ترياق الأسرة

أزمة منتصف العمر والزواج الثاني

تزوجت منذ عشر سنوات، كان رجلًا لم أرَ مثله في حياتي، كان رفيق دربي طوال هذه المدة، وكنت أشعر أنني حصلت على أعظم أب لأطفالي.

أخبرني منذ مدة قصيرة أنني سبب تعاسته، وأن وجودي في حياته يقيد أحلامه وطموحاته. لم أفهم حديثه، إذ إنه لا يوجَد سبب محدد لهذا الخلاف المفاجئ. لذلك، تجاهلت هذا الموقف واعتقدت أنه مجرد سوء تفاهم طبيعي.

يخبرني الآن بعد كل هذا الوقت أنه سيتزوج فتاة صغيرة وأن زفافه خلال أيام! شعرت بالظلم والخداع، لا أستطيع السيطرة على مشاعر الغضب التي أشعر بها، ولكنني أريد فقط معرفة سبب هذا التغير المفاجئ!

سنناقش معًا في هذا المقال أزمة منتصف العمر والزواج الثاني، وتأثير هذه الأزمة في حياة الأسرة، وكيفية التغلب عليها.

ما هي أزمة منتصف العمر؟

لعلك سمعت من قبل عن أزمة منتصف العمر، أو ما يُسمَّى بـ”المراهقة الثانية”. تُعَدُّ هذه المرحلة من أصعب المراحل التي يمُرُّ بها الإنسان، إذ إنها قد تدمر حياته الأُسَرية وعلاقاته الاجتماعية.

تحدث هذه الأزمة للرجال والنساء بين سن الأربعين والخمسين، إذ يبدأ الشخص بالتفكير في حياته السابقة، ويشعر أن سنوات عمره ضاعت بين العمل وتربية الأبناء، ويتمنى الرجوع إلى سن الشباب الذي لم يستمتع به.

تتغير تصرفات الشخص وسلوكياته المعتادة، ويفقد الشغف والاهتمام بحاضره، ويشعر أن كل إنجازاته لا قيمة لها؛ فالعمر يجري أمامه، ولا يُقدِّر أي شخص إنجازاته وتضحياته.

توجَد بعض الحالات النادرة التي تظهر فيها أعراض هذه الأزمة على الرجل أو المرأة قبل سن الأربعين، وتُسمَّى “أزمة منتصف العمر المبكرة”.

مظاهر أزمة منتصف العمر عند الرجال

مظاهر أزمة منتصف العمر عند الرجال

عندما يمُرُّ الرجل بهذه المرحلة، يتهدد أمان الأسرة واستقرار الأبناء، وتختلف طريقة عبور هذه الأزمة من شخص لآخر، إذ يستطيع بعض الأشخاص عبورها بسلام، بينما البعض الآخر يهدم حياته بِرُمَّتها دون أن يدري.

ومن أهم مظاهر أزمة منتصف العمر عند الرجال:

الاضطرابات العاطفية

يواجه الرجل تقلبات شديدة في المِزَاج وبعض الاضطرابات العاطفية التي لا يستطيع السيطرة عليها، فيشعر بالغضب الدائم تجاه زوجته وأطفاله، وربما يحاول البحث عن حياة جديدة. وهنا، تظهر مشكلة أزمة منتصف العمر والزواج الثاني.

الانسحاب من حياته الطبيعية

يتجاهل الرجل في هذه المرحلة مجال عمله، ويشعر بالملل الشديد من نمط حياته المعتاد، ولذلك يبدأ الانسحاب تدريجيًا من مسؤولياته وعلاقاته الأُسَرية.

قد يبحث أيضًا عن مجموعة جديدة من الأصدقاء الأصغر سنًا، لأنه يظن أنه يستطيع معهم استعادة سنوات شبابه.

أمراض جسدية

عندما يصل الشخص إلى سن الأربعين، يكون أكثر عرضة لبعض الأمراض الجسدية، مثل:

  • ارتفاع ضغط الدَّم.
  • زيادة الوزن.
  • ارتفاع نسبة الدهون.
  • نقص الكتلة العضلية.
  • زيادة نسبة الكولسترول.

أزمة منتصف العمر والزواج الثاني

يُعَدُّ الزواج الثاني أحيانًا بداية حياة جديدة وفرصة أخرى لتكوين أسرة سعيدة، ولكن في هذه الحالة -عندما يكون السبب الأساسي لهذا الزواج مرور الرجل بأزمة عابرة والرغبة في التغيير- فإنه يسبب التعاسة للعديد من الأشخاص، ويهدم استقرار الأسرة.

يشعر الرجل بأنه يريد التحرر من قيود العائلة، ويرغب في بداية صفحة جديدة من حياته، فيفكر بالزواج من فتاة صغيرة حتى يستعيد معها ذكريات شبابه، ويعتقد أن هذا الزواج سيخلصه من كل المشاعر السلبية التي تزعجه.

أسباب ظاهرة أزمة منتصف العمر والزواج الثاني

توجَد العديد من الأسباب التي تؤدي إلى ظاهرة أزمة منتصف العمر والزواج الثاني، ومنها:

  • مرور عدة سنوات على الزواج، وشعور الزوج بالملل.
  • الخلافات الزوجية.
  • الرغبة في التغيير.
  • إقناع نفسه بأنه ما زال في سن الشباب.
  • عدم الاستقرار النفسي والعاطفي.
  • فقدان الثقة بالنفس.
  • انشغال الزوجة بالمنزل والأطفال.

تأثير أزمة منتصف العمر والزواج الثاني

لا يقتصر تأثير هذه الأزمة على علاقة الرجل بزوجته الأولى؛ فقد يؤدي هذا الزواج إلى العديد من المشكلات التي لا يستطيع السيطرة عليها بعد انتهاء هذه المرحلة. ولعل أبرز هذه المشكلات:

الحالة النفسية للأطفال

تأثير أزمة منتصف العمر والزواج الثاني

لا يفهم الطفل -في سنِّه الصغيرة- الأزمة التي يمُرُّ بها والده، ويشعر بأنه تخلى عنه. وقد يؤدي ذلك إلى:

  • تراجع المستوى الدراسي للطفل.
  • اختلال التوازن النفسي.
  • الشعور بالنقص وقلة الاهتمام.
  • حدة الطباع.
  • الميل إلى العزلة.
  • انعدام الثقة بالنفس.
  • الشعور بالذنب.
  • التصرف بعدوانية.

2- الحالة النفسية للزوجة الأولى

تعيش الزوجة في معاناة ويصعب عليها التعامل مع هذه المشكلة؛ إذ تسبب لها العديد من الأضرار النفسية، مثل:

  • الشعور بالوحدة والاكتئاب.
  • الغَيْرَة والغضب عندما ترى زوجها يهتم بامرأة أخرى.
  • الشعور بالظلم والخداع.
  • فقدان الثقة بالنفس.
  • الانهيار النفسي والشعور بالعجز.
  • الشعور بالفشل؛ فهي لم تستطع النجاح في هذا الزواج.
  • عدم القدرة على التحكم في مشاعرها السلبية.

3- الحالة النفسية للرجل

عندما تنتهي أزمة منتصف العمر، ويتخلص الرجل من كل الاضطرابات العاطفية التي كان يشعر بها، وبعد اتخاذ قرار الزواج الثاني وإدراكه للحالة النفسية السيئة لزوجته وأطفاله، من الممكن أن يواجه بعض المشكلات التالية:

  • الشعور بالذنب والخجل.
  • تفضيل العزلة والبعد عن الأصدقاء.
  • الأزمات المادية.
  • قلة الإنتاجية في العمل بسبب التوتر والضغط.

أثبتت بعض الأبحاث أن أزمة منتصف العمر قد تؤدي إلى الإصابة بالاكتئاب، وتفكير الشخص في الانتحار. لذلك، لا يجب السخرية من الاضطرابات النفسية التي يشعر بها الشخص خلال هذه المرحلة.

أزمة منتصف العمر عند النساء

كما ذكرنا من قبل أن هذه الأزمة لا تحدث للرجال فقط؛ فهي تحدث للنساء أيضًا في نفس السن.

توجَد العديد من الاختلافات الفسيولوجية والنفسية بين الرجل والمرأة. لذلك، قد تختلف أحيانًا مظاهر أزمة منتصف العمر عند النساء عن الرجال. ومن أهم هذه المظاهر:

النظرة الكئيبة للمستقبل

تفقد المرأة في هذه المرحلة الاهتمام بالأشياء التي اعتادت الاستمتاع بها، وتؤدي مشاعر الحزن والاكتئاب التي تشعر بها إلى الاستسلام للواقع وعدم طلب المساعدة.

المشاعر السلبية

تواجه بعض مشاعر الغيرة والحقد عندما تقارن نفسها بالسيدات الأصغر سنًا، وتشعر أيضًا ببعض المشاعر المختلطة، مثل: الملل الدائم، والفشل، والندم على سنوات الشباب الضائعة.

اضطرابات جسدية ونفسية

تكون المرأة عرضة للإصابة بنفس الأمراض الجسدية التي يُصاب بها الرجل في هذه المرحلة، بالإضافة إلى بعض المشكلات الأخرى:

  • صعوبة التركيز.
  • نوبات متكررة من الحزن والبكاء دون سبب.
  • تساقط الشعر.
  • اضطراب الهرمونات.
  • عدم انتظام الدورة الشهرية.

هل يمكن التغلب على أزمة منتصف العمر؟

هل يمكن التغلب على أزمة منتصف العمر؟

بعد أن ناقشنا أزمة منتصف العمر والزواج الثاني، وتأثيرها في الحالة النفسية لأفراد الأسرة، وتعرَّفنا إلى المعاناة التي يمُرُّ بها الرجل والمرأة خلال هذه المرحلة، نذكر الآن بعض الاقتراحات العملية التي قد تساعدك في حل هذه الأزمة:

  • لا تستمع إلى سخرية الآخرين من مشاعرك، وحاول القراءة عن هذه المرحلة، والتعلم من تجارِب أشخاص آخرين عبروا هذه المرحلة قبلك.
  • يشترك الزوج والزوجة في مسؤولية الحفاظ على استقرار العائلة، لذلك يجب وضع الخلافات جانبًا، ومحاولة تفهُّم مشاعر الطرف الآخر، والتحدث عن مخاوفك وحالتك النفسية السيئة دون خجل.
  • تمسَّك بالأصدقاء المخلصين الذين يستطيعون سماعك وتقبُّل أفكارك دون تقييمك أو السخرية منك.
  • انظر إلى نجاحاتك وإنجازاتك، وكن فخورًا بها حتى لا تشعر بالفشل والإحباط.
  • حاول تقبُّل تغيرات ملامحك ومظهرك الخارجي؛ فكل مرحلة في الحياة لها المميزات الخاصة بها.
  • يمكنك اتباع نمط غذائي صحي، وممارسة الرياضة بانتظام حتى تتجنب العديد من الأمراض الجسدية والنفسية.
  • إن لاحظت أنك تفكر في الانتحار، يجب عليك طلب مساعدة الطبيب النفسي وعدم تجاهل الأمر.

لا تعتقد أن هذه المرحلة لا توجَد بها أي إيجابيات؛ فعندما تمُرُّ بها، ستكتشف طُرُقًا جديدة وحلولًا إبداعية لم تكن تتخيلها. لذلك، لننظر معًا إلى هذا الجانب المشرق.

أزمة منتصف العمر ليست مرضًا نفسيًا يتطلب العلاج، ولكن يمكن أن نَعُدَّها مرحلة انتقالية بين تهوُّر الشباب، والوصول إلى سنِّ الحكمة والنضوج.

المصدر
What Are the Signs of a Midlife Crisis? 17 Signs You're Having a Midlife CrisisMidlife Crisis: Transition or Depression?
اظهر المزيد

د. راشيل نادي

صيدلانية وكاتبة محتوى طبي. هدفي أن يصل العلم بشكل غير معقد لمن يريد المعرفة، أثق أن الكتابة ليست مجرد موهبة ولكنها شغف نستطيع به أن نصل لعقول الآخرين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق