بتلك الذكرى الممتعة ويحفزك على تكرار التجربة حتى يتحول ذلك التكرار إلى عادة.

لذا؛ يوجهك عقلك للتصرف بطريقة معينة بهدف:

  • الإحساس بالمتعة، عن طريق الاستعانة ببعض المحفزات كالطعام أو الجنس أو الأدوية المخدرة.
  • النفور من الألم، كأن يبعدك عن إتمام مهمة شاقة -كإنهاء واجب مدرسي صعب- لأنها تجلب قدرًا من الألم.
  • توفير الطاقة؛ فإذا خُيِّرت بين أمرين، أحدهما يتطلب أن تبذل مجهودًا أكبر من الآخر، فسيُفضل عقلك أن تسلك الطريق الأقصر والأقل جهدًا.

إذًا، كيف نفسر أثر الأفلام الإباحية نفسيًا؟ 

حينما تشاهد فيلمًا إباحيًّا:

  1. يرتفع مستوى الدوبامين فجأة في النواة المتكئة -إحدى مناطق نظام المكافأة- بشكل أكبر من المعتاد، مما يحفز شعورًا بالمتعة. 
  2. يوثِّق عقلك تلك الذكرى الممتعة، وتربط اللوزة المخية “الأميجدالا” بين الأفلام الإباحية والحصول على تلك الكمية العالية من الدوبامين.
  3. تتواصل النواة المتكئة مع القشرة الأمامية الجبهية -المسؤولة عن اتخاذ القرارات وتنفيذها- لحثِّك على تكرار السلوك الذي سبب تلك المتعة. 
  4. بمرور الوقت، يعتاد عقلك على هذه الطريقة السهلة الموفرة للطاقة للحصول على المكافأة، وتصبح الأفعال الأخرى التي اعتدتها غير كافية لتحفيزك.

ما أعراض إدمان الإباحية؟

  • تسيطر عليك الأفكار الإباحية طوال الوقت حتى لو لم تشاهد فيلمًا.
  • تعجز عن التوقف عن مشاهدة الأفلام حتى في ساعات عملك.
  • تشعر بالذنب أو الخزي بعد مشاهدة الأفلام.
  • تستمر في إدمانك، مهما هدد ذلك حياتك الشخصية والعاطفية.
  • تشعر بنفور غير معتاد من شريكك، ولا تحس بالرضا عن علاقتكما الحميمة إلا بمشاهدة الأفلام الإباحية.
  • تنكر وجود أي مشكلة، وتحاول إخفاء الأمر باستمرار عن من حولك.
  • تفقد السيطرة على نفسك، فيضيع يومك أمام الشاشات.
  • تحاول التوقف عن المشاهدة عدة مرات دون جدوى.

حقيقة الأفلام الإباحية

يرسم صانعو الأفلام الإباحية صورة غير حقيقية عن شكل العلاقة الطبيعية، ويعززون الممارسات الجنسية العنيفة، بغرض استثارة حواسك، ودفعك إلى الاستزادة من هذه الأفلام. 

وما إن تستزيد منها حتى تجد نفسك غارقًا في بحر من كراهية الذات؛ لا أنت راضٍ عن نفسك ولا عن شريكك، ولا أنت قادر على الإفلات من تلك المصيدة!

ومن وراء تلك الكاميرات التعسة يرتسم الألم وتضج المعاناة؛ ما بين إكراه على التمثيل واتجار بالبشر، تحت غطاء من المتعة الزائفة!

أضرار الأفلام الإباحية

أضرار الأفلام الإباحية

تؤثِّر في حياتك الاجتماعية

إذ تُؤْثِر العزلة، وتفضل قضاء وقتك في منفاك حبيسًا للأفلام، وتعجز عن الوفاء بمسؤولياتك تجاه أسرتك، وتجد نفسك مضطرًّا إلى الكذب باستمرار لتخفي سرك.

تسبب اضطرابات مزاجية

فما بين الغضب من شريكك، وإحباطك وقلقك حيال شكل جسدك، وغياب متعتك بكافة الأنشطة الأخرى دون تلك الأفلام، وشعورك بالعجز أمامها، تتمزق روحك، وتجد نفسك تائهًا في بحر عميق من الاكتئاب والندم.

تهدد علاقتك العاطفية

تولد تلك الأفلام لديك شعورًا أنانيًّا، يدفعك لتلبية رغباتك متى شئت كيفما شئت، دون أن تأخذ احتياجات شريكك في اعتبارك. 

وقد يصبح سلوكك عنيفًا أو عدوانيًّا، أو تصبح دائم النقد لمظهر شريكك وشكل جسده، مما يعمق الفجوة بينكما ويزيد من سخطك، فيدفعك ذلك لمشاهدة المزيد من تلك الأفلام. 

وقد يشعر الطرف الآخر بالخيانة عند اكتشافه الأمر؛ فتُهدّ جسور الثقة بينكما.

تدفعك لأفعال متهورة

تعزز الأفلام الإباحية العنيفة الاندفاع تجاه بعض الممارسات الخطرة بهدف الحصول على المتعة؛ إذ لم تعد المحفزات التقليدية كافية لإثارتك.

وقد يشمل ذلك تعمد إيذاء شريكك وإهانته، أو التورط في جرائم الاعتداء الجنسي.

هل يمكن علاج إدمان الإباحية؟ 

علاج إدمان الإباحية

لعلك الآن -بعد أن عرفت أثر الأفلام الإباحية نفسيًّا- تبحث عن الحل. 

يتطلب الإقلاع عن الإباحية إرادة قوية والكثير من المثابرة. 

ويمكنك اللجوء إلى معالج نفسي متخصص، أو المشاركة في إحدى مجموعات الدعم، لمساعدتك على التخلص من تأثير الأفلام الإباحية.

العلاج النفسي

يلجأ المعالج النفسي إلى العلاج بالكلام، أو العلاج المعرفي السلوكي، لمساعدتك على تحديد الأفكار الخاطئة لديك وتعديل التصرفات الناجمة عنها.

العلاج الدوائي

قد يصف طبيبك بعض مضادات الاكتئاب، إذا كنت تعاني اضطرابا نفسيا آخر بالتوازي مع إدمان الإباحية كالاكتئاب أو القلق.

أعراض الانسحاب من إدمان الإباحية

يحتاج عقلك وجسدك إلى تنقية ما علق به من مشاهد، وتقليل اعتماده على المستويات العالية من الدوبامين قبل أن يستعيد توازنه ويعاود الاستجابة للمحفزات العادية بشكل طبيعي.

وتشمل أعراض الانسحاب من الإباحية ما يلي:

  • العصبية وسرعة الغضب. 
  • الصداع والأرق والقلق.
  • التشتت وصعوبة التركيز.
  • توارد بعض الأفكار الإباحية إلى ذهنك في بداية رحلة علاجك.
  • الشعور بالإحباط وانخفاض الطاقة؛ نظرًا لنقص مستوى الدوبامين.
  • الرغبة الملحة في ممارسة العادة السرية.
  • انخفاض الرغبة الجنسية فترة من الوقت.

وختامًا، عزيزي القارئ، ربما كنت الآن تجاهد نفسك في رحلة علاج طويلة، وربما انتكست -في أثناء رحلتك- مرات عدة. 

ولكن كن واثقًا أن الإفلات من هذه المصيدة يستحق عناء الطريق، فلا تستسلم!

المصدر
How to break a porn addictionIs pornography addictive?Is porn good or bad for us?Diagnosis: the signs and symptoms of sexual addictionMental effects of pornReward systemUnderstanding addiction - How addiction hijacks the brainBrain addiction in sex addiction mirrors that of a drug addictionThe pleasure trapEverything you need to know about pornography addiction12-week porn addiction withdrawal walkthrough
اظهر المزيد

د. لميس ضياء

صيدلانية إكلينيكية، قضيت شطرًا من عمري بحثًا عن العلم، وأنوي قضاء الشطر الآخر في تبسيط ما تعلمته وتقديمه بلغة سهلة مستساغة للجميع. تستهويني النفس البشرية وأسعى دومًا لسبر أغوارها، وفك طلاسمها، وفهم ما قد يؤرقها من اضطرابات واعتلالات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق