مفاهيم ومدارك

أخلاقيات العلاج النفسي | ميثاق أخلاقي ومهني بين الطبيب والمريض

(هدى) فتاة تعاني قلة الثقة بالنفس منذ طفولتها؛ نتيجة لتنمر زملائها عليها بسبب بشرتها السمراء…

مرورًا بوالدتها التي تقلل من قيمتها وتُشعرها بأن بنات العائلة أجمل وأذكى منها؛ الأمر الذي أثر سلبًا في شخصيتها فأصبحت انطوائية، تعاني الاكتئاب وجلد الذات لشعورها بأنها أقل مما يجب.

قررت هدى الذهاب إلى طبيب نفسي لتستعيد ثقتها بنفسها، وتتمكن من النجاح في مجالها الوظيفي، خاصة أنها على وشك التخرج من الجامعة.

في البداية، ارتاحت هدى لجلسات العلاج النفسي؛ خاصة مع مداومة طبيبها مدحها وإبراز أجمل ما فيها؛ الأمر الذي تفتقده من أقرب الناس إليها.

في أثناء الجلسات التالية، لاحظت هدى على طبيبها نظراته المريبة لها، وثنائه المبالغ فيه عن ملامحها وجسدها.

فبدأت الريبة تتسلل لقلبها، حتى تأكدت من فقدانه لأخلاقيات العلاج النفسي عندما طلب منها إقامة علاقة غير شرعية معها.

ومن وقتها قررت هدى إيقاف زيارتها لهذا الطبيب، وبدأت تسأل عن اختصاصي نفسي أكثر ثقةً.

سنتعرف سويًا إلى مفهوم العلاج النفسي، وأهم أخلاقيات العلاج النفسي.

ما هو مفهوم العلاج النفسي؟

ما هو مفهوم العلاج النفسي؟

هي جلسات علاجية تشمل حوار المريض مع الاختصاصي النفسي حول مشكلته النفسية بمنتهى الأريحية لإيجاد حلول لها.

تتمثل المشكلات النفسية في

  • أمراض نفسية، مثل: الذهان والاكتئاب والاضطراب الوجداني.
  • التعرض لصدمات قوية، مثل: وفاة شخص عزيز عليك، أو التعرض لاعتداء جسدي أو جنسي.
  • صعوبة في التعايش اليومي نتيجة للإيذاء النفسي سواء من الأهل أو بيئة العمل.

قد تكون هذه الجلسات فردية، أو وسط العائلة إذا كانت المشكلة عائلية وتحتاج إلى تعاون أفراد العائلة في حلها،
أو وسط مجموعة تعاني نفس المشكلة وهو ما يُعرف بالعلاج الجماعي.

تود الحصول على المزيد من المقالات المجانية على ترياقي؟ اشترك الآن ليصلك كل جديد!

تكمن أهمية العلاج النفسي في مساعدة الطبيب المريض على تخطي مشكلته النفسية محاولًا إيجاد حلول لها؛
ومن ثم تتحسن أعراض المريض، ويُقبل على ممارسة حياته بشكل طبيعي.

لتتحقق أهمية العلاج النفسي، لا بد أن يتفاعل الطبيب مع المريض عاطفيًا، ويضع له أهدافًا محددة لجلساته العلاجية؛
فهي ليست مجرد محادثة يومية.

كذلك، فإن ثقة المريض بالطبيب وضمان حفاظه على خصوصيته وأسراره يجعله يبوح بأسراره، التي تساعد الطبيب على فهم الحالة وعلاجها بما يناسبها.

أخلاقيات العلاج النفسي… ضوابط لضمان حقوق المريض 

أخلاقيات العلاج النفسي هي الميثاق الذي يحمي حقوق المريض ويوفر له أفضل خدمة طبية.

تكمن خطورة سوء أخلاقيات الاختصاصي النفسي في:

  • فشل الجلسات العلاجية.
  • نزوح المريض عن العلاج النفسي، وأخذ انطباع سيئ عنه؛ ومن ثم يظل المريض يعاني علته الأساسية.
  • زيادة الاضطراب النفسي للمريض؛ فبدلًا من أن يكون العلاج النفسي هو ملجأ المريض للشفاء، يتحول إلى سبب من أسباب اضطرابه النفسي.

معرفة المريض بأخلاقيات العلاج النفسي تُطلعهم على حقوقهم في أثناء الجلسة العلاجية، وتقيهم من استغلال الأطباء النفسيين غير الأخلاقيين.

أخلاقيات العلاج النفسي التابعة للجمعية الأمريكية لعلم النفس

أخلاقيات العلاج النفسي التابعة للجمعية الأمريكية لعلم النفس

من أوائل المواثيق الأخلاقية لعلم النفس الذي صدر عام ١٩٥٣، ويتجدد باستمرار حتى وقتنا هذا.

يشمل ميثاق الأخلاق مبادئ عامة تُلهم الأطباء في تعاملاتهم مع المرضى، ومعايير أخلاقية ترشد الأطباء
إلى سلوكات معينة إذا خالفها، ويترتب عليه تداعيات مهنية وقانونية.

مبادئ أخلاقيات ممارسة مهنة العلاج النفسي

١. الإحسان وعدم الإساءة

من أهم أخلاقيات العلاج النفسي، الذي ينص على حماية حقوق المريض ورفاهيته، والتعامل معه بمهنية دون الميل إلى التحيز أو الأحكام المسبقة عليه نتيجة لجنسه أو عرقه أو أفكاره السياسية أو ديانته؛ فالكل سواء وله الحق في تلقي العلاج النفسي.

٢. المسؤولية والإخلاص

يحمل الاختصاصي النفسي مسؤولية أخلاقية في نشر المعايير الأخلاقية لزملاء مهنته، ومسؤولية اجتماعية لأن توصياتهم قد تغير حياة المرضى.

٣. النزاهة والعدل

لا مجال لخداع المريض، أو إخفاء أي شيء متعلق بحالته المرضية؛ فالشفافية والمصداقية هما حجر زاوية اكتساب الطبيب ثقة مرضاه؛ وبدونها لا قيمة للعلاج النفسي.

٤. احترام كرامة المريض

هي من حقوق المريض الأساسية، والتي تشمل الحفاظ على خصوصية المريض، واحترام توجهاته وآرائه.

٥. توفير أفضل رعاية طبية للمريض

مصلحة المريض فوق كل اعتبار، ولكي يتمكن الطبيب من مساعدة المريض، يشعر أولًا بمعاناة المريض ويشاركه آلامه، ويتحلى بالأمانة في شرح الخيارات العلاجية المناسبة له.

المعايير الأخلاقية للعلاج النفسي

وهي نصائح تمكن الطبيب من التعامل المهني مع مريضه، مع ضمان حقوقه وعدم وقوع الطبيب في أخطاء يترتب عليها تداعيات أخلاقية ومهنية.

١. عدم استغلال ضعف المريض

بمرور الوقت يحتل الطبيب ثقة كبيرة من قِبل مرضاه.

لكن بدلًا من استخدام هذه الثقة في إرشاد مرضاهم لطرق العلاج المناسبة لهم وحثهم على الاستمرار في العلاج،
يلجأ بعض الأطباء عديمي الأخلاق إلى أشكال مختلفة من الاستغلال.

أشكال استغلال الطبيب للمريض

  • الدخول في علاقات غير مشروعة والتحرش الجنسي بالمريض.
  • الابتزاز المادي؛ أي مساومة المريض على عدم نشر معلوماته السرية مقابل المال.
  • توريط بعض المرضى في عمليات مشبوهة لصالحهم.
  • استخدام المرضى للدعايا الخاصة بهم دون الحصول على موافقتهم.

ينبغي للطبيب الحفاظ على علاقة آمنة بينه وبين المريض ولا يسمح أبدًا بتطورها، وإذا حدث تجاوز للحدود من قِبل المريض، ينبغي للطبيب أن يكون يقظًا ويوقفها للحفاظ على مهنيته.

٢. احترام قرار المريض

عند اقتراح الاختصاصي النفسي التوصيات العلاجية لحالة المريض، ينبغي له توضيح مزايا كل توصية علاجية وعيوبها وعواقبها.

فالمريض هو المسؤول عن اختيار طبيعة العلاج، وله الحق في الانسحاب من الجلسة العلاجية متى شاء.

إذا كان المريض تحت السن القانوني أو يفتقر لقدرته العقلية على اتخاذ القرار، يرجع الطبيب إلى الأهل ويسألهم عن رغبتهم.

٣. الرجوع إلى طبيب مختص إذا لزم الأمر

لا يتردد الطبيب الأمين في الاستعانة بطبيب آخر يُجيد التصرف في بعض الحالات خارج تخصصه؛ فهذا لا ينتقص منه، بل يزيد احترامه وثقته في أعين المريض.

٤. الحفاظ على خصوصية المرضى

الطبيب مؤتمن على أسرار المريض العلاجية والشخصية التي تسهم في العلاج؛ فالمريض -كأي إنسان- له الحق في حياة خاصة.

عندما يضمن المريض احترام خصوصيته وأسراره، تزداد كفاءة الجلسات النفسية؛ إذ يبوح المريض بالمعلومات اللازمة لعلاجه خاصة إذا كانت المشكلة متعلقة بالوصم والتمييز، مثل: الأمراض العقلية.

٥. عدم إقحام المرضى في تجارب نفسية دون موافقتهم

من أنواع استغلال المرضى قديمًا في الدول المستعمرة، لكنه لا يزال يُنفَّذ نتيجة لسوء أخلاقيات الاختصاصي النفسي الذي يسعى للحصول على نتائج تفيده في مشواره البحثي، دون الاهتمام بموافقة المريض أو رفضه.

فالمريض له الحق في الموافقة أو رفض المشاركة في التجارب النفسية الخاصة بالطبيب.

٦. التطوير المستمر لمعرفة ومهارة المعالج النفسي

تُعَد زيادة خبرات وكفاءة الاختصاصي النفسي من قبل التدريبات والدورات المستمرة من أهم المعايير الأخلاقية للعلاج النفسي.

فمهما كان الطبيب متمتعًا بعاطفة تستوعب المريض، إذا لم يطلع على أحدث الطرق العلاجية بصورة مستمرة،
لن يستفيد المريض من هذه الجلسات.

لا يكتفي الطبيب بإثراء مهاراته ومداركه، بل ينبغي له نشر ما تعلمه مع جميع المعنيين في تقديم الرعاية الصحية
من زملاء مهنته.

مجمل القول، نشر مفهوم أخلاقيات العلاج النفسي ينقذ الكثير من المرضى النفسيين غير المدركين بحقوقهم،
وغير المدركين لأوجه الاستغلال المختلفة التي قد تُمارَس عليهم.

إذا شعرت -عزيزي المريض- بأي انتهاك أو استغلال في أثناء جلستك العلاجية، كن إيجابيًا ولا تخف من مواجهة الطبيب، ولا تزره مرة أخرى.

لكن هذا لا يعني الامتناع عن العلاج النفسي، بل تحرَّ الدقة في البحث عن طبيب يحترم أخلاقيات ممارسة مهنة العلاج النفسي، ويضع مصلحة المريض نصب عينيه.

المصدر
APA Ethics Code Principles and StandardsEAP Statement of Ethical PrinciplesAPA Ethical Code of ConductPotential ethical violations
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى