ترياق الأسرة

أثر مواقع التواصل الاجتماعي في الفرد والأسرة | الوجه القبيح لمواقع التواصل الاجتماعي!

في غرفتها الأنيقة، تستلقي “دينا” ذات الثلاثة عشر ربيعًا على سريرها تتصفح حسابها على الأنستجرام، وفجأة تلقي الهاتف من يدها -في غيظ- قائلةً:

 “صورتي ليس عليها سوى خمسين إعجابًا فقط، بينما صورة سمية صديقتي جلبت أكثر من ثمانين إعجابًا في ساعة واحدة، رغم أني أجمل منها بكثير.”

هكذا يفكر الكثير من مراهقي وشباب هذا الجيل!

فجميعهم يمتلك حسابات عدة على مواقع التواصل الاجتماعي المختلفة، وأصبح أمرًا اعتياديًا أن يقضي أحدهم ساعات طوال من يومه متصفحًا إياها بلا كلل أو ملل. 

في الحقيقة، ليس التصفح هو أكثر ما يفعلونه؛ بل في أغلب الأحيان، يسارع معظمهم إلى مشاركة آرائهم في كل كبيرة وصغيرة، ونشر صورهم الشخصية، بل ومقتطفات من حياتهم، لتنهال عليهم الكثير من الإعجابات والتعليقات، فيُرضي ذلك غرورهم، وتنتشي نفوسهم ببعض العجب والخيلاء. 

لكن -يا تُرى- ما تأثير هذا الأمر في سلوكهم؟

هذا ما سنخبرك به في مقالنا اليوم…

ما هي سلبيات مواقع التواصل الاجتماعي؟  

هل تعلم -عزيزي القارئ- أن تأثير تلك المواقع في الصحة النفسية للفرد والأسرة قد يكون خطيرًا للغاية؟ 

فطبقًا للدراسات الحديثة، مواقع التواصل الاجتماعي هي المتهم الأول لزيادة ظهور السلوك النرجسي بين أفراد جيل التسعينيات والألفينيات، كما تلعب دورًا أيضًا في ظاهرة التفكك الأُسَري المنتشرة حاليًا في العصر الحديث. 

لكن كيف يحدث هذا؟!

مواقع التواصل الاجتماعي والتربية

“إذا كان رب البيت بالدفِّ ضاربًا، فشيمة أهل البيت كلهم الرقص”.

تقوم تربية الصغار بالأساس على الملاحظة والمحاكاة. عندما يشاهد الأطفال آباءهم وأمهاتهم متسمرين بالساعات أمام شاشات هواتفهم الذكية، فلا تتوقع منهم سلوكًا مغايرًا. 

لذا، من الطبيعي أن تجد الآن أسرة صغيرة مجتمعة على طاولة العشاء، أو في غرفة المعيشة لمشاهدة التلفاز، وبيد كل منهم هاتفه الذي ينظر فيه بالساعات، دون أن ينبس ببنت شفة. 

وأثر ذلك في العلاقات الأسرية خطير، حيث يؤدي إلى:

مواقع التواصل الاجتماعي والتربية
  • ضعف الروابط العاطفية بين أفراد الأسرة الواحدة.
  • افتقاد لغة الحوار، وضعف المهارات الاجتماعية والشخصية للأبناء. 
  • حرمان الأبناء من الحصول على ذكريات ممتعة لهم مع آبائهم. 
  • عدم قدرة الآباء على مراقبة أطفالهم بالدرجة المطلوبة، مما قد يوقعهم في كثير من المشاكل السلوكية.

من هذا نستنتج أن مواقع التواصل الاجتماعي والتفكك الأسري بينهما علاقة وثيقة. لذلك، إليكم بعض النصائح التي قد تساعدكم في التقليل من حدة تأثيرها في أُسَركم.

نصائح لتنظيم استخدام مواقع التواصل الاجتماعي داخل الأسرة

  • لا تعطِ طفلك هاتفًا ذكيًا قبل عمر الثانية عشر. 
  • يجب أن تكون على علم بالمواقع والتطبيقات التي يستخدمها طفلك. 
  • امنع تصفُّح الهواتف تمامًا في أثناء تناوُل الطعام. 
  • افصل مصدر شبكة الإنترنت عن البيت كله قبل موعد النوم بساعة على الأقل. 
  • شجِّع طفلك على القراءة والرسم، وساعده في اكتشاف مواهبه وشغفه.
  •  شجِّع طفلك على الانخراط في الأنشطة الأُسَرية، واجعل هذا الوقت مبهجًا له. 
  • كُن صارمًا في عدم تخطِّي وقت الشاشة المسموح به لكل طفل، خاصةً في الإجازات. 

لا تنسَ أن تطبق تلك النصائح على نفسك أيضًا؛ فلن يلتزم أبناؤك بأي قواعد، ما لم تكن أنت أول مَنْ يعمل بها. 

والآن، دعونا نتطرق إلى أمر آخر لا يقل أهمية، ألا وهو أثر مواقع التواصل الاجتماعي في نشأة السلوك النرجسي.

يجب أن نعرف أولًا…

ما هو السلوك النرجسي؟

اضطراب الشخصية النرجسية هو نوع من الاضطرابات النفسية، والتي يُظهِر فيها المريض حاجة مُلحَّة لنيل
الإعجاب والتقدير من الآخرين، بينما يفتقر في نفس الوقت للتعاطف معهم أو الشعور بهم. 

كما يكون لدى الأشخاص المصابين بالنرجسية شعور عظيم بأهميتهم واستحقاقهم لكل شيء، للدرجة التي ينتج عنها أحيانًا استغلالهم السيئ لغيرهم. 

لكي يشخص الأطباء اضطراب الشخصية النرجسية، يجب أن يُظهِر الشخص محاولات متزايدة ودائمة للفت انتباه
الآخرين بأي شكل، كما يجب أن تكون علاقاته الشخصية متأثرة بهذا السلوك.

لكن جدير بالذكر أن هناك العديد من الأشخاص غير المشخَّصين باضطراب الشخصية النرجسية، لكنهم يحملون في
داخلهم سلوكًا نرجسيًا، يتمثل في محاولاتهم المستميتة للفت الانتباه، وحُب الشهرة والصعود على حساب أي شيء. 

مواقع التواصل الاجتماعي وحُب الذات

مواقع التواصل الاجتماعي وحُب الذات

أُجرِيَت دراسة حديثة على ما يقرب من 75 شخصًا تتراوح أعمارهم بين 18-34 عامًا، ويستخدمون منصات
التواصل الاجتماعي لمدة تتراوح يوميًا بين 3-8 ساعات، وقد استمرت هذه الدراسة لمدة أربعة أشهر.

يستخدم 60% من المشاركين في الدراسة موقع الفيس بوك (Facebook)، بينما يستخدم 30% منهم الإنستجرام (Instagram)، و13% تويتر ومواقع أخرى. 

وجدت الدراسة أن الأشخاص الذين ينشرون صورًا شخصية لهم بمعدلات عالية على هذه المنصات كانت لديهم
صفات نرجسية تفوق -بنسبة 25%- الأشخاص الآخرين الأقل نشرًا لصورهم، والذين يعتمدون بشكل أساسي على
المنشورات المكتوبة. 

إذن…

كيف تعزز مواقع التواصل الاجتماعي السلوك النرجسي؟

إذا أردت معرفة العلاقة بين مواقع التواصل الاجتماعي وزيادة السلوك النرجسي، انظر إلى نفسك بعد نشرك لمنشور
ما، خاصةً إذا كان صورة شخصية.

كم مرة تتفقد فيها حسابك -في الدقيقة الواحدة- لكي ترى كم وصل عدد الإعجابات؟ وكم شخصًا علَّق على منشورك؟
وهل كان تعليقه سلبًا أم إيجابًا؟ وانظر أيضًا، إلى أي مدى يتأثر يومك ومزاجك بعدد التفاعلات التي حصل عليها منشورك؟

ربما لا يمثل الأمر لك الكثير من الأهمية، لكنه بالنسبة لآخرين شغلهم الشاغل، بل وقد يعُدُّون عدم اهتمام الآخرين بهم -وثنائهم عليهم- طوال الوقت طعنة في شخصهم، وأمرًا لا يُغتفَر. 

لقد يسرت منصات التواصل الاجتماعي للأشخاص الذين يعانون حب الشهرة والاستعراض تحقيق مبتغاهم؛
فبضغطة زر يستطيعون إغراق المواقع بعشرات الصور، وعشرات المنشورات في اليوم، فيلفتون انتباه الآخرين إليهم، وينالون الشهرة التي سعوا وراءها. 

ليس هذا فحسب؛ بل تمثل منصات التواصل الاجتماعي لهؤلاء النرجسيين بيئة خصبة لالتقاط ضحاياهم،
فالنرجسي لكي يشعر بأهميته، يجب أن يقلل من شأن الآخرين.

فتجد حسابات هؤلاء الأشخاص مليئة بـ:

  • التنمر على الآخرين. 
  • افتعال الصراعات والمشاجرات. 
  • عيش دور الضحية، وادعاء هجوم الآخرين عليهم طوال الوقت.

هذا سيقودنا لتساؤل هام…

هل يمكن أن تصيب مواقع التواصل الاجتماعي الأشخاص الطبيعيين بالنرجسية؟

في حقيقة الأمر، العلاقة بين مواقع التواصل الاجتماعي والنرجسية علاقة معقدة ومحيِّرة.

فما زلنا لا نعلم هل الأشخاص النرجسيون على مواقع التواصل الاجتماعي كانوا مصابين بالنرجسية بالفعل،
وأن هذه المواقع كانت مجرد أداة لهم لممارسة سلوكهم النرجسي؟ أَمْ أنهم كانوا طبيعيين وساهمت منصات التواصل في إصابتهم؟ 

لكن المؤكد -بالنسبة للدراسات التي أُجرِيَت بالفعل- أن اضطراب الشخصية النرجسية منتشر بصورة كبيرة في
العصر الحديث، خاصةً بين المراهقين وصغار السن، وقد ربط العلماء هذا الأمر بظهور مواقع التواصل الاجتماعي،
وكثرة استخدام هذا الجيل لها.

على كل حال لا داعي للقلق؛ فطبقًا لنفس الدراسات، فإن السلوك النرجسي الذي أظهره مدمنو مواقع التواصل الاجتماعي كان من الدرجة المتوسطة، وليس الدرجة الخطيرة. 

لكن يجب دائمًا أخذ الحذر والحيطة عند استخدام هذه المواقع، والحرص على عدم جعلها همنا الأول وشغلنا الشاغل،
حتى لا يتأثر بها سلوكنا. 

في النهاية، لقد قدمت مواقع التواصل الاجتماعي الكثير من النفع لمستخدميها، إذ قربت المسافات ويسرت
التواصل، خاصةً للأشخاص الانطوائيين الذين ربما يجدون صعوبة في تكوين العلاقات على أرض الواقع،
إلا أن ضررها على الصحة النفسية للفرد والأسرة -ومن ثَمَّ المجتمع- لا يجب الاستهانة به. 

المصدر
Are Social Media Sites Making Us All Self-Promoting Narcissists?Narcissism and Social Media: Should We Be Afraid?How technology and social media is undermining family relationshipsSocial media photo overkill may boost narcissism
اظهر المزيد

د. سارة شبل

سارة شبل، طبيبة أسنان وكاتبة محتوى طبي، شغوفة بالبحث والكتابة منذ الصغر، أسعى إلى تبسيط العلوم الطبية وأتوق إلى إثراء المحتوى العلمي العربي، لكي يتمكن يومًا ما من منافسة نظيره الأجنبي بقوة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق