ترياق الأمراض النفسية

أنواع الانتحار | تعددت النوايا والنتيجة مؤلمة

” أنا أفكر بالانتحار منذ عامين، لكني لم أكن أملك الشجاعة لتنفيذ هذه الخطوة.

كل يوم يمر عليّ يزيدني يقينًا بأنه لا معنى للحياة، وأنها مجرد أيام ثقال تزيد من آلامي وتجعلني أسعى للحرية الأبدية من زيف البشر وقسوتهم.

أعلم يا إلهي أن ما أرتكبه ذنبًا فظيعًا، لكنني لا أستطيع التحمل؛ لم ينفع مع هذه الحياة سبع وعشرون خطة، وهذه هي الخطة ياء، لقد نجوت من الحياة بأعجوبة.”

رسالة تركها منتحر من بين منتحرين كثيرين يهربون من حياتهم ظنًا منهم أنه الحل الوحيد لمشكلاتهم.

من هؤلاء المنتحرين من تضعف نفسه وينتحر بعد فترة قصيرة من مراودتهم للفكرة، ومنهم من يعافر فترة من الزمن ثم تخور قواه وينتحر، ومنهم من يستعيد الأمل في الحياة بمساعدة المحيطين به ويتراجع عن هذه الفكرة.

“ما الذي يدفعك يا صديقي إلى قول أنا أفكر بالانتحار، وتنفيذه؟” سؤال يراود كل إنسان حين يسمع عن حالة انتحار أو يطرحه على من تراوده أفكار انتحارية.

سنجيب عن هذا السؤال من خلال التعرف إلى أنواع الانتحار، وسنوضح العلاقة الوطيدة بين الاكتئاب والانتحار، وأهم أساليب العلاج النفسي للانتحار.

أنواع الانتحار في علم الاجتماع

أنواع الانتحار في علم الاجتماع

لطالما كان الانتحار لغزًا لعلماء النفس؛ فالروح عزيزة!، كيف يصل بالإنسان الأمر مهما كانت ظروفه قاسية أن يزهق روحه، ففكرة الموت مخيفة وغامضة، ألا يهابها؟

الألم النفسي العميق هو السبب الأكثر شيوعًا للمنتحرين، ومع وصولهم لدرجة معينة من الألم النفسي، تقل مقاومتهم لفكرة الانتحار، ويزداد إيمانهم بعبثية الوجود وأن الخلاص من الحياة هو الحل لمشكلاتهم.

لكن لعلم الاجتماع رأي آخر، إذ يؤمن (دوركايم) -أحد مؤسسي علم الاجتماع- بأن أسباب الانتحار ليست شخصية أو تعتمد على خلل نفسي للفرد بقدر ما هى مسؤولية اجتماعية؛ نتيجة لانتشار الفوضى الاجتماعية وضعف التضامن الاجتماعي.

تود الحصول على المزيد من المقالات المجانية على ترياقي؟ اشترك الآن ليصلك كل جديد!

انشغل (دوركايم) بدراسة اختلاف معدلات الانتحار من مجموعة لأخرى وفقًا لعوامل اجتماعية، وخرج بنظريته حول أنواع الانتحار في علم الاجتماع، ألا وهم:

١. الانتحار الأناني

عندما تشعر مجموعة من البشر بالغربة الاجتماعية، وأنه لا مكان أو دور لهم في المجتمع، يُصابون بالدونية والإحباط من وجودهم في الحياة.

يفتقد هؤلاء الأشخاص الهدف الاجتماعي، وتزداد أنانيتهم المتفردة؛ الأمر الذي يشعرهم بأن المجتمع أصبح مكانًا ضيقًا لهم.

٢. الانتحار الإيثاري

على نقيض الانتحار الأناني، ينتج الانتحار الإيثاري عن ترابط مجتمعي قوي ومسؤولية كبيرة ملقاة على عاتق الأفراد تجاه مجتمعهم؛ في هذه الحالة ترجح كفة الهدف الجمعي عن المصالح الشخصية.

نتيجة لذلك، قد يُضحي بعض الأفراد بحياتهم في سبيل الآخرين، خير مثال على ذلك الجماعات الإرهابية المتطرفة التي ينتحر أعضاؤها في عمليات إرهابية في سبيل انتشار فكرتهم.

الغريب في الانتحار الإيثاري -على عكس أنواع الانتحار الأخرى- أنه نابع من الأمل في التصور الجميل لما بعد الموت.

٣. الانتحار اللا معياري

من أنواع الانتحار الناتجة عن سوء الحالة الاقتصادية للبلاد؛ فالتغيرات الاجتماعية تُتيح الفرصة للتيارات اللا معيارية بانعدام الجذور، والانسياق وراء الانتحار.

نشر مركز مكافحة الأمراض والوقاية CDC إحصائيات تُؤيد (دوركايم)، تُفيد بارتفاع معدل الانتحار في أمريكا ما بين ١٩٢٨ حتى عام ١٩٣٢؛ نتيجة لسوء الأحوال الاقتصادية وارتفاع معدل البطالة.

كذلك ارتفعت معدلات الانتحار الجماعي في اليابان في عام ١٩٩٥ بعد حدوث زلزال كوبا؛ إذ شعر الناجون من الزلزال بضغط عصبي شديد في إعادة بناء مجتمعهم والعيش كما قبل الحادث، فلجأ بعضهم إلى الانتحار للهروب من واقعهم المرير.

٤. الانتحار القدري

ينتج عن المجتمعات التي تفرض ضوابط وقيودًا قسرية تجعل حياة المواطنين غير محتملة؛ إذ تكبت أحلامهم وأهدافهم بصورة قمعية.

من الأمثلة الشائعة على أنواع الانتحار القدري: انتحار العبيد لشعورهم بأن مصيرهم محتوم ولا مجال للتغيير، فيلجأون إلى الانتحار للتحرر من القيود القسرية.

يظهر أيضًا الانتحار القسري في المجتمعات التي تضع توقعات عالية على الأفراد؛ ما يجعلهم فريسة لجلد الذات والضغط العصبي المستمر لعدم قدرتهم على مواكبة توقعات المجتمع منهم.

تنفرد هذه المجتمعات بإنتاجيتها المرتفعة وتطورها المستمر في المجالات كافة.

الاكتئاب والانتحار… علاقة طردية خطيرة

الاكتئاب والانتحار… علاقة طردية خطيرة

من المؤسف في مجتمعنا المعاصر سرعة إيقاع الحياة وزيادة الضغوطات النفسية والعصبية؛ نتيجة لمحاولات أفراده الارتقاء على المستوى المهني والشخصي بسرعة، وفي أثناء تعثراتهم قد يقعون في فخ الاكتئاب.

ما يزيد الوضع خطورة هو عدم إحساس معظم مرضى الاكتئاب بأنهم يعانون مشكلة نفسية أو بحاجة إلى مساعدة طبية، بل يمارسون حياتهم بشكل طبيعي، وتدريجيًا تراودهم الأفكار الانتحارية حتى يقدموا على تنفيذها.

إذا نظرت -عزيزي القارئ- إلى الاكتئاب والانتحار، ستجد أن خلل الناقلات العصبية هي حلقة الوصل بينهما.

يكمن دور الناقلات العصبية “السيروتونين والدوبامين” في تحسين الحالة المزاجية للإنسان، لذا؛ فباضطراب نسبة هذه الهرمونات في حالة الاكتئاب، يُراود المريض أفكار سوداوية وينسى كل ذكرياته الجميلة وحاضره الملئ بالنعم، وتزداد قناعته بأنه لن يفرح أبدًا.

عند مواجهته أي مشكلات يكون على يقين تام بأنه ليس لها أي حلول، مع تراكم هذه الأفكار السوداوية تزداد آلام المريض النفسية والجسدية ذات الطابع النفسي التي لا تحتمل؛ ومن ثم يلجأ إلى الانتحار.

من خلال ما سبق، يتضح أن أنواع الانتحار بمختلف اتجاهاتها لا تهدف إلى الموت، بقدر هدفها إلى التخلص من الآلام التي تفوق طاقة المنتحرين، والهروب من الواقع.

العلاج النفسي للانتحار.. طوق النجاة لأنواع الانتحار

مهما كانت أنواع الانتحار السائدة في المجتمع أو الخلل النفسي الذي يمر به كل شخص على حدة، هناك استراتيجيات نفسية تهدف إلى رجوع المنتحر عن تفكيره، والتخلص من مراودته الأفكار الانتحارية مستقبلًا.

من أهم هذه الاستراتيجيات:

١. العلاج المعرفي السلوكي

وهو جلسات علاجية يتحاور فيها المعالج النفسي مع المقبل على الانتحار؛ لتغيير طريقة تفكيره وإعطائه أملًا في الحياة، ووقايته من الأفكار الانتحارية في المستقبل.

ومن أهم مراحل العلاج المعرفي السلوكي لشتى أنواع الانتحار:

١. وضع خطة للسلامة الصحية

تشمل أعراض التفكير في الانتحار من أفكار أو مشاعر أو تصرفات، وطرقًا للتعامل معها. وتختلف الخطة من شخص لآخر وفقًا لاحتياجات المريض.

٢. حل المشكلات، وذلك من خلال استراتيجيات معرفية لتعديل أفكار المريض السوداوية، واستراتيجيات سلوكية تكسب المريض مهارات للتأقلم مع مشكلاته.

٣. منع الانتكاسة، من خلال تعلم مهارات تقيهم من الانتكاسة وتعزز استخدام المهارات التي تعلموها في الأزمات الانتحارية مستقبلًا.

تشمل هذه الخطوة تعريض المريض لأزمات انتحار وهمية لاستخدام مهاراته وقياس مدى نجاحه في مواجهة الأزمة الوهمية.

٢. البحث عن أسباب للتمسك بالحياة

من أبرز المهارات للتعامل مع المنتحر هي مقابلة فكره الذي يبحث عن الهروب من الحياة بأسباب تُعلقه بها،
وتحمسه إلى مواجهة آلامه النفسية والعصبية وحل مشكلاته؛ حتى ينعم بحياة هادئة.

يقدم المعالج النفسي للمريض بمساعدة أهله صندوقًا مليئًا بصور لذكرياته الجميلة، وعبارات ملهمة تبث الأمل فيه،
وخطابات مليئة بأحلامه التي كان يشاركها لأهله، وقصصًا لأناس مروا بمشكلات مشابهة له ثم تجاوزوها.

٣. تأجيل الانتحار

دافع الانتحار مؤقت؛ يأتي للشخص ويبتعد عنه. لذا؛ إذا تمكن المعالج النفسي من إقناع مريضه بتأجيل خطوة الانتحار لفترة معينة ليعطى فرصة لنفسه وللحياة، بذلك تكون أولى خطوات إنقاذ المريض تمت بنجاح!

من أبرز استراتيجيات الطب النفسي في تأجيل الانتحار إثارة فضول المريض حول الأشياء التي ستفوته إن أزهق
روحه، يلفت الطبيب نظر المريض إلى جوانب إيجابية لا يهتم بها وكيف أنه سيخسرها بموته.

العلاج الدوائي للانتحار

قد يحتاج المريض عند اشتداد حالة الاكتئاب عليه الخضوع لعلاج دوائي لتخفيف الأعراض.

من أهم المجموعات الدوائية التي يلجأ إليها الطبيب في علاج الاكتئاب

١. مثبطات امتصاص السيروتونين الانتقائية

من أكثر المجموعات الدوائية وصفًا من قبل الطبيب، وذلك لأمانها وقلة آثارها الجانبية المزعجة

من أشهر الأسماء العلمية لهذه المجموعة: سيتالوبرام و إسيتالوبرام وفلوكسيتين وسيرترالين.

٢. مثبطات امتصاص السيروتونين والنورابينفرين

مثل دولوكستين وفينلافكسين وديسفنلافكسين.

٣. مضادات الاكتئاب غير النمطية

مثل ترازودون ونيفازودون وبوبروبيون.

٤. مضادات الاكتئاب ثلاثية الحلقات

لا يلجأ إليها الطبيب إلا بعد إثبات عدم فاعلية مثبطات امتصاص السيروتونين مع المريض، وذلك لحدة أعراضها الجانبية.

٥. مثبطات مونوامين الأوكسيداز

مثل ترانيلسيبرومين وفينيليزين وإيزوكاربوكسازيد. تعد هذه المجموعة الدوائية الحل الأخير التي يلجأ إليه الطبيب كحل أخير نظرًا لآثاره الجانبية الخطيرة وتفاعلاته مع بعض الأطعمة مثل الجبن والمخللات.

مجمل القول، مهما اختلفت أنواع الانتحار، هناك أعراض محددة تظهر على المقبل على الانتحار، إذا لاحظتها
في صديق أو أحد أفراد العائلة أو زميل؛ اعرض عليه الاستماع إلى مشكلاته والذهاب معه إلى طبيب نفسي.

من أهم هذه الأعراض:

  • محورية كلام الشخص عن الموت والأفكار الانتحارية.
  • الانسحاب من دوائر معارفه، والميل إلى الانعزال عن أنشطته المفضلة.
  • كثرة شكوى الشخص من آلام نفسية وجسمانية تنهك روحه.
  • حرص الشخص على زيارة معارفه وأهله في نفس اليوم وكأنه يودعهم.
المصدر
Four Types of SuicidesWhy do people kill themselves?DEPRESSION AND SUICIDESuicide Warning Signs: What to Watch for and DoDepression and SuicideReducing Suicide Risk: The Role of Psychotherapy
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى