علماء ومشاهير

إريك إريكسون – ومراحل التطور النفسي والمجتمعي

بينما كنت أحاول الخلود إلى النوم، أصابني الأرق وبدأت الأفكار كلها تدور في بالي، منهم ذكرى لموقف مضى منذ ٥ سنوات، تصرفت فيه بشكل سلبي، وأخذت أقول لنفسي كم كنت أبلهًا في هذا الموقف، ولو حدث هذا الموقف الآن لما تصرفت ذلك التصرف!

بالتأكيد معظمنا -إن لم يكن كلنا- يُفكر في ذكريات قديمة لتصرفاته، ثم يندم على ما فعله ويلوم نفسه بشدة،
لكن هذا ليس تصرفًا صحيحًا عزيزي القارئ.

لولا مرورك بموقف معين في الماضي -وتصرُّفك فيه بشكل خاطئ- لما اكتسبت خبرتك الحالية، وهذا ما يُعرَف بـ”مراحل النمو النفسي”.

تناولت نظريات عِدَّة مراحل النمو النفسي، سنكتفي بواحدة منهم تُعرَف بـنظرية ” إريك إريكسون – Erik Erikson”.

ما هي نظرية إريك إريكسون ؟

إريك إريكسون عالم ومحلل نفسي، مشهور بنظريته في مراحل النمو النفسي والاجتماعي.

اتجه إريك إريكسون بنظريته إلى فهم شخصية الفرد من خلال المواقف والتأثيرات الاجتماعية عليه طوال حياته،
ولم يقتصر فقط على ذكريات طفولة الشخص في فهم الهوية الشخصية، مثلما فعل بعض علماء النفس.

استعان إريك إريكسون بنظرية فرويد حول المراحل الخمسة لتطور شخصية الفرد، وخرج بما يُعرَف
بـ”تصنيف إريك إريكسون ” المُكوَّن من ثماني مراحل للتطور، وأكد على أن المواقف الاجتماعية تؤثر على الوعي الذاتي والهوية الشخصية.

تضم كل مرحلة في تصنيف إريك إريكسون -للنمو النفسي الاجتماعي- أزمات تتمثل في تحديات تواجه الفرد.
طريقة تفاعل الفرد مع هذه الأزمات تحدد إذا ما كان قد تخطى هذه المرحلة، أم أنه لا زال بحاجة إلى اكتساب خبرات أكثر لتخطيها.

نجاح الفرد في تخطي مرحلة معينة يكسبه مزايا، وهي نِقَاط القوة لديه في مواجهة الصراعات القادمة.
أما فشل الفرد في تخطي مرحلة معينة يجعله غير قادر على تخطي باقي المراحل.

إليك بالتفصيل المراحل الثماني للنمو النفسي الاجتماعي

المراحل الثماني للنمو النفسي الاجتماعي

١.الثقة مقابل عدم الثقة:

وهي أول مرحلة في نظرية إريك إريكسون للتطور النفسي، حيث تبدأ من يوم الولادة حتى سن سنة ونصف.

يُولَد الجنين تائهًا في دنياه الجديدة، باحثًا عن مصدر للحب والحنان في والديه؛ فكل ما يحتاج إليه هو الشعور بالاستقرار وتلقي الرعاية.

إذا تلقى الجنين الرعاية السليمة المدعومة بالحنان، سيتولد بداخله الشعور بالثقة، واكتساب الأمل بأنه إذا واجه مشكلة سيلاقي الدعم مِمَّنْ حوله.

أما إذا حدث عكس ذلك، يصاب الطفل بالقلق وفقدان الثقة في العالم.

ومن هنا -عزيزي القارئ- ينبغي لك غَمْر طفلك بالاهتمام من خلال قضاء وقت أطول معه، واحتوائه في أزماته؛
مما سيؤثر بشكل ملحوظ في علاقاته فيما بعد.

٢.الحكم الذاتي مقابل الشك والخجل:

تبدأ هذه المرحلة من سن سنة ونصف إلى ثلاث سنوات، حيث يميل الطفل إلى الاستقلال بنفسه في أموره البسيطة.

في هذه الفترة، يبدأ الطفل في الزحف ثم المشي، ويبدأ في اكتشاف قدراته؛ فمثلًا يتحرك الطفل بعيدًا عن أمه ناحية
ألعابه، ويُبدِي رأيه في ملابسه وطعامه.

دور الآباء والأمهات في تعزيز استقلالية طفلهم:

يؤكد علماء النفس أن السماح للطفل باكتشاف نفسه، وقَوْل رأيه فيما يخصه، يبني شخصيته مبكرًا على الاستقلالية منذ صغره.

خير مثال على ذلك، إذا بادر الطفل إلى ارتداء ملابسه بمفرده، لا تمنعه وتقول له بأنه لن يستطيع،
بل أعطِه الفرصة واصبر عليه حتى يطلب منك المساعدة، ولا تسخر منه لإنه لم يستطع ارتداء ملابسه بمفرده،
حتى لا يَكُفَّ عن المحاولة ويعتمد عليك.

إذا نجح الطفل في الاستقلال بأموره البسيطة، سيكتسب قوة الإرادة والثقة بالنفس. أما إذا أخفق أو لم تساعده البيئة
المحيطة به على اكتشاف نفسه، سيميل إلى الاعتمادية، وسيفقد الثقة في قدراته.

٣.المبادرة مقابل الشعور بالذنب:

المبادرة مقابل الشعور بالذنب

وهي ثالث مرحلة من مراحل النمو الاجتماعي، وتظهر في الأطفال قبل دخولهم المدارس.

يبدأ الطفل في التفكير والإبداع، ومن ثَمَّ يبادر إلى طرح أفكاره، سواءً مع زملائه أثناء اللعب أو مع والديه؛
مما يترتب عليه اكتشاف الطفل لمهاراته القيادية، وقدرته على اتخاذ القرارات.

لكن إذا قوبِلَت مبادرة الطفل واقتراحاته بالسخرية أو التهكم من أهله، سيتولد لديه الشعور بالذنب من اقتراحه،
إلى جانب الخجل من نفسه واكتفائه بعدم إبداء أي اقتراحات؛ مما يقلل من إبداعه.

أما إذا شجعه أهله على التفكير والإبداع، سيكتسب الطفل قيمة جديدة، ألا وهي تحقيق الأهداف والمثابرة عليها.

٤.الكفاءة مقابل الدونية:

وتشمل المرحلة العمرية من سن خمس سنوات إلى سن اثنتي عشرة سنة، إذ يبدأ الطفل في حياته الدراسية،
ويتعلم القراءة والكتابة، ويدخل في منافسات مع زملائه على المراكز الأولي. للمدرسين دور هام وفارق في تكوين شخصية هؤلاء الطلبة.

يحتاج الطفل إلى الشعور بالفخر والثقة تجاه إنجازاته، كالتصرف بأسلوب سليم في موقف ما، أو الفوز بمنافسة قوية.

عندما يلاقي الطفل استحسان المدرسين وأهله تجاه ما يحققه، يتولد لديه الشعور بأنه كُفْء. أما إذا لاقى الطفل تجاهل المحيطين به تجاه إنجازاته، سيتولد لديه الشعور بالدونية وأنه بلا فائدة.

٥.الهُوِيَّة مقابل الدونية:

وهي من أهم مراحل النمو في علم النفس، حيث يتحول الطفل إلى مراهق، ومن ثَمَّ تتكون هويته المسؤولة عن
تصرفاته واتجاهاته.

إذا تمكَّن المراهق من اكتشاف هويته، سيخرج من هذه المرحلة شخصًا سويَا قادرًا على الاستقلال بذاته،
ومُهيَّأً للنضج النفسي والمجتمعي. أما إذا أخفق في تحديد هويته، سيُصاب بالتخطبُّط والتوهان. 

يري (إريك إريكسون) أن هذه المرحلة تُعَدُّ الفارقة في عمر الفرد، وذلك لتعرُّضِه لخبرات جديدة وتحديات مختلفة
تُشَكِّل هويته، وتُمَكِّنه من تحديد أفكاره وسلوكياته للمرحلة القادمة.

٦.الألفة مقابل العزلة:

الألفة مقابل العزلة

بعدما تتشكل هُوِيَّة المراهق ويفهم نفسه جيدًا، يبحث عن عَلاقة حب قوية، وشريكة تسانده في أيامه، وتشاركه أحلامه.

ربط (إريك إريكسون) هذه المرحلة بما قبلها؛ إن لم يستطع الفرد تحديد هويته وفهم ذاته جيدًا، لن يجد مَنْ يفهمه
ويحتويه، وقد يدخل الفرد في تجارب عاطفية لكن مصيرها الفشل.

٧.الإنتاجية مقابل الركود:

أي شخص متَّزن نفسيًا يحاول خلق حياة مليئة بالنجاحات؛ فهناك مَنْ يبذل جهده في مساره الوظيفي،
وهناك مَنْ يسعى إلى تكوين أسرة صالحة.

إذا نجح الفرد في تحديد إنتاجيته في مسار معين، يشعر بقيمة وجوده في الحياة. أما إذا فشل الفرد في تحديد مسار
حياته، سيتولد بداخله الشعور بالغربة وعدم الانتماء لهذا العالم.

٨.تكامل الشخصية مقابل اليأس:

تُعَدُّ هذه المرحلة آخر مراحل النمو في علم النفس، وتشمل استرجاع كبار السن لشريط حياتهم، منذ بداياتهم وتكَوُّن
هويتهم، ثم يفكر كلٌّ منهم قليلًا هل هو راضٍ عن حياته، أم أنه نادم عليها.

إذا أحس الشخص بأن حياته مليئة بالإنجازات، وأنه راضٍ عنها، يكتسب الحكمة والفخر منها. أما إذا أحس بالندم على
حياته السابقة، ينتابه اليأس والأسى.

خلاصة القول، أردتُ أن أبرهن قولي في بداية المقال بما طرحه (إريك إريكسون) حول نظرية النمو النفسي
المجتمعين، فذلَّاتك وعثراتك القديمة ما هي إلا نتيجة تحديات واجهتَها، ثم اكتسبتَ خبرات نتيجةً لتعرُّضِك لها
وانتقلت لمرحلة جديدة. والدليل اعترافك بذلَّاتك، واقتراحك للتصرف السليم.

نصيحتي الأخيرة: لا تجلد ذاتك؛ فأنت خُلِقتَ للتعلُّم واكتساب قيم ومزايا تبني هويتك.

المصدر
Erik Erikson's Stages of Psychosocial DevelopmentErik Erikson's Stages of Psychosocial DevelopmentErikson’s 8 Stages of Psychosocial Development, Explained for Parents
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق