الإدمان
أخر الأخبار

إدمان الكحول بين المكافأة والألم

إذا خيّرت أي شخص بين المكافأة والعقاب، لن يفكر لثوان، المكافأة هي شعور بالسعادة، بالإنجاز، بالنجاح. ولكن هل سمعت عن مركز المكافأة في الدماغ؟ 

إن كيمياء المخ تلعب دور المتحكم في انفعالاتنا وتصرفاتنا، وعندما يأتي الأمر لمركز المكافأة في الدماغ، يسجل دماغك كل أمر أو فعل تقوم به يجعلك تشعر بشعور إيجابي.

فالنوم يجلب الراحة، وهي شعور إيجابي، وتناول الطعام يجلب الشبع والمتعة، وهو أيضاً شعور إيجابي، وغيرها من الأفعال والتصرفات المختلفة. حديثنا هنا عن الدوبامين، فهل تعرف ما هو؟ وما هي علاقة إدمان الكحول بالدوبامين؟ 

عن كيمياء إدمان الكحول والدوبامين

يفرز المخ العديد من الناقلات العصبية؛ وهي مواد كيميائية مهمتها توصيل الإشارات العصبية بين خلايا المخ وبعضها لتؤدي وظائفها المختلفة.

أحد أهم هذه الناقلات هو الدوبامين.

فعندما تقوم بأي فعل يحفز مركز المكافأة في المخ، يُفرز الدوبامين من هذا الجزء، فيُسجل هذا الفعل ويتذكره؛ ليخبرك بحاجتك للقيام به مجدداً لتكرار الشعور الجيد، والضروري لبقائك. 

وكأي فعل متكرر، هناك بعض المشاكل المترتبة على هذه الحلقة.

يبدأ الأمر ببعض الجوانب الإيجابية التي تدفعك لحب تكرار التجربة لتحصيل المتعة المرجوة منه.

ثم يتفاقم الأمر ويخرج عن سيطرتك تدريجياً، وتجد نفسك مستعداً لدفع تكلفة كبيرة مقابل التخلص من المشاعر السلبية أو الآلام وتحصيل المشاعر الإيجابية أو المتعة. وهذا هو الإدمان. 

أسباب إدمان الكحول

يحتوي الكحول على مكون رئيسي يسمى الإيثانول، وهو مُركَّب كيميائي يدخل المخ ويؤثر على عملية تناغم الموصلات العصبية بين الخلايا وبعضها، فيتحكم في نشاط مخك ومن ثَم يؤثر على أفعالك ومشاعرك. 

أما عن أسباب إدمان الكحول فيمكن تلخيصها في الخطوات التالية:

يعمل الإيثانول على خفض معدل نشاط المخ -والذي يتحكم فيه مستويات مادتي الجابا والجلوتامات اللذان يتم إفرازهما من خلايا المخ- فيتسبب ذلك في عدم توازن حركة الجسم، وعدم وضوح الكلام عندما تتحدث. 

يرفع الإيثانول معدلات إفراز الدوبامين من مركز المكافأة في المخ، فيتسبب في الشعور الجيد المصاحب لتناوله. 

بالإضافة لرفعه معدل السيروتونين والذي يحسن مزاجك أيضًا. 

عندما تتناول كميات قليلة من الكحول يزداد الجانب المثبط لنشاط المخ فيجلب شعوراً بعدم الراحة. 

ولكن عندما تتناول كميات أكبر من الكحول يزداد الجانب المنشط لمركز المكافأة والشعور الجيد. 

عند هذه المرحلة، إذا لم تحصل على جرعة جديدة من الكحول في نفس الموعد، يعود الجانب المثبط لنشاط المخ للعمل فقط لأنك لم تحصل على نفس الجرعة في ميعادها. 

فتجد إنك بحاجة لمواصلة تناول الكحول للحفاظ على الشعور الجيد، والتخلص من المنغصات التي أصبحت تصاحبك في حالة عدم تناوله. 

ولا يستغرق الأمر وقتاً طويلاً لتصل للمرحلة التي لا تكفي فيها الكميات التي تتناولها للوصول للشعور الجيد، فتجد إنك بحاجة لتناول كميات أكبر، وأكبر، وبهذا تصل لمرحلة إدمان الكحول. 

أعراض إدمان الكحول

هناك مصطلح يسمى “اضطراب تعاطي الكحول“، حيث يتسبب إدمان الكحول في ظهور بعض الأعراض عليك وتجد أنك لا تستطيع التخلص منه بسهولة.

يتم تشخيصك بهذا الاضطراب إذا كنت تعاني من بعض الأعراض التالية: 

  • تتخطى الكمية التي ترغب في تناولها. 
  • تحاول التوقف عن تناول الكحول عدة مرات وتخفق في الأمر. 
  • أن يتسبب إدمان الكحول في العديد من المشاكل بعملك أو يؤثر على علاقاتك الأسرية نتيجةً للحالة السلبية التي تمر بها بعد تناوله. 
  • ترغب في تناوله بشدة حتى يسيطر على تفكيرك تماماً ولا تستطيع التخلص من الفكرة. 
  • لا تستطيع التخلص منه برغم تأثيره السلبي على علاقاتك العاطفية والاجتماعية. 
  • لا يوقفك تعرضك للخطر من تناول الكحول، كأن تقود السيارة وأنت لست بكامل وعيك بعد تناوله. 
  • أن تجد نفسك مضطراً لزيادة الكمية التي تتناولها حتى تكفي للوصول للشعور الجيد. 
  • أن يصل بك الأمر للاكتئاب أو القلق نتيجة لإدمان الكحول، ولا تستطيع التوقف بالرغم من ذلك.

قد تمر بأعراض انسحابية عندما تحاول التوقف عن تناول الكحول، وتشمل هذه الأعراض:

  • الرعشة والتعرق.
  • القيء.
  • الشعور بعدم الراحة.
  • الأرق.
  • تسارع ضربات قلبك.
  • اضطرابات بالرؤية أو السمع.
  • وقد تعاني من نوبات هلوسة أو تشنجات أو هذيان إذا كانت درجة اضطرابك كبيرة.

ويتم تصنيف درجة اضطراب تعاطي الكحول تبعاً لعدد الأعراض التي تمر بها: 

  • الاضطراب البسيط: يكون عندما تعاني من 2-3 فقط من الأعراض السابقة.
  • الاضطراب المتوسط: عندما تعاني من 4-5 أعراض منها. 
  • الاضطراب الشديد: إذا كنت تشعر بـ 6 أو أكثر من هذه الأعراض. 

تأثيرات إدمان الكحول السلبية على جسدك 

يبدو الأمر مرتبطاً بمشاعرك وعلاقاتك وربما بسلامتك الشخصية، لكنه لا يقتصر على هذا الحد.

إذ يتسبب إدمان الكحول في عديد من الأمراض الجسدية التي لم تفكر بها عند تجربتك لمتعة تناوله، ومن هذه الأمراض: 

تليف الكبد

إذ يتسبب إدمان الكحول في التهاب أنسجة الكبد ويؤثر على أداء وظيفته، التي تتمثل في تنقية الجسم من السموم.
وبزيادة الالتهاب، تظهر بالكبد العديد من الندبات نتيجة لتآكل أغشيته، مما يؤدي لتليفه في النهاية وفشله في أداء وظيفته، مما قد يسبب أضراراً بالغة بجسمك قد تصل للوفاة. 

وتزداد نسبة تليف الكبد بفعل إدمان الكحول في النساء بدرجة أكبر من الرجال. 

التهاب البنكرياس

فتناول الكحول باستمرار يزيد من إفراز إنزيمات الهضم من البنكرياس، ويؤدي تراكم هذه الإنزيمات إلى التهاب البنكرياس، وهو ما يُعد حالة خطرة؛ إذ يترتب عليه العديد من المضاعفات السلبية الخطيرة. 

مستوى السكر بالدم

بما إن البنكرياس له دور في تنظيم مستوى الإنسولين بجسمك واستجابته لمستوى السكر بالدم، فإن تأثُّره في حالة إدمان الكحول يؤثر بالطبع على مستوى الإنسولين، فيؤدي إلى انخفاض أو ارتفاع نسبة السكر بالدم. 

تأثيره على المخ

يظهر تأثير الكحول على المخ سريعاً؛ في تلعثم الكلام، وعدم اتزان الحركة، وفقدان الذاكرة اللحظي الذي يعد أشهر تأثيراته الواضحة.

يسبب إدمان الكحول تلفاً في أنسجة المخ على المدى البعيد، وقد لا يمكن إصلاحه في بعض الأحوال، فتفقد هذه الأنسجة قدرتها على أداء وظائفها تدريجياً وبلا رجعة. 

يؤثر إدمان الكحول على القشرة الدماغية، وعلى المخيخ المسئول عن قدراتك الحركية.

كذلك يؤثر على الجهاز الحوفي المسئول عن تنظيم مشاعرك وانفعالاتك ورغباتك. فتكون محصلة الخسائر هي فقدان توازنك، وتأثر ذاكرتك وانفعالاتك. 

التأثير على القلب

يزيد الكحول من احتمالية إصابتك بأمراض القلب والأوعية الدموية؛ كارتفاع ضغط الدم وعدم انتظام ضربات القلب.
ويصل الأمر مع الإدمان إلى تعرضك لاعتلال عضلة القلب، أو الجلطات، أو الموت القلبي المفاجئ.

تأثيرات على الجهاز الهضمي 

يزيد إدمانك للكحول من احتمالية إصابتك بسرطان الفم، والتهابات المعدة والبلعوم، والقائمة تطول. 

علاج إدمان الكحول

علاج إدمان الكحول ليس بالأمر السهل، فالأعراض الانسحابية المؤلمة تجعل الكثير يخفق في الإقلاع عنه، فيقبل بكوارثه في سبيل البعد عن معاناة تلك الأعراض الانسحابية. 

ولكن الخسارة كما رأيت ليست بذلك الثمن الهين، لذا فما تحتاجه هو المساعدة الطبية، ليُخبرك طبيبك بطرق التخلص من إدمان الكحول المناسبة لك، كما ستحتاج لجلسات العلاج الجماعي، وتنضم لأحد برامج الإقلاع عن الكحول التي يوضع فيها خطة مدروسة لك: حول طرق التخلص من إدمان الكحول، والتعامل مع المحفزات، والتغلب على رغبتك المُّلحة التي ستعاني منها كثيراً. 

وكما رأيت، فلذة كأس من المتعة لا تضاهي الثمن الذي ستَدفعه من صحتك وجسدك، وحياتك وعلاقاتك، فهل أنت متأكد من قدرتك على تحمل تلك الفاتورة؟ الخيار لك.. 

اظهر المزيد

د. آلاء عمر

آلاء عمر، صيدلانية، أم، وكاتبة محتوى طبي، أهدف إلى إيصال المعلومة الطبية للقارئ بسهولة وزيادة الوعي الطبي لدى الناس. مهتمة بمجال الصحة النفسية وما يخص الطفل والمرأة طبياً. مؤمنة بقدرة الإنسان على اكتساب الوعي والتغيير الإيجابي للإرتقاء بمستوى حياته للأفضل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق