مفاهيم ومدارك

أنواع الأنانية | بين المحمود والمذموم!

” أنا ومن بعديَ الطوفان”…

نطقت بهذه العبارة (مدام دي بومبادور) رفيقة الملك الفرنسي (لويس الخامس عشر).

قالتها وهي تدعوه لعدم التفكير في عواقب الخسائر الكبيرة على البلاد بعد هزيمته في إحدى معاركه، فالأهم هو نحن ومصالحنا، ومن بعدنا دَع الطوفان يغرق الآخرين!

تحولت هذه المقولة التاريخية إلى عنوان معبِّر عن الأنانية، وهي لسان حال كل أناني؛ فلا شيء مهم سوى مصلحتي،
ولا أحد مهم سواي، وليذهب الآخرون إلى الهلاك، حتى ولو ابتلع الطوفان أقرب الناس إليَّ!ولكن، هل هذا هو المعنى الحصري للأنانية؟ ما هي أنواع الأنانية؟ وهل يقدم تعريف الأنانية في علم النفس نظرة أكثر عمقًا من ذلك؟ 

ما هي أنواع الأنانية؟

إذا كان تعريف الأنانية في علم النفس هو حب الذات، فإن حب الذات والعناية بالنفس لها -في علم النفس- معانٍ وأشكال مختلفة، ومن ذلك: 

الأنانية الصحية

تُعَدُّ بعض أشكال الأنانية جزءًا من علاقة منفعة متبادلة؛ فالوقت الذي تقضيه مع صديق لممارسة نشاط مشترك هو تبادل لمنفعة مشتركة لكل منكما، وهو أيضًا من ممارسات حب الذات. 

إذا حرصت على قضاء يوم إجازتك الأسبوعية بعيدًا عن التفكير في العمل، أو الرد على أي رسائل تخص العمل، فإنك تحقق منفعة متبادلة، لأن حصولك على الراحة المستحقة يعود بالفائدة على زيادة تركيزك في العمل في الأسبوع التالي، حتى ولو بدا هذا التصرف أنانيًا.

الأنانية المؤذية 

تلك هي الأنانية سيئة السمعة، والتي تشمل تحقيق المنفعة للطرف الأناني على حساب إلحاق الضرر بالآخرين.

وحتى لو حققت هذه الأنانية المكاسب لصاحبها، فإنها -على المدى الطويل- ستعود عليه بالضرر هو أيضًا، وذلك عندما يفقد ثقة الآخرين فيه واهتمامهم به، بل قد يسعى البعض للانتقام منه.

الأنانية المسالمة 

يعَدُّ الاعتناء بالنفس والحفاظ على الصحة الجسدية والنفسية نوعًا من أنواع الأنانية المطلوبة، وهذا النوع من الأنانية المحايدة لا يشمل أطرافًا أخرى، ولا يسبب الضرر لأحد.

إن اهتمامك بتخصيص وقت للتأمل، أو الاهتمام بصحة أسنانك وترتيب ملابسك لا يستغرق الكثير من الوقت، ولا يشمل أحدًا غيرك، لكنه من ممارسات حب النفس المطلوبة. 

أسباب الأنانية وصفاتها

قد تكون طفولة الفرد سببًا في نشأته متسمًا بالأنانية، ولكن تظل الأنانية هي قرار صاحبها واختياره. وعادة ما يكون السلوك الأناني نابعًا من بعض الصفات الشخصية الآتية: 

الإحساس بالعظمة

يتوق الأناني لأن يكون دائمًا مركز الاهتمام ومحور الحديث، ولا يقبل التعرض للإهمال، ولا يجيد الأناني الاستماع للآخرين، أو يستمع فقط للانقضاض على الفرص لتحويل المحادثة نحو نفسه.

مخالفة القواعد

يرفض الأناني الالتزام بالقواعد لإنه يرى أنها لا تنطبق عليه، فهو أعظم من ذلك؛ يقف الآخرون في الصف لأنهم أقل منه، أما هو فيقطع الصف لأن مصلحته وراحته أهم من الآخرين دائمًا!

عند مواجهة الأناني بأخطائه، فإنه يلقي اللوم على الآخرين، ويبرر مخالفته للقواعد أو الغِش أو الخيانة بأن الآخرين هم مَنْ دفعوه لهذا الفعل. 

التمركز حول الذات 

في أنواع الأنانية المفرطة، يرى الأناني نفسه متمركزًا في المنتصف فوق قُبة عالية، بينما يدور العالم من حوله ولأجله، لا رأي أهم من رأيه، لا معاناة جديرة بالتعاطف إلا معاناته، ولا نجاح أهم من نجاحه.

ويرفض الأناني أن يرى العالم من أي زاوية إلا زاويته الخاصة، ولا يرغب في أن ينازعه أحد في الظهور أو في تحقيق المكاسب؛ فحياته تخلو من الاهتمام بأي شخص إلا نفسه، فلا أفراح ولا أتراح إلا أفراحه وأتراحه.

فقدان التعاطف

لا يجيد الأناني مهارة التعاطف لأنه يرى الآخرين فقط كأدوات لتحقيق مصالحه وإشباع رغباته، لذلك لا يهتم كثيرًا بتقدير مشاعر الآخرين أو التعاطف معها، ويعَدُّ ذلك من أهم أسباب الأنانية.

بل ويرفض أي تعليقات أو انتقاد منهم عمَّا يسببه لهم من أذى، ولا يهتم أيضًا بالحميمية العاطفية في علاقاته إلا في نطاق تحقيق مصالحه. 

إشباع النفس والراحة القصوى

يسعى الأناني إلى اكتساب الأشياء، حتى لو لم يكن يحتاجها؛ فقطعة الحلوى الأخيرة يجب أن تكون من نصيبه.
حتى لو لم يكن يرغب بها، وربما لن يستطيع أكلها أصلًا.

كما يسعى إلى تحقيق الراحة القصوى لنفسه، حتى من دون احتياج حقيقي.

فربما يعتدي الأناني على مواقف السيارات المخصصة لذوي الاحتياجات لأنها الأقرب إلى باب الدخول، ويتسبب تصرفه هذا في معاناة الآخرين، بينما لن يحقق له أي مكسب ذي قيمة. 

ويظل الأناني يعاني رغبة دائمة في إرضاء نفسه، لكنه لا يستطيع حقًا أن يحصل على الرضا، لأن الرضا مصدره قدرة الشخص على الاكتفاء، وليس الرغبة الدائمة في الاقتناء.

علاج الأنانية

مرةً أخرى، الأنانية قرار وليست مرضًا، إذا اختار شخص بالغ أن تكون ذاته -منفردةً- هي محور حياته وهمُّها الأعظم، فمن غير العملي أن تحاول إقناعه بعلاج الأنانية، إلا إذا رغب هو في ذلك بقراره واختياره.

ويكون علاج الأنانية الأكثر حكمة هنا أن تسعى لحماية نفسك من أضرارها ومن أذى صاحبها. 

كيف أتعامل مع الأناني؟

إذا كان بحياتك شخص أناني، فأنت بالتأكيد تعاني صعوبات في التعامل معه؛ فهو لا يستجيب لك إلا في نطاق تلبية احتياجاته. إليك بعض النصائح التي قد تساعدك على إدارة هذه العِلاقة: 

  • كن مدركًا للفارق بين الواجب والفضل، التزم بواجباتك وقدِّم الفضل بوعي.
  • لا تفرط في حقوقك واعتنِ بنفسك.
  • تعلَّم الرفض ووضع الحدود الشخصية بشكل صحي، ولا تجعل نفسك عرضة للاستغلال.
  • لا تكن ساذجًا في توقعاتك ولا تفرط في التعاطف.
  • قلِّل من تواجُد الشخص المُستغِل في حياتك إذا لزم الأمر.
  • اعتز بذاتك، ولا تجعل تعرضك للاستغلال في الماضي يفقدك ثقتك بنفسك.

كيف أصبح أقل أنانية وأكثر إيثارًا؟

إذا اعتدت الاهتمام بنفسك بشكل مفرط أو حصري، مع عدم مراعاة احتياجات أو مشاعر الآخرين، فإن علاقاتك بهم بالتأكيد قد تأثرت بالسلب، وربما هذا هو دافعك للبحث عن التغيير.

إذا كنت تتسم بأحد أنواع الأنانية الضارة، إليك بعض الاستراتيجيات التي قد تساعدك على أن تتعلم كيف تصبح أقل أنانية وأكثر إيثارًا: 

  • كن مؤمنًا بالتغيير 

إذا كنت قد تصرفت بأنانية في الماضي، فاعلم أن ذلك لا يحدد المستقبل، بل يمكنك تغييره. يجب أن تنظر لطريقك بإيجابية ولو كانت رحلة التغيير شاقة، لأنها ممكنة و مربحة. 

  • كن مستمعًا جيدًا

حاوِل أن تنصت إلى الآخرين بانتباه واهتمام حقيقي، وليس للتخطيط لإثبات أن وجهة نظرك هي الأفضل، أو أنك الأولى بالاهتمام والحديث.

إذا أردت حقًا أن تعزز علاقتك بمَنْ حولك، فإن حسن الاستماع طريق فعال لتحقيق ذلك، كما إنه يساعدك على تقليل التمحور حول الذات. 

  • أجِّل إشباع احتياجاتك 

بدلًا من السعي الدائم لجعل الأولوية لتحقيق ما تريد، حاول أن تسعى في بعض الأحيان لتلبية احتياجات الآخرين أولًا.
سيوفر لك ذلك تجربة فريدة في الشعور بالقيمة والرضا. 

  • انزل من البرج العالي

لا تبالغ في شعورك بالاستحقاق، ولا تنظر للآخرين باستعلاء؛ فكل شخص في هذا العالم موهوب ومميز على طريقته الخاصة.

وكل شخص يحق له الحصول على الاحترام والتقدير، حتى لو كان مختلفًا أو غير مفهوم بالنسبة لك. 

  • لا تحكم بالمظاهر

لا تصدر أحكامًا على الآخرين من خلال مشهد واحد يحدث أمامك الآن، وتحلَّ ببعض التعاطف.

فالجميع يمرُّون في حياتهم بكثير من التفاصيل والأمور خارج هذا المشهد، والتي قد تكون أقسى مما ندركه. 

  • حاسِب نفسك 

أنواع الأنانية المؤذية -مثل أي عادة سيئة أخرى- قد يكون من الصعب الإقلاع عنها.

لذلك راقب تطوُّر رحلتك في التخلص منها باستمرار، وقيِّم أوجه التقدم وأوجه الانتكاس. 

وفي النهاية… العناية بالنفس أمر صحي ومطلوب، ولكن النجاة الفردية مؤقتة. لذلك، التمس -عزيزي القارئ- تحقيق العدل في حفظ حقوقك وفي أداء واجباتك على حد سواء.

المصدر
Good, Neutral, and Bad Selfishness
اظهر المزيد

Walaa Khalil

د. ولاء زين العابدين خليل صيدلانية وأخصائية إدارة صحية، خلال سنوات عملي في القطاع الطبي أدركت مدى أهمية دور التثقيف الصحي المجتمعي في رحلة علاج الأمراض والوقاية منها وتحسين نمط الحياة. أهدف إلى إثراء الثقافة الصحية العربية عن طريق تقديم محتوى طبي سهل الفهم يشمل أحدث المعلومات وأدقها، ويستند إلى المصادر الطبية الموثوقة.

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق