مفاهيم ومدارك

أنواع الإدراك | لماذا تختلف وجهات نظرنا؟

في اليوم الثالث والأخير من أيام التدريب، تناول المدرِّب قطعة من القماش المقوى وشكَّلها على هيئة مميزة،
وطلب منا التعرف إلى الشكل الذي صنعه!

بادر أحد الحاضرين قائلًا: “إنه شخص يحمل راية السلام”

وأجاب آخر: “بل طائر عملاق ينقض على فريسته” 

بينما ظننتُ أنا أنه رَسمٌ يتعلق بالدورة التدريبية التي انتهينا منها للتو!

تُرى كيف اختلفت رؤيتنا وتباين تفسيرنا لنفس الشكل! 

وعلام يدل هذا الاختلاف في الرؤية والتفسير؟

يحدث كثيرًا أن نتعرض إلى أحد المواقف التي نُسيء فهمها، بينما يتناولها آخرون بشكل حيادي وسعة صدر،
وقد نتصرف بشكل مبالغ فيه أو بأسلوب غير لائق ظنًا منا أننا قد تعرضنا للإهانة!

فلماذا نُفسِّر نفس المواقف بطرق مختلفة؟

ولماذا نُحمِّل بعض الكلمات أكثر مما تعني؟ بينما يتهاون البعض في تفسيرها؟

هذا ما يسميه علماء النفس بالإدراك ..

تود الحصول على المزيد من المقالات المجانية على ترياقي؟ اشترك الآن ليصلك كل جديد!

فماذا نقصد به؟ وما أنواع الإدراك؟ وما أبرز العوامل التي تؤثر في إدراكنا ومن ثم تُشكل ردود أفعالنا في المواقف المختلفة؟

هذا وأكثر ما سنتعرف عليه من خلال المقال حول عملية الإدراك وأهميتها في حياتنا.

المقصود بالإدراك

يعرف الإدراك بأنه عملية فهم وترجمة المعلومات التي تصل إلينا، ومن ثم كيفية تفاعلنا مع هذه المعلومات.

إذ تصل المعلومة في البداية عن طريق إحدى الحواس (البصر- السمع- التذوق- الشم- اللمس)، لتنتقل فورًا إلى الدماغ، الذي يترجم تلك المعلومات إلى درجة من درجات الإدراك لدينا، وتتحكم تلك الدرجة في ردود أفعالنا فيما بعد.

وتختلف طرق معالجة وترجمة المعلومات التي تصل للشخص وفقًا لأفكاره وطريقة تفكيره، لذلك من المتوقع
أن يختلف إدراك كل شخص للموقف أو للحدث عن الشخص الآخر.

فنحن مجهزون بأجهزة حسية مثل: العين والأذن والأنف، كل منها يعد جزءًا من (نظام حسي متكامل) يتلقى المدخلات الحسية وينقلها إلى الدماغ لترجمتها والتعامل معها.

على سبيل المثال: التعرف إلى رائحة مألوفة وربطها بأحد الأماكن أو أحد الأشخاص، هي أحد عمليات الإدراك التي تحدث تلقائيًا دون وعي منا.

مراحل الإدراك

العملية الإدراكية عبارة عن سلسلة من الخطوات التي تبدأ بالتحفيز من البيئة ثم إدراكنا لهذا المحفز والاستجابة له. 

تحدث هذه الخطوات باستمرار، لكننا لا نقضي الكثير من الوقت للتفكر في هذه العملية، التي تحدث بشكل متكرر عندما تدرك العديد من المحفزات التي تحيط بك في أي لحظة.

على سبيل المثال: تحدث عملية تحويل الضوء الذي يسقط على شبكية عينك إلى صورة مرئية فعلية تلقائيًا دون وعي.

خطوات عملية الإدراك الحسي:

خطوات عملية الإدراك الحسي:
  1. التحفيز

ويقصد بالتحفيز التعرض لأي محفز بيئي يمكننا رؤيته أو سماعه أو شمه أو تذوقه أو لمسه.

إذ تعد البيئة معرضًا مليئًا بالمحفزات التي تجذب انتباهنا في كل لحظة من خلال الحواس المختلفة.

  1. الانتباه 

تنتبه الحواس بعد التعرض لأحد المحفزات البيئية وتدقق بها بشدة، مثل التدقيق في أحد الصور التي انعكست على شبكية العين ورؤيتها بشكل مفصل.

  1. التفسير

تنتقل الرسالة المرئية من خلايا المستقبلات إلى الدماغ بعد الانتباه إلى المحفز البيئي ليعالجها الدماغ.

  1. المعالجة

تخضع الرسائل المنقولة للمعالجة العصبية من قِبَل الدماغ، ويُحدد مسار المعالجة تبعًا لطبيعة الرسالة
(بصرية أو سمعية أو غيرها)؛ من خلال سلسلة من الخلايا العصبية المترابطة الموجودة في جميع أنحاء الجسم.

  1. التمييز 

لا يقتصر الإدراك على إدراكنا لوجود المحفز، بل لا بد للعقل من تصنيف وتمييز ما نراه أو نستشعره من محفزات.

  1. الفعل

هو آخر مراحل عملية الإدراك، وهو استجابة العقل أو الحواس للمحفز ورد فعله نحوها.

مثل معرفة أحد الأشخاص فور رؤيته ومن ثم الترحيب به وتبادل الحديث معه.

أهمية الإدراك

  • يساعد الإدراك الإنسان على فهم ما يحيط به من ظواهر وعمليات تحدث يوميًّا، كما يساعده على معرفة المخاطر من حوله لتجنبها.
  • كذلك فإن الإدراك هو المسؤول الأول عن سلوك الشخص ورد فعله وتفاعله مع الأحداث البسيطة والمعقدة من حوله.

 على سبيل المثال: عندما تنقطع الكهرباء في المنزل، قد يغضب أحدهم وينتقد ويلقي اللوم على أنظمة الكهرباء، بينما يعتقد شخص آخر بوجود عطل بشركة الكهرباء ويحاول تهدئة الموقف.

هكذا يختلف تفسير كل منا للموقف ذاته، ومن ثَم تختلف ردود أفعالنا تجاهه.

أنواع الإدراك

يتضمن الإدراك نوعين أساسيين، كما يأتي:

  1. الإدراك الحسي

يُقصد بالإدراك الحسي نقل عناصر الشعور الأولية كالسمع واللمس والشم والتذوق، من خلال إيصال هذه المنبهات الخارجية من أعضاء الحس في جسم الإنسان، مرورًا بالأعصاب الحسية إلى الدماغ.

وتنقسم أنواع الإدراك الحسي تبعًا للحواس التي تستقبل المعلومات من البيئة المحيطة إلى:

  • الإدراك البصري

وفيه يترجم الدماغ ما تراه العين حولها من مظاهر طبيعية أو جماد أو بشر.

  • الإدراك اللمسي

يستطيع الإنسان من خلاله إدراك ماهية الأشياء عن طريق اللمس أو الاتصال فقط دون الحاجة لرؤيتها.

  • الإدراك السمعي

إذ يفسر الإنسان من خلاله ما تسمعه الأذن من أصوات، سواء أصوات طبيعية مثل صوت الريح والمطر،
أو أصوات أشخاص أو حيوانات.

  • الإدراك التذوقي

وفيه يستطيع الشخص تفسير ماهية الأشياء من خلال تذوقها بالفم.

  • الإدراك الشمي

بواسطته يستطيع الإنسان التمييز بين الروائح المختلفة، وربط روائح معينة ببعض المعاني والذكريات.

وهناك حواس أخرى تسمح لنا بإدراك أشياء معينة، مثل: التوازن والوقت ووضعية الجسم والتسارع وإدراك الحالات النفسية. 

لا شك أن عملية الادراك الحسي عملية بالغة التعقيد، فهي تتم عن طريق دمج وتداخل بين خمس عمليات في آن واحد،
وهي: التذكر والشعور والانتباه والوعي واللغة.

  1. الإدراك العقلي:

الإدراك العقلي هو المسؤول عن فهم الإنسان للحقائق والمفاهيم المجردة والمنطق والمسلمات.

والإدراك سواء كان عقليًّا أو حسيًّا فإنه يعتمد على عمليات بالغة التعقيد، نظرًا لتداخل الكثير من العمليات والعوامل التي تؤثر في العملية الإدراكية.

وهناك أيضًا الإدراك الاجتماعي، وهو نوع آخر مهم من أنواع الإدراك، فيه يملك الشخص القدرة على فهم الإشارات الاجتماعية حول الأشخاص الآخرين وعلاقته بهم.

خصائص الإدراك

وبينما يشير الإدراك إلى الطريقة التي تُنظَّم بها المعلومات الحسية، وتفسيرها واختبارها بوعي، فإنه يشمل كلًّا من الاتجاهين:

المعالجة من أسفل إلى أعلى (التصاعدية): وفيها يبدأ الإدراك بالمحفز الذي يُستقبَل عبر المدخلات الحسية،
ثم إرساله في مسار متتالٍ للمعالجة داخل الدماغ.

المعالجة من أعلى إلى أسفل (التنازلية): هي الطريقة التي نفسر بها المحفزات والأحاسيس التي تصل إلينا بشعورنا وخبراتنا وأفكارنا.

عناصر الإدراك

يشترط لحدوث عملية الإدراك وجود عدة عوامل أساسية لا تتم بدونها، وهي على الترتيب:

1ـ المثير أو المحفز.

2ـ الإحساس بالمحفز: أي أن يشعر الفرد بوجود المحفز وآثاره.

3ـ التعرف إلى المثير: أي أن يدل المثير على معنى معين.

4ـ الاستجابة: وتكون استجابة الفرد من خلال خبراته الإدراكية السابقة وما مر به من تجارب؛ فيعرف خواص المثير وما يرمز له ذلك المثير.

العوامل التي تؤثر في إدراكنا

عمل علماء النفس على فهم كيف يمكن أن تؤدي الدوافع والتوقعات دورًا في عملية الإدراك، فقسموا العوامل التي تؤثر في إدراك الشخص إلى:

عوامل داخلية (ذاتية):

هي العوامل التي تتعلق بالشخص نفسه، كما يأتي:

  • الخبرات والتجارب السابقة: إذ يتصرف الشخص الذي تعرض لموقف مشابه أو لديه خبرة سابقة لأحد المواقف بطريقة أكثر حكمة ومعرفة من الشخص الذي لم يتعرض لمثل هذا الموقف من قبل.
  • المزاج والحالة النفسية: تؤثر الحالة النفسية بلا شك في إدراك الإنسان للأشياء؛ فإنك قد تفسر بعض الكلمات أو الأشكال بطريقة مختلفة إذا كنتَ تشعر بالحزن أو الاكتئاب على سبيل المثال.
  • العاطفة: قد تغير العاطفة من نظرتك للأمور وتجعل صاحبها يخطئ تفسير بعض المواقف، كالأم حين ترى أبناءها بشكل مميز وتدافع عن أخطائهم في بعض المواقف.
  • العادات: تسهم العادات في إدراك المواقف والأشياء بشكل يضاهي ما اعتاد عليه المرء منذ صغره، مثل تعود الأبناء على استخدام اليد اليمنى في السلام والكتابة وتناول الطعام.
  • الرغبة والإرادة: تساعد الإرادة الشخص على أن يبذل مجهودًا مضاعفًا لإدراك الأشياء على أفضل وجه وبالشكل الأمثل.
  • الميول الشخصية: غالبًا ما يميل الفرد إلى تفسير الأمور تبعًا لميوله ورغباته الشخصية، ما يؤثر في عملية الفهم والإدراك.

العوامل الخارجية (الموضوعية):

هي العوامل التي تتعلق بالموضوع المدرك أو المحفز نفسه، وقد صاغها علماء النفس في هيئة قوانين كما يأتي:

  • قانون التشابه: الذي ينص على أن التشابه في الأشكال والألوان بين الأشياء يجعل إدراكها أكثر سهولة.
  • قانون البروز: إذ يكون إدراك الصور والأشكال البارزة أسهل من غيرها.
  • قانونُ الاستمرار: كلما كانت المواقف أو الأشياء مستمرة، مثل لحظات السعادة أو الألم، كان إدراكها أسهل وأسرع.
  • قانون الانتظام: فكلما كانت الأشياء منظمة ومرتبة، كان إدراكها أيسر على الفرد.
  • قانونُ الاتصال: الذي ينص على أن الأشياء المتصلة يكون إدراكها أسهل وأوضح من الأشياء التي لا تربطها علاقة ببعضها.
  • قانون الشمول: شمولية الأشياء تجعل فهمها وإدراكها أيسر من الأشياء الخاصة غير الشاملة.

لذلك تعد عملية الإدراك المعرفي إحدى العمليات الذهنية المعقدة، إذ تحتاج إلى اجتماع العديد من العوامل الذاتية والموضوعية لتشكيل رؤية أو فهم أو تفسير معين تجاه كل محفز نمر به. 

اضطرابات نفسية تؤثر في الإدراك

هناك بعض الاضطرابات النفسية التي قد تؤثر في عملية الإدراك لدى المصابين بها، وتؤدي إلى إدراك خاطئ لبعض الأشياء، نذكر منها:

  • متلازمة الإهمال النصفي: هي متلازمة سلوكية تتبع السكتة الدماغية، وتتميز بعدم الاستجابة للأشخاص والأشياء الموجودة بالجهة المعاكسة لجهة إصابة الدماغ، وقد يكون الإهمال حسيًا أو حركيًا.
  • عمى التعرف إلى الوجوه: هو اضطراب يصعب فيه التعرف إلى الوجوه وتمييزها.
  • أفانتازيا: هو اضطراب يفقد فيه الشخص قدرته على تخيل صورة الأشياء في حال لم تكن موجودة أمامه.
  • الفصام: هو أحد أصعب الاضطرابات النفسية، إذ يسبب تشوهًا في طريقة تفكير المصاب به، وتصرفاته، وتعبيره عن مشاعره، ورؤيته للوقائع، وتفسد علاقاته مع المحيطين به كذلك.
المصدر
What Is Perception?Visual Perception TheoryWhat is Perception?
اظهر المزيد

د. رحاب علي

صيدلانية، شغوفة بالعلوم والتفاعلات والعمليات المعقدة التي تجري كل صباح داخل النفس البشرية. نَصفُ أنفسنا ونَجلدُ الآخرين وننصب محاكم التصنيف والتمييز، ولا ندري أننا نتائج، وأن الفاعل الحقيقي مجموعة من الأحماض والبروتينات! "نفسي أجوجل باللغة العربية والاقي نتايج تُحترم!"

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى