ترياق الأمراض النفسية

أفلام الأمراض النفسية | ما بين الحقائق العلمية والدراما

الأفلام، ذلك العالَم الوهمي الذي تنتقل فيه لمكان وزمان آخرَين، تعيش أحداثه، وتتأثر بشخصياته، حتى تشعر بأنك جزءٌ منه. وكما تتأثر مشاعرك بأحداث الفيلم، يتأثر وعيك وتفكيرك أيضًا.

الأفلام من أكثر الوسائل التي تؤثر في تصرفات الأفراد وانطباعهم عن موضوعٍ ما؛ فتنقل لك ثقافة بلدان وشعوب لم ترها قط، وتجعلك تعيش الأحداث التاريخية كما لو أنك انتقلت بآلة الزمن إلى الماضي، وتناقش قضايا اجتماعية فتُغيِّر نظرتك لها. 

ومن أكثر الأفلام المؤثرة في المُشاهدين هي أفلام الأمراض النفسية، والتي تتعرف من خلالها على ما يعانيه المريض النفسي، بل وتعايش معه المرض في أثناء مشاهدتك للفيلم. فتكون هذه الأفلام من أهم النوافذ للتعرف إلى المرض النفسي.

ولكن، هل دائمًا ما تنقل لنا أفلام الأمراض النفسية الصورة الصحيحة للمرض النفسي؟ 

عزيزي القارئ، للإجابة عن هذا التساؤل، تابع معنا هذا المقال عن أفلام الأمراض النفسية…

ما هو المرض النفسي؟

المرض النفسي هو حالة مرضية عقلية تؤثر في التصرفات، أو المشاعر، أو التفكير، أو الحالة المزاجية للمريض، أو جميعهم معًا، فيؤثر ذلك في تفاعل المريض مع مَنْ حوله في المجتمع، وفي أنشطة حياته اليومية.

هناك أسباب مختلفة للمرض النفسي؛ كخللٍ في الهرمونات، أو تعاطي الكحول أو أدوية مخدرة، أو سبب جيني، أو بسبب التعرُّض لأذىً أو ضغطٍ عصبي، خاصة في الطفولة.

أفلام الأمراض النفسية

الأفلام من أكثر الوسائل تأثيرًا في وعي المجتمع، لكنها قد تؤثر فيه بالسلب أو بالإيجاب. فإذا تحدثنا عن أفلام الأمراض النفسية، سنجد أنها سلاح ذو حدين.

فمن ناحية نجد أن بعض أفلام الاضطرابات النفسية جسدت مرضًا نفسيًا معيَّنًا تجسيدًا صحيحًا ودقيقًا، فحسَّن ذلك وعي المجتمع بالأمراض النفسية.

لكن على الجانب الآخر، نجد أن هناك أفلامًا جسدت المرض النفسي بشكلٍ نمطي يُظهِر المريض النفسي على أنه دائمًا عنيف، ومظهره غريب يوحي بالجنون، أو أن يكون قاتلًا مختلًّا عقليًا.

وبعض الأفلام تعطي معلومات خاطئة عن علاج المرض النفسي أو أعراضه، فينتج عن ذلك تصوُّر خاطئ عن المرض النفسي في المجتمع.

دعنا نستعرض معًا بعضًا من أشهر أفلامُ الأمراض النفسية، ونبذة عنها وعن كيفية تجسيدها للمرض النفسي.

فيلم “عقل رائع – A Beautiful Mind

فيلم “العقل الرائع” إنتاج عام 2001 من بطولة الممثل “راسل كرو”، والذي أدى فيه دور عالِم الرياضيات “جون ناش”.

يحكي الفيلم عن “جون ناش” عالِم الرياضيات العبقري الذي يعاني الذهان الزَوَراني؛ وهو نوع من الأوهام النفسية التي يتخيل فيها المريض أنه مضطهدٌ من شخصٍ أو منظمةٍ ما، وعادةً ما يرتبط بالشيزوفرينيا.

يعاني “ناش” حالة خطيرة من الذهان، حيث يعتقد أنه يعمل مع الحكومة الأمريكية ضد روسيا، ولكن لم يكن هذا إلا اختلاقًا من عقله، حتى إنه ظل على هذه الحال لسنوات، قبل أن يُشخَّص بمرض الذهان. وخلال أحداث الفيلم، يعاني “ناش” المرض، ويعاني كذلك تعامل مَنْ حوله معه في البداية.

ستلاحظ أن أعراض هذا المرض التي ظهرت في الفيلم كانت هلاوس سمعية وبصرية، والارتياب الشديد، والأوهام. ثم عرض الفيلم مزايا وعيوب علاج الذهان بالأدوية، حيث وضَّح أنها تفيد بعض المرضى، كذلك وضَّح أن “ناش” تعرَّض لانتكاسة بعد توقُّفه عن تناول دوائه.

وبذلك نجد أن هذا الفيلم جسَّد مرض الذهان بدقة، ووضَّح أهمية تفهُّم المحيطين بالمريض لمرضه من خلال تعامل زوجته معه الذي ساعده كثيرًا، وكذلك لم ينكر أهمية الأدوية في علاج الذهان والشيزوفرينيا. لذلك، يُعَدُّ هذا الفيلم إيجابيًا إلى حدٍ كبيرٍ في تجسيد المرض النفسي.

فيلم “مضطرب العقل – Psycho

يُعَدُّ فيلم “سايكو” -الذي أُنتِج عام 1960- من أشهر أفلام الرعب الأمريكية حتى الآن. يحكي الفيلم عن القاتل المتسلسل “نورمان بيتس” الذي يعاني الهلاوس السمعية، حيث يسمع صوت والدته يأمره بالقتل. 

على الرغم من أن الهلاوس السمعية من أعراض الذهان، إلا أن مريض الذهان -في الحقيقة- لا تجبره هذه الهلاوس
على التصرف بهذا العنف.

ولكن مع ذلك، لم يُذكَر تشخيص المرض في الفيلم، حيث قال الطبيب النفسي عن حالة “نورمان بيتس”
أن لديه شخصية أخرى وهي شخصية والدته، وأضاف أن والدته تعيش في عقله، وتُملي عليه أفعاله.

على الرغم من النجاح والشهرة الواسعة التي لاقاها هذا الفيلم، إلا أنه أسس فكرة تجسيد مريض الذهان على أنه
“قاتل مختل”.

تكررت هذه الفكرة في أفلام رعب نفسية كثيرة بعد ذلك، حتى أصبحت صورة المريض النفسي الذي يتحول إلى قاتل
متسلسل راسخة في تصور معظم الناس عن المرض النفسي.

فيلم “انفصام – Split

يحكي الفيلم عن “كيفن” الذي يعاني اضطراب الهوية الانفصالي. يعيش المريض بهذا الاضطراب شخصياتٍ عدة،
هذه الشخصيات لها أسماء وصفات مختلفة.

ويُصاب المريض بهذا الاضطراب بعد تعرُّضه لأذىً بالغ في الصغر، أو لصدمة، حيث يهرب من الواقع بتقمص هذه الشخصيات.

تدور أحداث الفيلم حول اختطاف “كيفن” لثلاث فتيات. وخلال الفيلم، تظهر شخصياته المختلفة التي يتسم بعضها
بالعنف، حتى تظهر شخصية أسماها في النهاية “الوحش”، وتكون أكثرهم عنفًا.

حقق هذا الفيلم نجاحًا كبيرًا بسبب تجسيد البطل “جيمس ماكافوي” لشخصيات “كيفن” المختلفة باحترافية ودقة.

وبالرغم من نجاح الفيلم، فقد لاقى الكثير من الانتقادات من الأطباء النفسيين، بسبب ربطه المرض النفسي عامةً
-واضطراب الهوية الانفصالي خاصةً- بالعنف. 

في الحقيقة، إن مرضى اضطراب الهوية الانفصالي لا يميلون للعنف، بل على العكس؛ قد يؤذون أنفسهم وليس
الآخرين. وبذلك، فإن الفيلم يشوَّه تصور المجتمع عن مرضى هذا الاضطراب الذين يعانون حقًا في العلاج،
حتى يعيشوا حياتهم الطبيعية.

فيلم “الجوكر – Joker

ذلك الفيلم الذي حقق نجاحًا باهرًا عند المشاهدين بسبب تجسيد الممثل “خوان فينكس” الرائع لشخصية المريض
النفسي “أرثر”، وبراعة الإخراج والموسيقى التصويرية، ولكن من أهم الأسباب هو الطريقة التي صوَّر بها هذا الفيلم المرض النفسي. 

يعاني “أرثر” عدة أمراض نفسية؛ مرض التأثير البصلي الكاذب (وهو اضطراب يسبب الضحك أو البكاء بشكل
مفاجئ ولا يمكن التحكم فيه)، ومرض الذهان حيث كانت لديه هلاوس، واعتلال نفسي حيث لم يكن يشعر بالشفقة على قتلاه.

تعرَّض “أرثر” لصدمات نفسية وإيذاء شديد في أثناء طفولته، سببه له صديق والدته، وهذا من أهم أسباب أمراضه النفسية.

بالرغم من ردة فعل “أرثر” العنيفة في الفيلم، إلا أنها كانت تعبيرًا عن النتائج الكارثية التي قد يسببها تعامل المجتمع الخاطئ مع المريض النفسي. وقد عرض الفيلم تطوُّر شخصية “أرثر” بشكلٍ رائع. 

ما يميز هذا الفيلم عن أفلام الأمراض النفسية -التي تسيء للمرضى النفسيين بربطهم بالعنف- هو أنه يوضح كيف
وصل “أرثر” إلى هذه الحالة.

ويدعو الفيلم المجتمع إلى تفهُّم ما يعانيه المرضى النفسيون، والتعاطف معهم، ويدعو كذلك الحكومات للاهتمام بتمويل مراكز العلاج النفسي.

يؤْثِر الكثير من صانعي الأفلام الدراما على عرض الواقع، فيتحكم خيال الكاتب في أحداث الفيلم. وفقًا لهذا،
فإن أفلام الأمراض النفسية ليست دائمًا المصدر الصحيح للحقائق العلمية حول المرض النفسي.

لذلك، للوقوف على الحقائق، عليك -عزيزي القارئ- الاهتمام بمراجعة المختصين لهذه الأفلام، حتى لا تؤثر في وعيك بالسلب.

بقلم د / رضوى محمد

المصدر
Psychiatry and Cinema: What Can We Learn from the Magical Screen?Movie ‘Split’ Does Harm to People with Dissociative Identity Disorder, Experts SayAs a psychiatrist, I was blown away by the latest Joker
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق