ترياق الأمراض النفسية

أثر غياب الأب على الطفل| أبي.. لماذا تركتني؟!

أبي… الحاضر الغائب!

لا نلتقي معًا كعائلة إلا على وجبة العشاء مدة ربع ساعة فقط قبل أن أخلد إلى النوم، وبالتأكيد لا يُسمح لي بالثرثرة حول أي شيء يخصني حتى لا أصيبه بالصداع، فهو تعبٌ بعد العمل… ولا أراه إلا تعبًا!

لقد عشت طفولتي معانيًا أثر غياب الأب على الطفل جسديًا ونفسيًا، أعرف أنه يفعل كل ذلك لأجلنا، ولكن لو خُيرت لاخترت أن ندفع مالًا مقابل بعض وقتك يا أبي!

سبب غياب دور الأب في الأسرة

قديمًا كان الأب هو المعلم الأول لطفله وكان يقضي معه معظم أوقاته، فالابن يساعد أباه في العمل ولا يفترقان إلا سويعات قليلة في اليوم.

لكن بمرور الوقت تضاءل دور الأب في الأسرة بشدة، فأصبح الأب يقضي أكثر من نصف يومه في العمل، وعندما يعود يجد أطفاله يدرسون أو خارج المنزل، فلا يقضي معهم إلا وقت العشاء -إن أمكن. 

تود الحصول على المزيد من المقالات المجانية على ترياقي؟ اشترك الآن ليصلك كل جديد!

وقد يعود بعد ميعاد نوم الأطفال فلا يراهم مدة يومين أو أكثر إلا دقائق معدودة.

الكثير من الأسباب أدت في النهاية إلى ظهور أثر غياب الأب على الطفل، منها:

  • وفاة الأب: تؤدي وفاة الأب إلى الكثير من الآثار الصحية والنفسية.
  • الطلاق: إذ إن حضانة الطفل تكون غالبًا للأم، مما يجعل الطفل يقضي معظم وقته معها.

وقد يتزامن ذلك مع التعنت وعدم السماح للأب برؤية أطفاله إلا سويعات، مما يعوق الأب عن أداء دوره الأبوي. 

وربما يحدث إهمال الأطفال بعد الطلاق، فيهجر الأب أولاده ويتخلى عن حقه في رؤيتهم، ملقيًا المسؤولية كاملة على الأم وحدها.

  • انهماك الأب في العمل: قد تبدو هذه الأسرة مثالية من الخارج، ولكنها تكون -غالبًا- هشة تمامًا من الداخل. 

فالأب الذي يعود متأخرًا في الليل فينام بعد عناء يوم شاق، من المؤكد أنه لا يستطيع مشاركة أبنائه أي نوع من الأنشطة.

  • السفر أو السجن: يؤدي عدم إقامة الأب وسط أسرته مدة طويلة إلى زيادة احتمالية تضرر أطفاله من آثار غياب الأب.

أثر غياب الأب عن الأسرة

لا يقتصر أثر غياب الأب على الطفل على الناحية النفسية فحسب، إذ يمتد فيشمل الناحية الجسدية أيضًا. 

أثبتت الدراسات أن غياب الأب يؤدي إلى الكثير من الآثار السيئة، على سبيل المثال:

  • يظهر أثر غياب الأب على الطفل بوضوح على أداء الطفل الأكاديمي -غالبًا-، إذ يحقق الأطفال الذين نشؤوا بعيدًا عن آبائهم أداءً أضعف من قرنائهم، وتزداد نسبة استبعادهم من المدرسة نتيجة المشكلات السلوكية التي تصدر منهم، مثل: العنف والتنمر على الأصدقاء.
  • يعاني الأطفال الذين يفتقدون دور الأب في حياتهم نقص الإحساس بالأمان النفسي والجسدي وتضاؤل الإحساس باحترام الذات.
  • يؤدي غياب الأب إلى زيادة احتمالية الإدمان وتناول الكحوليات.
  • يعاني الأطفال الذين فقدوا آباءهم احتمالية أكبر للتعرض للإيذاء الجسدي والنفسي والاعتداء الجنسي.
  • يتعرض الأيتام إلى العديد من الأمراض النفسية، وعلى رأسها القلق والاكتئاب، التي قد تؤدي في النهاية إلى الانتحار، خاصةً إذا ترك الأب أطفاله بين عامهم التاسع والثاني عشر.

كيف تندمج في حياة أطفالك

إذا كنت أبًا يريد تحقيق أكبر قدر من السلامة النفسية والجسدية لأطفالك، فلا بد أن تشاركهم أحاديثهم واهتماماتهم. 

إليك بعض النصائح التي ستساعدك على الاندماج في حياة أطفالك والتغلب على أثر غياب الأب على الطفل:

  1. تحدث عن الأم بكل احترام -خصوصًا في حال الطلاق

لا بد أن تُظهر التوقير عندما تتحدث أمام أطفالك عن أمهم حتى لو كنت على خلافٍ معها، لأنك إذا ذكرت الأم بسوءٍ أمامهم لن تنال إلا خسارة العلاقة بينك وبينهم.

  1. تخيل نفسك بعد عشرين سنة، اسأل نفسك: 
  • كيف تحب أن تكون علاقتك بأولادك؟ 
  • ماذا تحب أن تسمع منهم؟

ستساعدك إجابة هذه الأسئلة على اتخاذ قرارات مهمة تحسن علاقتك بهم.

  1. تذكر دائمًا كيف كانت علاقتك بأبيك: 

انقل ما أحببته في علاقتك بأبيك إلى أطفالك، وتجنب النواحي الأخرى التي كانت تثير استياءك منه، لا تكرر أخطاءه مرة أخرى.

  1. خصص وقتًا محددًا تقضيه مع كل طفل من أطفالك على حدة: 

هذه الخطوة مهمة جدًا لكي تبني علاقة قوية بينك وبينهم، حاول في هذا الوقت أن تفتح معهم مجالًا للحوار.

يمكنكم أيضًا ممارسة بعض الأنشطة معًا، مثل: الرياضة أو الرسم.

  1. تعرف إلى أطفالك واكتشف شخصياتهم

اسأل عن الأنشطة التي يحبونها، وعن أصدقائهم في المدرسة، وعن الأشياء التي تسعدهم.

عندما تناقش أطفالك في حياتهم الخاصة بصفتهم أفرادًا مستقلين، فأنت ترسل إليهم رسالة قوية بأنهم جديرون بوقتك واهتمامك.

  1. افتح قلبك وعقلك لأولادك: 

اسمح لهم بأن يشاركوك حياتك مثلما شاركوك حيواتهم، يمكنك فعل ذلك بإخبارهم بمواقف من طفولتك؛ مثل:

– ما فعلته عندما كنت في مثل أعمارهم.

– الأخطاء التي وقعت فيها، وكيف تغلبت عليها.

تساعد هذه الخطوة على تعزيز علاقتك بهم، سيشعر أولادك أنك تشبههم كثيرًا وأنك لست مثاليًا، مما سيجعل علاقتكم علاقة صداقة وليس علاقة أب بأبنائه فحسب.

نأمل -عزيزي القارئ- بعد أن تعرفت أثر غياب الأب على الطفل أن تراجع نفسك، وتحاول حماية أطفالك من ذلك لكي ينشؤوا بصحة جسدية ونفسية جيدة.

أغدِق عليهم الحب والحنان وكن لهم نعم الصديق، تأكد من أنهم يعرفون مقدار حبك لهم ويقدرون ذلك، حتمًا لن تندم على أي دقيقة أنفقتها معهم.

نحن لا نعيش إلا مرة واحدة، فلا تضيع من تعول بحجة أنك تعمل من أجلهم، اصنع ذكريات طفلك وشاركه طفولته وشبابه وأحلامه… فهي أشياء لا تُشترى!

كتبته: يمنى محمد جودي

المصدر
مصدر 1مصدر 2
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى