ترياق الأسرة

أثر الخلافات الزوجية على الأولاد ، أرجوكِ يا أمي “توقفا عن الشجار”

تقول إحدى المعلمات بالمدرسة: ” كانت لدىَّ طفلة بالصف مرحة جدًا، ومتميزة بين زميلاتها، لاحظتُ تغيرًا في
تصرفاتها منذ فترة؛ فقد غابت ابتسامتها التي اعتدتُ عليها، ولم يَعُد لديها رغبة في المشاركة في أي نشاط بالصف.

وفي يوم طلبتُ منها الحضور لمكتبي بعد انتهاء الدرس، وحاولتُ معرفة سبب ذلك التغير، فحدثتني عن كثرة
المشاجرات بين والديها، وأنها تبكي كثيرًا في غرفتها ليلًا، خوفًا من أن يأتي الصباح وتجد أمها قد غادرت المنزل، ولا تتمكن من رؤيتها ثانية! “.

مهما كانت درجات الحب والانسجام بين الزوجين، ستظل الخلافات الأسرية أمرًا شائعًا وستحدث بالتأكيد،
ولكن حينما تحدث هذه المشاكل باستمرار أمام الأطفال دون مراعاة لمشاعرهم، يجب أن نراجع أنفسنا.

سنتعرف في مقال اليوم عن أثر الخلافات الزوجية على الأولاد ، وما هي الطريقة المثلى للتعامل مع الخلافات الزوجية، بشكل يضمن سلامتهم النفسية، فتابع القراءة.   

هدفنا واحد رغم اختلاف الطباع

مما لا شك فيه أن نشأة الأطفال في بيئة صحية يسودها الاحترام المتبادل بين جميع الأطراف،
والقدرة على حل النزاعات بنضج، هو ما يتمناه كل مربي.

من الطبيعي جدًا أن يكون لكل طرف في العلاقة الزوجية أفكاره وقيمه وأولوياته التي قد تختلف مع الطرف الآخر،
وهذا شائع جدًا في العلاقات بين البشر.

ولكن ركيزة أساسية من نجاح هذه العلاقة هي القدرة على استخدام مهارات التواصل المناسبة،
إذ يمكن التعبير عن الأفكار والآراء بشكل سليم، وكذلك تقبل اختلاف وجهات النظر، وحل النزاعات بهدوء وبشكل إيجابي.

وإن الافتقار إلى هذه المهارات، واستمرار المشاحنات بين الوالدين، وتكرار نفس الوسائل في التعامل مع الأمور،
بداية من التجاهل أو التهكم والسخرية مرورًا بكثرة الانتقاد والصراخ والتخويف والتهديد، إلى الاعتداء الجسدي،
مثل: تكسير الأشياء أو الدفع والصفع والضرب، كل ذلك يهدد سلامة واستقرار الأسرة، وكل الأطراف خاسرة لا محالة.

الخلافات الزوجية وأثرها على الأبناء

فيما يلى نتناول بعضًا من الآثار المترتبة على استمرار المشاحنات والخلافات الزوجية على الأبناء، والتي سنتناول كيفية علاجها على الوجه الأمثل في جزء لاحق من المقال.

  1. شعور الأطفال بعدم الأمان

تخلق المشاكل الزوجية المستمرة بين الأباء مناخًا من التوتر، وعدم القدرة على التنبؤ بما يهدد هذه الأسرة التي من المفترض أن تكون بيئة آمنة لنمو سليم للأطفال.

إن مخيلة الأطفال قوية جدًا، وقد يتصورون الضرر الذي سيلحق بهم أو بأحد أفراد أسرتهم، فيشعرون بالقلق والخوف والتهديد وكذلك العجز، وما أصعب تلك المشاعر على هذا الصغير.

  1. الشعور بالذنب  

عندما ينشب خلاف بين الزوجين أمام أطفالهم، يتملكهم شعور بالذنب بأنهم مسؤولون بشكل أو بآخرَ عن هذا الخلاف.

وخاصة إذا تحدث أحد الزوجين عن كم الضغوط والمسئوليات التي تقع على عاتقهِ تجاه هؤلاء الأطفال، فتكرر الأم أنها دثرت طموحاتها وضَحَّتْ بكيانها المِهَني منذ إنجابها لهم، أو تجد الأب يُلمح بالضغوط المالية التي تخص دراستهم أو احتياجاتهم.

اقرأ المزيد عن: الشعور بالذنب، وكيفية التخلص منه.

  1. التأثير بشكل مباشر على صحتهم النفسية

يتمتع الأطفال بقدر كبير من المرونة والقدرة على التكيف بشكل عام، ويمكنهم التكيف بمرور الوقت مع المواقف الصعبة كانفصال الوالدين، ولكن ما يؤذي الأطفال حقًا هو كثرة الخلافات والمشاكل الزوجية بين الوالدين؛ سواء قبل هذا الانفصال أو بعده.

وكلما استمر هذا الصراع وزاد التوتر، زادت معه احتمالية إصابة الطفل باضطرابات نفسية؛ مثل: القلق والاكتئاب واضطرابات النوم والكلام، وتدني احترام الذات.

وكذلك فإن أثر الخلافات الزوجية على الأولاد يترتب عليه مشاكل سلوكية تتعلق بالمدرسة، بدءًا من صعوبة التركيز والتفوق الأكاديمي، إلى التخريب والانحراف وحتى إلى السلوك المُعادي للمجتمع وهو من أشد الاضطرابات خطورة.  

اقرأ المزيد عن: كيف تقضي على مشكلة السرقة عند الأطفال؟

  1. تشوه في تصور العلاقات الإنسانية 
تشوه في تصور العلاقات الإنسانية

دائما ما نسمع من أخصائيي التربية والسلوك عند الأطفال مصطلح يقول” أنت مِرآةُ طفلك”، وَقْعُ هذه الجملة عظيم
على النفس، تجعلك للوهلة الأولى تفكر فيما مضى من أفعال وسلوكيات أمام الطفل،
وتفكر كذلك في كم المسؤولية التي تقع عليك في المستقبل.

بالطبع تربية الأطفال ليست مهمة سهلة ولكنها أيضًا ليست مستحيلة، عليك أن تدرك أن الأطفال يتعلمون باستمرار
دروسًا حول كيفية التعايش مع الآخرين من خلال تعاون والديهم مع بعضهم البعض.

فإذا كان الآباء دائمي الصراع ويفتقرون إلى الوسائل الصحيحة لحل المشكلات،
فإنهم يصدرون صورة سلبية عن العلاقات الإنسانية، وعلى الأرجح فهذه هي الطريقة التي سيتواصل بها الأبناء مع غيرهم عندما يكبرون.

  1. القلق بسبب التحيز

يخشى الأطفال أن يضطروا إلى التحيز لأحد الوالدين، فهم يريدون غالبًا إرضاء كلا الطرفين،
ولكن قد يكون ذلك مستحيلًا في مرحلة معينة من الخلافات.

فيسبب ذلك مزيدًا من الضغط عليهم، وإما أن يصبحوا عالقين في المنتصف لا يدركون ما يتوجب عليهم فعله،
وإما أن يصطفوا إلى أحد الوالدين ضد الآخر، وفي كلتا الحالتين فالأثر سلبي على الطفل.

 وإذا كان الطفل يسمع باستمرار أشياءً سيئة وانتقاداتٍ عن أحد والديه من الطرف الآخر، فإما أن تسوء علاقة الطفل بالطرف المنتقَد، وإما أن يفعل ذلك في الاتجاه المعاكس، فتنقلب الدفة على الطرف الذي ينتقد ويرفض احترام الطرف الآخر.

فأنت لا تدرك المسار الذي سيسلكه الطفل خاصة كلما كبر، والأَولَى أن يُسمح لهم بتطوير علاقة صحية مع كلا الطرفين بغض النظر عن شعور الوالدين تجاه بعضهما البعض.

 كيف يمكن الحد من أثر الخلافات الزوجية على الأولاد ؟

نستعرض فيما يلي بعض النصائح التي يمكن للوالدين القيام بها للحد من أثر الخلافات الزوجية على الأولاد وحل المشاكل الزوجية التي هي جزء طبيعي من العلاقة، بالشكل الذي يضمن صحة أطفالهم النفسية:

  1. تعلم مهارات التواصل الصحي

 يجب على كلا الوالدين البحث عن طرق بديلة للتعامل مع الاختلافات والمشاكل الزوجية، مثل: الإنصات باهتمام ووعي، وإقرار المشاعر وتقديرها وكيفية التعبير عنها، وتعلم استراتيجيات التفاوض وحل النزاعات.

يمكنك استشارة المختصين بشؤون الأسرة و الطفل، لمساعدتك على فهم المشكلة وإيجاد أنسب الطرق لحلها،
واعلم أن هذه المهارات تحتاج إلى مداومة حتى تصبح جزءًا من نمط شخصيتك، تفعله بشكل تلقائي دون بذل جهد.

  1. تجنب المناقشات الحادة أمام الأطفال

إذا اِحتدّت المناقشة بينك وبين الطرف الآخر في حضور الأولاد، فتوقّفا عن الكلام وتابعا المناقشة عند غيابهم،
مثل: وقت النوم أو المدرسة.

من الهام جدًا أن يتعلم الوالدين كبح جماحهما، والتحكم في عواطفهما، وإظهار السلوك المهذب المتبادل بينهما خاصة
في حضور الأطفال، وإن اختلفت وجهات النظر.

  1. تجنب انتقاد الطرف الآخر أمام الأطفال

من المعتاد جدًا أن ينتظرك ابنك عند عودتك من العمل، موجهًا إليك كم هائل من مشاعر الضيق والانزعاج وتوجيه اللوم على الأم؛ لأنها لم تسمح له باللعب كما يشاء أو رفضت أحد مطالبه.

لكن من الصعب جدًا أن يتقبل الطفل نقدًا موجهًا لأحد والديه، حتى لو كان ذلك من أحدهما، لذا كن حذرًا لكلامك عن الطرف الآخر عند حضور الطفل.

وانتبه أيضًا لكلامك إذا كنت تشكو لصديق مقرب أو الأهل أثناء المحادثات الهاتفية، وتَذكر أن الأطفال يرصدون ويحللون بشكل جيد للغاية، حتى وإن لم تلحظ ذلك.  

  1. امنح طفلك الاطمئنان
امنح طفلك الاطمئنان

كما ذكرنا فإن الأطفال يتمتعون بقدرٍ عالٍ من الذكاء، ولن يخفى عليهم وجودُ خلافات بينك وبين شريك حياتك،
يجب أن تكون صادقًا مع طفلك بشكل موجَز ومُطَمْئِنْ.

أخبِره أنكما تواجهان بعض المشاكل والاختلافات في وجهات النظر، وأنكما تبذلان جهدًا لحل هذه الخلافات
وأن الأمور ستصبح على ما يرام في أقرب وقت، وأخبره بأنك تحبه كثيرًا وستظل.

يجب أن يكون ذلك من قِبَل الطرفين، وأكدا له أنه ليس سببًا لهذا الخلاف.

  1. ساعد طفلك على التعامل مع الغضب

ربما شهد طفلك بعض العنف بينك وبين شريك حياتك، وسيلاحظ كيفية تعبيرك عن الغضب أثناء وجود خلافات،
وقد يولِّد ذلك غضبًا داخله لن يدرك كيف يتعامل معه بالشكل الصحيح، ومن المؤكد أن تأثيره النفسي والجسدي لن
يكون هينًا عليه.

علِّمه الأدواتِ التي تُمكِّنه من معرفة كيف يُعبّر عن غضبه بشكل صحي، وكن قدوة له في ذلك.

في الأخير، تذكر أن الاختلافات في الرأي أمر طبيعي، ولكن الوعى بأثر الخلافات الزوجية على الأولاد ،
ومعرفة أسباب المشاكل الزوجية والسعي لحلها، وتقديم نموذجٍ حيٍّ لاحترام الآخرين،
والقدرة على التنازل في بعض الأحيان، وإظهار التعاون والتعاطف، كلها دروسٌ لا تقدر بثمن تقدمها لطفلك.
وعندما يكبر هذا الطفل سيحذو حذوك، وستراه على الصورة التي لطالما حَلمتَ بها.

المصدر
How Parental Conflict Hurts KidsChronic Parental Conflict: How it Can Be Harmful for ChildrenThe Insidious Impact of Parental Conflict on Child Behavior
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق