ترياق الأمراض النفسية

أصحاب التفكير العقلاني| وقليلون هم

لطالما اختلفنا أنا وصديقتي في حل مشكلاتنا اليومية، تتصادم أفكارنا في ردود أفعالنا كافة!

ذات صباح، بينما كنا نتبادل الحديث في أثناء العمل عن أحداث البارحة كعادتنا، قصصت عليها ما حدث لي مع جاري، فنهرتني بشدة على تصرفي!

كنت أتوقع من جاري تصرفًا حازمًا تجاه مضايقات تعرضت لها في الشارع؛ فقط لأننا جيران! 

فاجأتني بقولها: وما رد الفعل الذي كنتِ تنتظرينه منه؟ ولماذا؟!

– أتخيل دائمًا أن الناس جميعهم لن تتخاذل عن الحق… هل هذا تفكير عقلاني؟!

– هذا تفكير غير ناضج! توقعي الأسوأ من كل الناس! 

وما لبث أن عاد الشجار بيننا من جديد!

دعونا نقرأ مقالنا هذا؛ فسنجد إجابة عن كل ما يدور بأذهاننا.

عملية التفكير العقلاني

يمكن النظر إلى التفكير العقلاني كعملية حسابية تحتوي على مدخلات ومخرجات، وتتطلب استنتاجات سليمة ومدخلات عالية الجودة؛ أهمها “المنطق”.

على سبيل المثال:

تود الحصول على المزيد من المقالات المجانية على ترياقي؟ اشترك الآن ليصلك كل جديد!

إن قلت: «يجب على أي شخص أقابله في حياتي أن يحبني ويمدحني»، فهذا تفكير غير منطقي إطلاقًا.

فالحياة مليئة بأشخاص مختلفين؛ منهم من يحبنا ويدعمنا، ومنهم من لا تعجبه شخصياتنا ولا تتوافق آراؤه معنا… وهذا تفكير عقلاني.

فوائد خطوات عملية التفكير العقلاني

يمكن أن نتعامل مع عملية التفكير العقلاني كسلسلة من الخطوات القابلة للتحديد والتنفيذ والتكرار بحيث ينتج عنها فوائد عديدة، منها:

  • تجعل التفكير مرئيًا للوصول إلى استنتاج يسهل انتقاده.
  • تساعدنا على تعلم مهارات جديدة. 

إذ يمكننا تقسيم حل المشكلات إلى خطوات فردية نتبعها، نستطيع بعدها تحسين تفكيرنا، ومن ثم نستطيع مساعدة الآخرين على تحسين تفكيرهم.

  • تقلل اعتمادنا على المعرفة أو الخبرة وحدها، وتساعد على تشغيل أذهاننا.
  • تساعدنا على تفحص المواقف المختلفة بدقة. 

فالحلول القديمة لا تناسب المشكلات الجديدة؛ للوصول إلى نتائج مختلفة وصحيحة.

  • تدعم تأييد فكرة التعاون والعمل الجماعي في حل الأزمات.
  • تدعمنا في اتخاذ قرارات مهمة وسريعة، وتوفير خطوات جمع ومعالجة المعلومات ذات الصلة نفسها.

كيف نتعلم التفكير العقلاني؟

يتعلم معظم الناس التفكير المنطقي في أثناء نضجهم المكتسب نتيجة تجاربهم الشخصية وخبراتهم التي تجعلهم يضعون العقل والمنطق أمام أعينهم.

نكافح في أول حياتنا من أجل تعلُّم المفاهيم الأساسية والقضايا التي تخص تطوير عمليات التفكير وتساعد على فهم الواقع. 

ونكتسب الخبرة بمرور الوقت للدرجة التي تجعلنا قد نجد صعوبة في شرح طريقة تفكيرنا للآخرين.

يضطرنا تعلُّم التفكير من خلال التجربة إلى مواجهة أخطائنا، ونُجبَر على ذلك أحيانًا لتقييم نجاح تجاربنا بعد مواجهة الحقائق، ولكن تكون القدرة على تعليم التفكير العقلاني للآخرين محدودة.

التفكير العقلاني والتفكير غير العقلاني

إليكم الفرق بين صاحبي كل نوع:

صاحب التفكير العقلاني

  • يرجع في كل معتقداته إلى المنطق، وتكون مخططاته مفيدة على المدى البعيد غالبًا.
  • توافق أفكاره كل الحقائق المثبتة.
  • ينسجم صاحب التفكير المنطقي مع الواقع. 

مثال:

يؤمن صاحب هذا الفكر بأن: 

تكرار فعل شيء ما باستمرار لا يفرض ضرورية نجاحه، أو بمعنى آخر: استمرارية السعي لا تعني حتمية الوصول. 

صاحب التفكير غير العقلاني

تتضارب أفكاره -على عكس كل ما سبق، ومن ذلك:

  • يسبب له تفكيره الكثير من المشكلات على المدى البعيد.
  • لا تتوافق أفكاره مع أي ثوابت أو حقائق. 
  • استمرارية الأمور تعني له النجاح، دون تفكير في أي تدخلات منطقية للظروف والأسباب.
  • آخر ما يخطر بباله “المنطق”!

هل صاحب التفكير العقلاني يتسم بالذكاء؟

يتصرف الأذكياء بحماقة أحيانًا، فقد يتخذون قرارات سيئة أو أحكام خاطئة، على الرغم من امتلاك بعضهم شهادات عليا.

إذًا، يختلف الذكاء عن القدرة على التفكير المنطقي، إذ يعتقد بعض الناس أنهما صفة واحدة.

كذلك لا يصلح اختبار قياس الذكاء لقياس التفكير المنطقي أو الحكم الجيد أو اتخاذ القرارات المنطقية.

تأثير العاطفة على التفكير العقلاني

أثبتت الدراسات الحديثة أن الوظيفة الأساسية لإثارة العاطفة هي لفت الانتباه والأفكار إلى الأحداث المهمة.

كذلك أشارت الأبحاث أن العاطفة تحفز التفكير، مما يسمح للشخص بمراجعة معتقداته ونياته.

إذا لم يتعلق الأمر بالعاطفة، فقد لا يفكر الناس بقدر ما يفكرون في أي شيء.

على سبيل المثال: 

في مشاعر الندم، يحفز التفكير العقلاني فيما يتعلق بكيفية اتخاذ قرارات مختلفة، حتى يؤدي إلى نتائج مختلفة ومرغوبة أكثر.

يفكر الناس بكفاءة عند نشاط أمزجتهم وردود أفعالهم العاطفية، ومن ثم يتحسن تفكيرهم المنطقي الذي يناسب متطلباتهم.

أكثر الدلائل أهمية، أن قوة العواطف وتأثيرها، يعتمدان على المشاعر الجيدة.

التعامل مع التفكير العقلاني كمنتَج

يقيِّم الاقتصاديون عقلانية القرارات والإجراءات من حيث النتائج، فمن وجهة نظرهم: يتصرف الناس بعقلانية عندما تزيد الفوائد وتقل التكاليف.

على الرغم من عبقرية الفكر البشري في تلقائيته وعاطفته وطبيعته اللاواعية، فإنه يتوصل إلى استنتاجات عقلانية يمكن الدفاع عنها.

أما إذا لم نتبع الفكر العقلاني؛ فستحفز ردودُ أفعالنا العاطفية تجاه اللامنطق اتخاذَ إجراءات لتصحيح الخطأ.

ويزعم بعض الناس أن الفكر البشري غير متعمد أو عقلاني إطلاقًا، وهذا حكم غير عادل.

تكوين العقل البشري

يتكون العقل البشري من ثلاث مكونات أساسية: العاطفة والإدراك والإرادة.

يشير الإدراك إلى الأفعال العقلانية المرتبطة بعملية التفكير، ويرتبط بالتحليل والاستجواب والتقييم.

توضح العاطفة كيف نتصرف أو نشعر تجاه موقف معين، ووظيفتها المراقبة الداخلية للعقل. 

وتشير أيضًا إلى التفسير البشري للتصورات أو المعلومات أو المعرفة.

تكمن فطرة العقل في هذه المكونات الثلاثة، لكن تدخل وظائفه تحت سُلطة اتجاهين مختلفين؛ التمركز حول الذات، أو التفكير في تفسير أكثر عقلانية.

نظريات التفكير العقلاني

اجتهد الباحثون كثيرًا لفهم العقل البشري، وتوصلوا إلى نظريات متنوعة، فمثلًا:

  1. يرى باحثون بأن البشر لديهم طبيعة أساسية غير عقلانية، لكنهم يميلون إلى تطوير سلوكهم من خلال التواصل الاجتماعي والتجارب الشخصية، وأن الأشخاص العقلانيين أكثر قدرة على التحكم في استجاباتهم العاطفية.
  2. يتميز عقل البشر عن الحيوانات، وتحترم البشرية كثيرًا أصحاب المعتقدات الخاصة والذين يمتلكون وجهات نظر فردية. 
  3. يجادل المرء بأن امتلاك وجهة نظر يشير إلى اتجاه الفكر. 

لكن إذا كان الفكر ناتجًا عن تفسير منطقي ويترك احتمالات مفتوحة لصالح أدلة أخرى، فيمكننا الإيمان بأن الشخص يمتلك وجهة نظر عقلانية.

  1. يتميز البشر بالقدرة على البقاء على قيد الحياة ولديهم سلطة التفكير والتأمل، ويتمتع الإنسان بالتحكم في سلوكه لقدرته على استخدام اللغة والتفاعل ومشاركة الآراء الذاتية.
  2. يتعرض البشر لمشاعر الغضب غير العقلاني والذعر والقلق التي تخرج عن السيطرة، على الرغم من امتلاكهم القدرة على العقلانية والمنطق.

خلاصة القول:

إن الكثير من النظريات تحاول فهم العقل البشري وكلها صحيحة، لأنها تختلف باختلاف الشخصيات.

هكذا خلقنا الله مختلفين، ولا نستطيع العيش بقلوبنا وحدها، لذلك حبانا عقولًا حتى ننعم بحياة سعيدة معتدلة… حياة يميزها المنطق!

بقلم د. ياسمين أشرف

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى