علماء ومشاهيرنظريات

إبراهام ماسلو وسلم الاحتياجات الإنسانية

ذات نهار، وقف الأستاذ الجامعي يشرح لطلابه -في صف علم النفس- عن حاجات الإنسان ودوافعه في هذه الحياة. 

قاطعه أحد الطلاب قائلًا: “في أثناء بحثي في المكتبة حديثًا، وجدت كتابًا يتحدث عن إبراهام ماسلو ونظريته في الدافعية الإنسانية، وقد شدَّني عنوانه كثيرًا، لكني لم أتمكن من استعارة الكتاب وقراءته، فهل يمكنك أن تلقي لنا مزيدًا من الضوء عليها؟”.

ابتسم الأستاذ وقال: “حسنًا، لك هذا، فلنجعل هذه المحاضرة عن إبراهام ماسلو وإسهاماته العظيمة في مجال علم النفس”.

هيا بنا لنبدأ…

مَن هو إبراهام ماسلو؟ 

ماسلو هو عالم نفس أمريكي، اشتُهِر بنظريته التي يتحدث فيها عن التسلسل الهرمي للاحتياجات الإنسانية، وعن دور تلك الاحتياجات في تشكيل سلوك الإنسان ودوافعه في هذه الحياة. 

يُعَدُّ ماسلو أيضًا أحد مؤسسي علم النفس الإنساني

وُلِد إبراهام ماسلو في أبريل عام 1908 في بروكلين بنيويورك، وترعرع في أسرة مكونة من سبعة أطفال هو أكبرهم.

يصف إبراهام طفولته المبكرة بأنها كانت غير سعيدة، وكان يشعر بالكثير من الوحدة. لذا، فقد لجأ إلى إغراق نفسه بالقراءة ومطالعة الكتب ليتغلب على هذا الشعور المرير.

وقد درس القانون في بداية الأمر، لكنه سرعان ما اكتشف شغفه تجاه علم النفس، فتحول إلى دراسته، وقد حصل على جميع درجاته العلمية (درجة البكالوريوس والماجستير والدكتوراه) في هذا المجال من جامعة ويسكونسن الأمريكية.

الحياة المهنية لإبراهام ماسلو

بدأ إبراهام ماسلو حياته المهنية بالتدريس في كلية بروكلين عام 1937، واستمر في العمل بها كعضو هيئة تدريس حتى عام 1951. 

في تلك الأثناء، تأثر ماسلو كثيرًا بطبيب النفس الجشطالتي (ماكس فيرتهايمر)، وعالمة الأنثروبولوجيا (روث بندكت).

اعتقد ماسلو أنهم كانوا أشخاصًا استثنائيين، لدرجة أنه بدأ في ملاحظة سلوكهم وتحليله، وقد كان ذلك  بمثابة حجر الأساس لجميع النظريات والأبحاث التي تبنَّاها لاحقًا في تفسيره للدوافع الإنسانية.

ماسلو وعلم النفس الإنساني

في الخمسينيات، أصبح إبراهام ماسلو أحد مؤسسي علم النفس الإنساني، وقد كانت نظرياته الثلاث (التسلسل الهرمي للاحتياجات، ونظرية تحقيق الذات، ونظرية خبرات القمة) هي الأساس الذي بُنِي عليه هذا العلم.

كيف اختلفت نظريات ماسلو عن نظيراتها الشائعة في تلك الفترة؟ 

  • شعر ماسلو أن تفسيرات (فرويد) و(سكينر) للسلوك البشري ركَّزت بشدة على السلوك المرضي والجوانب السلبية للوجود الإنساني.
  • بينما أهملت نظرياتهم المواهب والإبداع الذي يمتلكه البشر. 
  • ركزت نظريات ماسلو على تعظيم الجانب الإيجابي من إمكانات البشر.

إسهامات إبراهام ماسلو في مجال علم النفس

يعَدُّ إبراهام ماسلو أحد علماء النفس البارزين في القرن العشرين، وقد عُرِف بإسهاماته المتميزة في مجال علم النفس. ومن ضمن تلك الإسهامات:

  • ساهمت نظرياته في تحويل مجرى علم النفس؛ فبعد أن كان ينظَر بالأساس إلى السيئ من أفعال البشر وسلوكهم،
    حفَّزت نظريات ماسلو فكرة التركيز على الجانب الإيجابي من نفوس البشر واستغلاله.
  • ما زالت نظرياته تلهم العديد من علماء النفس الآن، وذلك من أجل استكمال خطاه في التركيز على الإيجابيات البشرية وتحفيزها لينعم الجميع بصحة نفسية جيدة. 

والآن، دعونا نتناول بالتفصيل إحدى نظرياته الهامة التي غيرت وجه علم النفس إلى الأبد.

هرم ماسلو للاحتياجات الإنسانية 

هو إحدى نظريات علم النفس التي توضح الاحتياجات الدافعية للبشر وأنواعها، تضم هذه النظرية خمس مستويات
من الاحتياجات الإنسانية، مقسَّمة في شكل تسلسل هرمي. 

تضم قاعدة الهرم الاحتياجات الأكثر أولوية، بمعنى الأشياء التي يجب استيفاؤها أولًا في حياة الفرد، قبل أن يستطيع
الانتقال إلى المستوى الأعلى. 

فكلما استوفينا حاجة من هذه الاحتياجات الأساسية، برزت أخرى في سلم الاحتياجات تستوجب استيفاءها هي
الأخرى، وهكذا وصولًا إلى قمة الهرم. 

ترتَّب هذه الاحتياجات من قاعدة الهرم إلى أعلاه كالآتي:

1- الاحتياجات الفسيولوجية.

2- الحاجة إلى الأمان.

3- الحاجة إلى الحب والانتماء. 

4- الحاجة إلى التقدير.

5- الحاجة إلى تحقيق الذات.

احتياجات النقص مقابل احتياجات النمو

تمثل احتياجات النقص أربعة المستويات الأولى من الهرم، وسمِّيَت بهذا الاسم لأن نقصها هو المحفز الذي يدفع الإنسان لتحقيقها. 

على سبيل المثال: الشعور بالجوع هو الذي يدفع الإنسان إلى تناول الطعام، ومن ثَمَّ، سد الحاجة إلى الأكل. 

أما احتياجات النمو (وتمثِّل المستوى الخامس من الهرم، أو الحاجة إلى تحقيق الذات) فلا يعَدُّ نقصها محرك
الإنسان لتحقيقها؛ بل استيفاء الاحتياجات الأساسية التي قبلها هو ما يدفع الشخص إلى التفكير بها، والتطلع  إليها. 

في أثناء شرحه لنظريته، أوضح إبراهام ماسلو أن هذه النظرية لا تخضع لقانون “الكل أو لا شيء”؛ بمعنى آخر،
لا يشترَط استيفاء الإنسان للحاجات الأولية بنسبة 100% حتى يتطلع إلى الحاجة التي تليها. 

لكن تحقيقه لجزء منها يُبرِز له المستوى الأعلى من الحاجات. أما إذا افتقدها تمامًا من حياته لسبب ما، فإنه سينشغل بها فقط حتى يستطيع تحقيق جزء منها، ولن يتطلع إلى الحاجة التي تليها قبل ذلك.

هرم ماسلو الجديد 

خضع هرم ماسلو الأصلي للتوسع، وأضِيفَت إليه ثلاثة مستويات جديدة في عام 1970، وبهذا أصبح هرم ماسلو الجديد يضم ثمانية مستويات بدلًا من خمسة. 

المستويات الثمانية لهرم ماسلو الجديد

1- الحاجات الفسيولوجية والبيولوجية، مثل: الحاجة إلى الطعام، والشراب، والمأوى، والدفء، والراحة، والجنس. 

2- الحاجة إلى الأمان، مثل: الحاجة إلى الحماية من الأذى، والشعور بالاستقرار وعدم الخوف، وفرض النظام والقانون في المجتمع. 

3- الحاجة إلى الحب والانتماء: وتتمثل في الشعور بالثقة والحب والحميمية والقبول، والرغبة في أن يكون الفرد جزءًا من مجموعة (العائلة، أو الأصدقاء، أو بيئة العمل). 

4- الحاجة إلى التقدير: ويقسِّمها ماسلو إلى جزءين؛ الأول هو تقدير الذات، والثاني هو الشعور بالتقدير والاحترام من الآخرين.

اقرأ أيضًا: الفرق بين الإحساس بالاستحقاق وتقدير الذات.

5- الاحتياجات المعرفية: وتتمثل في الحاجة إلى المعرفة، والفهم، والاستكشاف، وإشباع الفضول. 

6- الاحتياجات الجمالية: البحث عن الجمال والتوازن في الحياة.

7- الحاجة إلى تحقيق الذات (أو الحاجة إلى إشباع الذات): أي تحقيق الإنسان لأحلامه وطموحاته، وحصوله على الرفاهية في الحياة. 

8- الحاجة إلى التفوق والرفعة: ويشبعها الإنسان عن طريق تحقيقه للاحتياجات السابق ذكرها، وحصوله على ذروة الخبرات الحياتية في جميع المستويات السابقة.

الاستفادة من نظرية ماسلو

ظهرت إيجابيات نظرية ماسلو جَليَّة في القطاع التعليمي؛ فقد ساعدت المعلمين والتربويين على فهم سلوك الطلاب والنهوض بهم.

تبنت نظريات إبراهام ماسلو نهجًا شاملًا لعملية التعلم، فمثلًا:

  • بدلًا من تفسير سلوك الطفل دائمًا كرد فعل للبيئة المحيطة، ينظر ماسلو إلى الفرد من الناحية الجسدية والعاطفية والفكرية والاجتماعية، ويحلِّل سلوكه بناءً على تأثير تلك العوامل مجتمعة فيه. 
  • تعلَّم المعلمون من نظرية ماسلو أنه قبل الشروع في استيفاء الحاجة المعرفية للطالب، يجب التأكد من أن الطالب قد استوفي قبلها جميع حاجاته الفسيولوجية. 

على سبيل المثال: الطالب المُجهَد الجائع لن يستطيع التركيز في دراسته. وكذلك يحتاج الطالب إلى الشعور بالأمان والتقبل في الفصل، لكي يستطيع استيعاب المادة العلمية المقدمة له. 

  • أوصى ماسلو بأن يتم استيفاء الحاجة إلى التقدير والاحترام للطلاب داخل الفصل، حتى يتقدموا أكاديميًا. فإذا كان الطالب يعاني قلة تقدير الذات، فسيؤثر ذلك سلبًا في تحصيله الدراسي. 

رأى ماسلو أن اتباع نهج تعليمي إنساني سينتج أفرادًا أقوى وأكثر صحة، ومتحملين لمسؤولياتهم تجاه حياتهم كأفراد، وتجاه المجتمع ككل. 

توفِّي إبراهام ماسلو في كاليفورنيا عام 1970عن عمر ناهز 62 عامًا، إثر إصابته بأزمة قلبية.

المصدر
Biography of Abraham Maslow (1908-1970)Maslow's Hierarchy of NeedsAbraham Maslow, His Theory & Contribution to Psychology
اظهر المزيد

د. سارة شبل

سارة شبل، طبيبة أسنان وكاتبة محتوى طبي، شغوفة بالبحث والكتابة منذ الصغر، أسعى إلى تبسيط العلوم الطبية وأتوق إلى إثراء المحتوى العلمي العربي، لكي يتمكن يومًا ما من منافسة نظيره الأجنبي بقوة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق