عام

أحلام اليقظة

يُحكى أن ملكًا في قديم الزمان اعتاد الاحتفال بيوم تنصيبه كل عام بطريقة عجيبة.
فقد كان يسمح لرجلين بالدخول إلى كهف مليء بالكنوز لمدة تقارب نصف الساعة، وما يستطيع كل منهما جمعه فهو له.

وفي إحدى السنوات وقع الاختيار على رجلين لدخول الكهف، فدخل الأول وبذل كل جهده لجمع كل ما يستطيع، وانتهت المدة المحددة وحقق مراده وصار غنيًا.

وجاء دور الثاني، فلمَّا دخل الكهف ورأى الكنوز ونظر إلى بريق الذهب والفضة من حوله، أطلق العنان لخياله وظل يحلم بشراء قصرٍ وخيلٍ وجوارٍ وخدمٍ، وتمادى في الأحلام شاعرًا بالنشوة حتى انتهت المدة ورحل دون أن يجمع شيئًا.

ففاز الأول وخسر الثاني، والسبب هو أحلام اليقظة. فأيُّ الرجلين أنت؟!

كم حققتَ من أحلامك التي دائمًا ما تراودك ليلَ نهار؟!

هل ما زلتَ تعيش في أحلام اليقظة؟! وتستحسن الشعور بمجرد لذة تحقيق الحلم وأنت في مكانك دون أدنى خطوة تخطوها لتحقيق ذلك الحلم؟!

هيا بنا صديقي العزيز نبدأ رحلة صغيرة نوضح من خلالها ماهية أحلام اليقظة، وأسبابها، وكيفية التخلص منها.

مفهوم أحلام اليقظة

في كتاب اسمه (The Secret) طرحت الكاتبة فكرة أن هناك طاقة جذب للأشياء -دون أي سند علمي-، وأنك إذا تخيلت أمورًا إيجابيةً كانت أم سلبيةً فإنها تأتيك حتى لو لم تضع خططًا استراتيجية تسير عليها للوصول إلى الهدف.

وهذا مع الأسف أمر خطير يقع فيه الكثير من الناس، ويخلطون بينه وبين مقولة (تفاءلوا بالخير تجدوه).
فالمقولة ليست مرتبطة بحلم يقظة ولا طاقة جذب، ولكن ترتبط بالأخذ بالأسباب كاملة ثم التفاؤل بالخير.

وعلى النقيض، قال “جابريل أوتنجين” في كتابه (Rethinking Positive Thinking): “إن أحلامَ اليقظة بلحظات النجاح تقلل من فرصة تحقيق هذا النجاح”، ودعم كلامه بتجارب حية أوصلته لهذه النتيجة.

فمفهوم أحلامِ اليقظة هو حالة -قد تصل إلى اضطراب نفسي– ينتقل فيها الشخص بخياله من العالم الواقعي إلى عالم افتراضي يرسمه بنفسه، كفيلم تصويري له أبطاله وقصته والسيناريو الخاص به.

وتعد أحلامُ اليقظة عند المراهقين والأطفال هي الأكثر انتشارًا بين الفئات العمرية.
فكلٌ منهم يرسم لنفسه في خياله أحداثًا مثاليةً من المغامرات أو قصص الحب أو غيرها ممَّا تميل إليه نفسه.

أعراض اضطراب أحلام اليقظة

إن أحلامَ اليقظة أمرٌ طبيعي لابد منه، ولكنه يختلف من إنسان لآخر، فهناك مَن يجعل منه دافعًا لصالحه، ومنهم من يقع في شِراكه ويستغرق فيه حياته كلَّها، بل قد ينقلب الأمر إلى اضطراب نفسي.

قد يعاني المصاب باضطراب أحلامُ اليقظة من عَرَضٍ أو أكثر مما سنذكره تاليًا، ولا يُشترَط اجتماع الأعراض معًا؛ ومن أعراض اضطراب أحلامِ اليقظة:

  • أحلامُ اليقظة الواضحة للغاية كأنها قصة مفصلة بكل ما تحتويه من شخصياتها وإعداداتها ومؤامراتها وتفاصيل أخرى صغيرة وكبيرة.
  • حلم اليقظة المرتبط والناتج عن أحداث واقعية.
  • الصعوبة في أداء المهام اليومية.
  • الصعوبة في النوم ليلًا.
  • الرغبة في مواصلة العيش في هذه الأحداث الافتراضية.
  • أداء الحركات المختلفة وتعابير الوجه كالضحك والابتسام في أثناء حلم اليقظة.
  • التحدث بالهمس أو بصوت عالٍ في أثناء حلم اليقظة.
  • امتداد حلم اليقظة لفتراتٍ طويلة تصل إلى ساعات وربما يمتد إلى عدة أجزاء على عدة أيام.

أسباب أحلام اليقظة

أسباب أحلام اليقظة

ليس لأحلام اليقظة سببٌ معروفٌ حتى الآن، ولكن يُعتقَد أن هناك منطقة في المخ تنشط في حالة الاسترخاء بين المهام أو عندما لا يتوفر محفز خارجي لتنشيط الحواس؛ فتُفَعَّل ما تسمى بـ “شبكة الوضع الافتراضي” وهي ما يُعتقد أنها تعمل عند حلم اليقظة. 

خطورة أحلامِ اليقظة

قد تكون أحلامُ اليقظة مفيدة وتحثُّك على الإنتاج والتقدم إذا تحكمتَ بها واستخدمتَها لصالحك، فهي حقًا ممتعة.
ويشعر الشخص فيها بنشوة بالغة لانتصار أو تحقيق حلم أو الوصول لهدف بعيد المنال.

لكن هناك ضريبة يجب أن تُدفَع في مقابل الحصول على هذه المتعة؛ فقد يؤول الأمر إلى مآل غير مرغوب، وتحدث أمور ضارة بل بالغة الضرر، ومنها:

وما زال ارتباط هذه الاضطرابات بحلم اليقظة مَحِل الدراسة من قبل علماء النفس.

بالإضافة لما سبق، فإن الشخص الذي يعاني هذا الاضطراب يظل -غالبًا- في مكانه لا يخطو خطوة واحدة نحو المستقبل كي يحقق مبتغاه ممَّا يراه في حلم اليقظة.

من الممكن أن تكون أحلامُ اليقظة عند بعض الأشخاص سلبية، فيمكث الشخص يفكر في عواقب الأمور ويملأ رأسه بأحداث مأساوية حتى تتمكن منه هذه الأفكار، ممَّا يقوده إلى المزيد من الاضطرابات -كما تقدم- التي قد تصل إلى الانتحار.

تشخيص أحلامِ اليقظة

لا توجد طريقة بعينها متعارف عليها لتشخيص أحلام اليقظة، ولكن وُضع مقياس يسمى مقياس أحلام اليقظة (MSD) المكون من 14 جزءًا، ويمكن من خلاله تحديد مدى معاناة الشخص من هذا الاضطراب.

يقيِّم هذا المقياس الخصائص الرئيسية الخمس لأحلام اليقظة المفرطة، وهي:

  1. محتوى وتفاصيل الأحلام.
  2. قدرة الشخص على التحكم بأحلامه.
  3. مقدار التأثير السلبي لحلم اليقظة على الشخص.
  4. الفوائد الملموسة لحلم اليقظة على الشخص.
  5. مقدار تداخل حلم اليقظة مع قدرة الشخص على القيام بأنشطته اليومية.

علاج أحلامِ اليقظة المفرطة

علاج أحلامِ اليقظة المفرطة

وعلى الرغم من أنه لا يوجد علاج واضح لأحلامِ اليقظة المفرطة، إلا أن بعض الأبحاث أثبتت فاعلية مادة (فلوفكسامين) المستخدمة في علاج الوسواس القهري، ولا يجب تناولها إلا تحت إشراف طبيب.

وعلى كل حال إذا كنت تعاني من أعراض أحلام اليقظة السابق ذكرها، فعليك التوجه إلى الطبيب النفسي لبدء خطة العلاج؛ كي لا يتطور الأمر إلى مزيد من الأمراض النفسية.

وبالحديث عن علاج أحلام اليقظة، يجب أن نعرف أهم الخطوات الفعلية التي تجعل من أحلامِ اليقظة دافعًا للوصول إلى الهدف، بدلًا من الركود والاكتفاء بالشعور اللحظي الممتع، حتى تصل في النهاية إلى السراب.

وهو ما يطرح سؤالًا مهما؛ هل حلم اليقظة يتحقق؟

بالطبع، من الممكن أن يتحقق حلم اليقظة إذا كان موافقًا للضوابط السليمة مع الأخذ بالأسباب، دون التمادي في الحلم بطريقة تؤدي لنتائج عكسية.

فتخيُّل لحظات النجاح أمر جميل ويساعدك على الوصول إليه، ولكن يمكنك الاستعانة بتقنية
(Mental contrasting)- وهي تبديل التفكير في لحظات النجاح الأخيرة والتكريم والتميز والتفوق إلى التفكير في لحظات الفعل نفسها.
والتفكير في التحديات التي من الممكن أن تواجهك وكيفية السيطرة عليها. 

فلو كنتَ -على سبيل المثال- مقبلًا على بطولة في إحدى الألعاب الرياضية، فحوِّل تفكيرك من الاستمتاع بتخيل لحظات التتويج والشهرة ونشر صورك عبر منصات التواصل الاجتماعي المختلفة إلى تخيٌّل التحديات والصعاب التي قد تواجهك في أثناء البطولة كي تحقق هذا الحلم، وكيفية تخطيها، كالكسل عن أداء التمرين أو الإصابات أو الإجهاد في أثناء البطولة و غيرها من المعوقات. 

وكذلك لو كنت -مثلًا- قد بدأتَ في نظام غذائي لفقدان الوزن، فوجِّه تفكيرك وتخيلاتك نحو العقبات التي قد تؤدي إلى فشل هذا النظام وكيف تتخطى لحظات الإحباط، بدلًا من تخيُّل اللحظات الأخيرة وقد خسرتَ وزنك وصرتَ متناسقَ القوام.   

ختامًا عزيزي القارئ…

أحب أن أذكرك بالمقولة الشهيرة: “وما نَيلُ المَطَالبِ بِالتَمنِّي   ولكن تُؤخَذُ الدنيا غِلابًا” 

فلن تنال أهدافك في الحياة بالتخيلات والعيشِ في العالم الافتراضي، ولكنك تنالها بالجد والاجتهاد وبناء عالمك الواقعي.

المصدر
Maladaptive DaydreamingWhy do we daydream?Trapped in a Daydream: Daily Elevations in Maladaptive Daydreaming Are Associated With Daily Psychopathological SymptomsCan Excessive Daydreaming Be a Symptom of Mental Illness?Mental contrasting as a behaviour change technique: a systematic review protocol paper of effects, mediators and moderators on health
اظهر المزيد

د. محمود المغربي

صيدلي إكلينيكي، عملت في المجال الطبي لسنوات اكتسبت خلالها الخبرة الكافية بالإضافة إلى الخلفية الطبية القوية كصيدلي إكلينيكي. أهدف إلى مساعدة الناس على تحقيق حياة صحية أفضل من خلال إعطائهم معلومات دقيقة تستند إلى مراجع طبية موثوقة، بأسلوب كتابة سهل تتحول فيه المعلومات الطبية الأكثر تعقيدًا إلى كلمات سلسة تتدفق بسهولة في ذهن القارئ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق