ترياق الأسرة

أسرة سوية نفسيًّا

– أمي، انظري إلى ترتيبي المدرسي، لقد حصلت على المركز الثاني!

– الأم: لماذا لست الأول؟!

– الولد: إنها بعض الأخطاء الصغيرة، فقدت التركيز في الامتحان فلم أرها.

– الأم: إذًا عليك أن تصب تركيزك المرة القادمة؛ كي تصير الأول بلا منازع.

– أمي، أين أبي؟! لماذا لم يأتِ إلى حفل تكريمي؟! فكل آباء أصدقائي هنا!

– تعرف يا بني، والدك كثير العمل، ولكنني هنا، اعتبره قد جاء بمجيئي.

“بُني، أحضر لي تلك الزجاجة.”

[أسقطها وهو يحضرها] 

الأم [صارخة]: ماذا فعلت؟! أنت لا تصلح لشيءٍ أبدً!

“لماذا أبي وأمي دائمَـا التشاجر؟!”

 قالها طفلٌ باكيًا تحت غطاء سريره حتى غفل دون أن يشعر به أحد!

مواقف قد نكون مررنا بها، تركت في بعضنا ندوبًا أو تجاوزها بعضنا بمرور الوقت.

إذا أمعنّا النظر، سنجد أنّ النظام الأسري وُجد في الأساس لإنشاء طفل سوي على جميع الأصعدة.

أسرة سوية نفسيًّا ، من أهم وأقيم ما يمكن أن نقدمه للطفل والمجتمع.

ما هي الأسرة؟ وكيف نستطيع تأسيس أسرة سوية نفسيًا ؟ 

الأسرة من حيث أتى الإنسان، وهي الوحدة الرئيسة لتكوين المجتمع. الأسرة بالمعنى المتعارف عليه (أب، وأم، وأطفال).

من الممكن معرفة حال الأسر بالنظر إلى المجتمع ككل، إذ بينهما علاقة طردية: 

إذا صلحت الأسرة؛ صلح المجتمع، والعكس صحيح.

المناخ الأسري الطبيعي

هو السقف المسؤول عن توفير الأمور اللازمة لأفراد الأسرة، مثل:

  • الحد الآدمي الأدنى -على الأقل- من الغذاء والملبس. 
  • تربية الطفل بطريقة جيدة. 
  • الاحتياجات النفسية الأساسية من حب واحتواء وأمان.

المناخ الأسري المضطرب

قد تحدث اضطرابات تعصف بذلك السقف الآمن؛ تزعزع قوته وأمانه، ويُطلق عليها المشاكل الأسرية.

المشاكل الأسرية

هي اضطراب في المناخ الطبيعي للأسرة. وتنقسم إلى: مشاكل مادية، واجتماعية، وثقافية، وصحية، ونفسية. 

سنلقي الضوء -في مقالنا هذا- على المشاكل النفسية التي قد تزعزع مناخ الأسرة الطبيعي.

تأثير المشاكل الزوجية في الأطفال

المناخ الأسري الطبيعي

وهي نقطة حساسة جدًا؛ فاختلاف الزوجين بين الحين والآخر وارد الحدوث ولا يخلو بيت منه تقريبًا، لكن المشكلة الحقيقية تظهر عندما ينفعل الزوجان على بعضهما أمام الطفل؛ مما يُولِّد قلقًا وخوفًا عنده، ويؤثر في نفسيته وشعوره بالأمان. 

لذلك؛ يجب مراعاة تجنب الشجار تمامًا أمام الأطفال. 

لمعرفة المزيد عن هذه المشكلة، وكيفية الحد منها، يُمكنك الضغط هنا.  

غياب الأب

يعد من أكثر الأسباب الهادمة لنفسية الطفل وأمانه وثقته بنفسه؛ سواء أكان هذا الغياب دائمًا أم متقطعًا. 

وفاة الأب مشكلة كبيرة، لكن الأكبر منها أن يكون على قيد الحياة ولكنه مختفٍ من حياة أولاده!

إهمال الأب لمسؤوليته تجاه أبنائه بسبب عمله أو اعتقاده أن تربية الأبناء وظيفة الأم فقط؛ من أكثر المشاكل العصرية التي تواجه مجتمعنا. 

فمن الآباء من يظن أن وظيفته مقتصرة على العمل لتوفير الغذاء ونحو ذلك -وهذا بالتأكيد مهم-، لكنه بذلك يوفر الجزء المادي فقط، أما على الصعيد المعنوي والنفسي؛ يَحدث خلل كبير يؤثر في نفسية الطفل.

لو كانت تنشئة الطفل تعتمد على طرف واحد فقط؛ لما وضع الله فطرته في الأرض باحتياج كل من الذكر والأنثى بعضهما لإحضار نواة جديدة إلى الدنيا.

لمعلومات أكثر عن كيف يؤثر الانفصال في الأولاد، يمكنك الضغط هنا.

اتخاذ سياسة العنف التربوي

قد يتخذ الآباء -وأحيانا الأمهات أيضًا- سياسة العنف ضد الطفل لحل المواقف، بدلًا من التفاهم والحوار.

بعضهم يلجأ إلى ذلك لكي لا يُحمّل نفسه عبء الحديث أو التبرير أو التوضيح للطفل (أين خطؤه، وماذا عليه أن يفعل المرة القادمة). 

لكنهم بذلك يكسرون قلب طفلهم ومشاعره، ويساعدون في بناء الحواجز بينهم. لا، بل ويزعزعون ثقته بنفسه وأدائه في المجتمع.

للاطلاع على مزيد من المواقف والأمثلة؛ اضغط هنا.

الحب المشروط

“إذا لم تنهِ طعامك كله؛ فلن أحبك.”

“أريدك أن تحصل على أعلى العلامات في الصف؛ لكي أحبك.”

عباراتٌ وعباراتٌ من هذا القبيل، تضع الطفل تحت ضغط نفسي لإنجاز ما طلب منه، وإلا سيفقد ذلك الشعور الجميل المُطَمئِن له؛ وهو حب والديه. 

مشكلة يقع فيها أغلب الأمهات؛ ظنًا منهن أنهن هكذا يقمن بتحفيز أبنائهن على إنجاز مهامهم، لكنهن -مع الأسف- ينثرن بذور الخوف والنبذ عند أبنائهن. 

فإن لم يجد الابن الحب عند والديه؛ فأين يجده؟! 

فقدان الثقة بالنفس 

يشعر به بعض الأطفال، خاصة أولئك الذين يتعرضون دائمًا للتوبيخ والزجر على أي شئ حتى وإن كان صغيرًا.

ليس بالضرورة أن يكون الطفل عبقريًّا أو أن يفعل شيئًا خارقًا لم يفعله أحد من البشر قط، لكي يلقى تشجيعًا من أبويه؛ فالتشجيع مطلوب حتى وإن كان لأسباب تافهة في نظرهما.

للمزيد؛ اضغط هنا.

غياب الحوار 

وهي مشكلة شائعة، خاصة بين الآباء وأولادهم؛ فبعض الآباء يعتقدون أن أسلوب الأمر والنهي يستطيع حل المشاكل بفاعلية أكبر، وأنه هكذا يمارس دوره كأب مثالي لا يستطيع أحد أن يناقشه في قراراته -التي من الممكن أن تكون خاطئة. 

وهذا بدوره يولّد قهرًا وكبتًا داخل نفس الطفل؛ مما قد يخلق منه شخصًا عدوانيًّا تجاه المجتمع. فما بداخل الطفل من مشاعر سلبية مكبوتة يجعل منه بركانًا قابلًا للانفجار في أية لحظة. 

وغالبًا ما ينفجر الطفل فيمن يستطيع أن يفعل معهم ذلك، فنجد سلوكه مع أصدقائه أو مدرسيه مليء بالتمرد والعنف؛ مما يزيد الأمر سوءًا. 

بعد أن تناولنا أهم المشاكل التي قد يواجهها الطفل داخل الأسرة، من المؤكد أننا سنتحدث عن الدور المهم للأم؛ فصلاح نفسية الأسرة من صلاح نفسية القائم عليها.

دور الأم

الأم هي عماد نفسية البيت، فهي مصدر الحب والحنان والاحتواء والأمان للطفل. وبالطبع لا ننسى دور الأب في ذلك! 

اضطراب نفسية الأم يحرم الطفل من إحساسه بالأمان والاستقرار النفسي، ويجعل داخله عاصفًا مضطربًا، فلا يعرف إلى من يلجأ في أوقات ضيقه أو مشاكله أو احتياجه لحضنٍ يستكنّ فيه! 

أينَ وأمه لم تعد البلسم الملطف لأيامه؟!

إذا نعمت علاقة الزوجين بالهدوء والتفاهم والحب؛ فحتمًا سيؤثر ذلك بالإيجاب في الأطفال، ويكون سببًا في إنشاء أسرة سوية نفسيًّا .

بعد أن تعرفنا إلى كثير من أسباب هدم الهدوء الأسري، تبقى أن نجد حلولًا للحد منها وتجنبها؛ لإنشاء ” أسرة سوية نفسيا “.

  • إعطاء دورات توعية تربوية للطرفين لكي يعرف كل شخص مسؤولياته.
  • عمل اختبارات نفسية للمقبلين على الزواج؛ للتأكد من صحتهم النفسية، وكيفية تعاملهم مع مختلف المواقف النفسية للطفل، مثلها مثل فحوصات ما قبل الزواج.
  • دورات علاج نفسية مدعمة للأم والأطفال بعد الطلاق.
  • توعية الأب بمسؤوليته تجاه أبنائه بعد الطلاق؛ فإنهاء علاقته بوالدتهم، لا يعني انتهاء علاقته بأولاده.
  • التوجه لمختص أسري وتربوي إذا لزم الأمر.

بعض الحلول للحفاظ على كيان الأسرة قبل أن يُهدم

  • العناق يُعد العناق أحد الحلول السحرية لشعور المرء بالاطمئنان والثقة والسعادة؛ إذ يفرز معه مزيج من الهرمونات، أهمها: الأوكسيتوسين “هرمون الحب”.
  • الحرص على التفاهم وجعل الحوار من أهم أساسيات الأسرة.
  • التعاون وتجنب تفضيل أحد الأولاد على الآخرين.
  • التشجيع الدائم.
  • الدعم المعنوي في اللحظات الصعبة.
  • التواجد والتجمع معًا في لحظات الفرح والحزن.

إذا عرف كل شخص مقبل على الزواج واجباته قبل حقوقه؛ لاستقامت الأسرة وصلح الأولاد ونَعِموا بالدفء في كنف ذلك الكيان الجميل. 

بقلم د/ أروى فراج

المصدر
7 Signs Your Parents’ Love Was (and Is) ConditionalWhat Are the Benefits of Hugging?How Conditional Love and Approval Harm Children
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق