ترياق الأسرةترياق الروح

أزمة الهوية عند المراهقين | حتى مرآتي ترفضني!

حل المساء، وانتهيت من أعمالي المنزلية، وجلست التقط أنفاسي بعد يومٍ عصيب -ومجهود روتيني من عملي الوظيفي- في منزلي ومع أولادي.

أدرت التلفاز؛ فقد حان موعد برنامجي المفضل، التفت سريعًا إلى مذيعة البرنامج التي تتحدث متحمسة عن حلقة اليوم مع طبيب نفسي في موضوع يهم كل بيت، وقالت بنبرة يملؤها الحماس: “تابعوني أعزائي الآباء والأمهات لنعرف أكثر عن أزمة الهوية عند المراهقين”.

إن الأمر حقًا شاق؛ يؤرقني سلوك ابنتي، صرت لا أعلم ماذا أفعل معها ولم صارت هكذا، صرت لا أعرفها!

وسط تساؤلات روحي وحيرتي، جذب انتباهي صوت الطبيب ضيف حلقة اليوم قائلًا: “إن اختلاف سلوك مراهقك عما تتوقعه أمر صحي؛ فقد حان أوان التغيير وبداية طريق النضج.

اترك له المساحة لتخطي تلك الأزمة؛ فهي ترتبط بمرحلة حرجة من عمره اسمها المراهقة، فالعبء ثقيل على كتفيه”.

شرد ذهني ثانية، وأيقنت أن الأمر أزمة على صغيرتي قبل أن تكون أزمتي. حينها عزمت الأمر والنية أن أهدأ لأكون لها العون والسند لعبور أزمة أطلق عليها علم النفس وأطباؤه “أزمة الهوية عند المراهقين”. فِلَم أكون أنا ضد التيار؟!

عزيزي القارئ… إن أبناءنا هم حصاد حدائق أيامنا، يمرون بأزمات تعتصرهم. فلا تكونوا عليهم، وكونوا معهم.

رافقوني هذا المقال، سنتحدث عن أزمة الهوية وأسبابها، وما يحيط بها من علامات استفهام إجاباتها ستفيدك، هيا بنا نتناول بعضها، مثل:

  • أزمة الهوية في مرحلة المراهقة.
  • أزمة الهوية في المراهقة والحاجة إلى الإرشاد النفسي.
  • أسباب أزمة الهوية عند المراهقين.
  • أزمة الهوية عند الشباب.     

هوية ومراهقة، أمران معقدان، كل منهما طريق شائك في حياة الإنسان، إثبات كيان وبداية شخص مسؤول، أو انحدار في هوة البركان وصراع دامٍ مؤلم مع النفس.

تعبيران يستحقان التوقف، ليس لالتقاط الأنفاس؛ ولكن لأنهما لبنة بناء الأجيال، ويستحقان بذل الجهد، والحنان والعطف، والشعور بالمسؤولية، مع وضع الأمر في بؤرة اهتمام مضيئة من المُربي. 

قبل دمج الكلمتين في تعبير رنان… “هوية المراهق”، علينا الأخذ في الاعتبار أنها من أهم مشكلات العصر، وكل عصر؛ فقد صارت كلماتها أزمة نشعر بها ونواجهها في حياتنا، أزمة الهوية عند المراهقين. 

مرحلة المراهقة

تعَدُّ مرحلة اضطراب متعدد الجوانب في حياة الفرد، وقد طال أمدها في الآونة الأخيرة نظرًا لصغر سن البلوغ، وطالت مدتها لطول الأعمار الناتج عن الاستقلال المادي، بغض النظر عن التطور الفكري المستمر.

مرحلة تحديات، واندفاع نحو نضج، مشروط بتحرر من ارتباط الطفولة وأمانها.

تتميز مرحلة المراهقة بكثير من القلق والوعي، والاهتمام بالمظهر والشعور بالخصوصية، وذلك لوجود تغييرات هرمونية وبيولوجية في جسم المراهق.

يحاول المراهق في تلك المرحلة اكتساب حرية واستقلالية، واعتماد على النفس، واختلاف عن الآباء، مما يمكّنه من تكوين هويته وتطويرها.

تنقسم مرحلة المراهقة إلى ثلاث مراحل، هي:

-المراهقة المبكرة (من 10 إلى 14 سنة)

-المراهقةُ المتوسطة (من 15 إلى 17 سنة)

-المراهقة المتأخرة (من 18 إلى 24 سنة)

الهوية

الهوية بناء داخل كل شخص هو وحده مَنْ له حق تشييده، وهي شجرة متفرعة الغصون. لذا، عليك تكوين هوية فكرية، وتحديد آرائك ومعتقداتك دينيًا وسياسيًا وأخلاقيًا. كما تُبنَى الهوية اجتماعيًا وعاطفيًا وجنسيًا ومهنيًا.

وهناك جوانب أخرى للهوية ولكنها خارجة عن إرادتك وتأثيرك، فهي ليست بيدك، مثل: الأصول، والطول،
والجانب الشكلي، وأي طبقة اجتماعية واقتصادية تنتمي إليها، وتاريخك؛ فتلك جذور هويتك.

إذا كان التشييد قويًا متينًا، كانت هويتك وابتعادك عن التشابه مع غيرك، وإن وُجِد في بعض الجوانب. أما إذا ضَعُف البناء، كان الشخص مشوشًا مشتتًا في اكتشاف ذاته وتقديره لها.

تشييد هويتك يعتمد على خوضك تجارب لتصل إلى هوية ثابتة معبرة عنك، قد تتراجع عن فعل أمر جربته أو تطوِّره اعتمادًا على ما توجِّهك إليه تجاربك ونتائجها، ورضاك عما تصل إليه.   

إن تكوين الهوية يبدأ ويبلغ ذروته وحدته في غضون مرحلة المراهقة؛ فتنشأ غصونه وتتفرع.

ولا تتوقف عملية تكوين الهوية بعد سنوات المراهقة؛ فهي عملية تستمر مدى الحياة، ولطالما وجد الفرد أدوارًا جديدة وتحديات وتجارب مختلفة، مثل دور الوالدين وغيره من الأدوار الحياتية.

لاحظ علماء النفس أن اكتمال اكتشاف الهوية وتكوينها يحدث في المراهقة المتأخرة، أو ما يُعرَف بـ”سنوات الشباب الأولى”.

ما هي أزمة الهوية في مرحلة المراهقة؟

قسَّم أحد أشهر علماء النفس دورة حياة الإنسان إلى ثمانية مراحل، تحتوي كل مرحلة على صراع مرهق وأزمة مصيرية، ويؤدي حل تلك الصراعات إلى تنمية الشخصية وتكوينها.

وكان الصراع المرتبط بمرحلة المراهقة -وهو “تكوين الهوية مقابل ارتباك الدور”- صراعًا بين اكتشاف الهوية والالتزام بها.

ومن الجانب الآخر، الاستمرارية في دور واحد وشخصية واحدة معتادة في طفولته، وعدم قدرته على الالتزام بذلك المسار أحادي الاتجاه. من هنا، كانت نشأة أزمة الهوية.

في الأسئلة الوجودية -مثل: من أنا؟ كيف سأُكون مستقبلًا؟ ما هدفي؟ وما قيمتي؟- تكون الإجابة معقدة وغير مباشرة. لذا كانت أزمة، إذن فهي أزمة الهوية.

لا يقتصر وجود هذه الأزمة في مرحلة المراهقة؛ فقد يعانيها الشباب أو آخرون في مراحل متقدمة من العمر لأسباب كثيرة. 

قد يستطيع المراهق تجاوز فترة تكوين الهوية بلا أزمة إن كانت طفولته تأسيسًا صحيحًا لمرحلة البناء، وتفهَّم الوالدان صعوبة تلك المرحلة، وسارعا في تقديم العون والإرشاد. 

ما هي أسباب أزمة الهوية عند المراهقين؟

يمكننا ذكر بعض الأسباب التي تؤدي إلى شعور المراهق بتلك الأزمة، مثل:

  • العائلة

يُعَدُّ دور الأسرة في طفولة المراهق نقطة ارتكاز وثقة في تكوين هويته وتطورها، والالتزام بها دون شتات.

لذا، على الآباء تعريف الطفل بهويته الدينية والاجتماعية والجنسية في مراحل الطفولة المختلفة، والتوعية بالأنماط الأخرى في مجتمعه، دون ترك الأمر لأمواج الواقع بلا إرشاد؛ فيساعده ذلك على اجتياز أزمة الهوية عند المراهقين.  

عدم احتواء الأسرة للمراهق وعدم تقبُّل الوالدين لاختلافه قد يتسبب في هدم الهوية، إضافة إلى الخلافات العائلية والمشكلات بين الوالدين.

  • التنمر والرفض

قد يتعرض المراهق لرفضه -شكلًا وموضوعًا- من المحيطين في المدرسة، أو الأهل، أو حتى النادي، مما يضطره إلى تغيير مسلكه لينال رضا بعض الأشخاص، فتبدأ هويته في التداعي والانهيار.

  • التغيرات الفسيولوجية والهرمونية

تؤثر في بعض الأحيان في تكوين هوية المراهق؛ فقد تصل به إلى حد الأزمة والتشتت في وقت لاحق.

قد تؤدي أزمة الهوية عند المراهقين وتشتُّتهم إلى انحراف سلوكي، مثل: التدخين، وتعاطي المخدرات، وعادات وسلوكيات أخرى خاطئة… 

إن وجود الوالدين وتفهُّمهم للوضع طوق نجاة للمراهق، ولكن في بعض الأحيان تتفاقم أزمة الهوية في المراهقة،
والحاجة إلى الإرشاد النفسي تصبح ضرورة لنجدة المراهق والمحيطين والمجتمع بأكمله.  

أزمة الهوية عند الشباب

قد يتأخر المراهق في تكوين هويته، فيتردد ويتشتت، ويستشعر الأزمة فيزداد الأمر سوءًا. يؤدي ذلك إلى وصوله إلى سنوات الشباب الأولى ولا يزال عالقًا متشتتًا، فلم يستطع اكتشاف ذاته أو الالتزام باختياراته وأهدافه.

يعاني الشباب أصحاب أزمة الهوية ويشعرون بالفشل، وقد ينجرفون إلى سلوكات معادية للمجتمع؛ فتجد الواحد منهم
لا يملك اتخاذ القرار، وتتسم اختياراته بالتبعية في كثير من جوانب الحياة، وسلوكه ذو الهوية السلبية نابع من فطرته وما شب عليه دون اختيار منه، تلك أكثر مراحل الأزمة إيلامًا.

يمكننا -مما سبق ذكره- إدراك أن أزمة الهوية في المراهقة والحاجة إلى الإرشاد النفسي للمراهق وجهان لعملة
واحدة، عملة صاغها الطب النفسي لنصل بالمراهق إلى منطقة آمنة، يتجنب فيها اضطرابات وانحرافات نفسية عدة، فنحمي الفرد والمجتمع قبل فوات الآوان.

عزيزي القارئ ولي أمر المراهق… في دارك جوهرة عليك الحفاظ على هويتها وبريقها؛ فقد حان دورك لتقدم  للمجتمع كيانًا راقيًا منفردًا!

المصدر
Identity Crisis Identity Experimentation in Early and Mid Adolescence Who I Am: Identity and adolescence Theories of Identity AdolescenceThe New Identity CrisisAdolescence and Internet IdentityAre You Having an Identity Crisis?identity crisisWhat’s an Identity Crisis and Could You Be Having One?
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق