ترياق الأمراض النفسية

إنكار المرض النفسي – سلاح ذو حدين!

“خمسة وعشرون عامًا قد مضت!”، قالها وهو يجلس على كرسي من الأرابيسك الثمين، اشترته له زوجته الراحلة التي ينظر إلى صورتها الآن.

قالها بعدما أنهى الكأس العاشرة من الكحول، ثم سقط نائمًا من شدة التعب.

في صباح اليوم التالي… 

_ صباح الخير يا أبي، زجاجات خمرٍ متنوعة من باريس الشقيقة كالعادة! لا أدري متى ستتوقف عن تدمير نفسك!

= صباح الخير عزيزتي، إنها مجرد أداة أنسى بها أحزاني. لا عليكِ، سأكون بخير، سأرتدي ملابسي وأوصلكِ إلى جامعتكِ الآن.

_ حسنًا أبي، يوم سعيد لك!

= يومكِ أسعد، فتاتي المشاغبة!

لا تحزني، إن والدك مصاب بإنكار المرض النفسي. سأخبركِ الآن كل شيء عن هذه الحالة، وكيف تتعاملين معها.

ما هو إنكار المرض النفسي؟

يُعَد إنكار المرض النفسي آلية الدفاع الأولى، وأحد طُرُق التعايش التي يحاول بها المريض التخلص من مرضه النفسي، فيحاول رفض حقيقة أنه مريض نفسي.

ويمكن بالفعل أن تنجح هذه الطريقة في التخفيف عنه أثناء المراحل الأولى من المرض.

يشعر أيضًا أثناء مرحلة الإنكار أن الأمر تحت السيطرة لأنه لا يصل إلى مراحل الانهيار.

لكن يمكن أيضًا أن تتداخل هذه الطريقة مع طرق العلاج الأخرى، فتسبب تأثيرات عكسية.

أسباب إنكار المرض النفسي

يحاول المريض نفي فكرة وجود المرض لكي يستطيع مواصلة حياته اليومية، حتى لو كانت هذه الحياة لا تسير بشكل جيد.

قد تكون هذه هي الوسيلة الوحيدة له ليتخلص من المشاعر السلبية التي تحيط بعقله.

أعراض إنكار المرض النفسي

يتصرف المريض أثناء مرحلة الإنكار على النحو التالي:

  • لا يعترف بوجود الصعوبات أو المرض النفسي.
  • يحاول الهروب من مواجهة مشاكله.
  • لا يفكر في الآثار المترتبة على المشكلة.
إنكار أعراض المرض النفسي

متى يكون إنكار المرض النفسي فعالًا؟

عند التعرض للصدمة، يشعر الفرد وكأنما جسده وعقله يتفكك. في هذه الحالة، يمكن لإنكار المرض النفسي  أن يساعد المريض.

فالإنكار -في هذه المرحلة- يساعد العقل على امتصاص الصدمات.

فمثلا، عندما يتعرض شخص ما لصدمة فقدان الوظيفة التي كان ينتظرها طوال حياته، يحاول إنكار أنه فقد الوظيفة وأنها لا تزال موجودة.

بعد فترة من الوقت، سيدرك أنه قد فقد وظيفته بالفعل، وأن عليه البحث عن أخرى.

وكأن العقل يخبرنا أنه لن يستطيع التفكير الآن، وأنه يحتاج لفترة كي يهدأ، ثم سيعاود التفكير مرة أخرى. 

إنكار المرض النفسي ورفض العلاج

يمكن أن يتحول إنكار المرض النفسي من أداة نافعة إلى طريق يضر صاحبه.

فعندما يتجاوز أمر الإنكار المراحل الأولى من المرض إلى ما بعدها، يبدأ المريض في تكوين قناعة تنكر وجود المرض من الأساس.

حينها، لن يسعى لاستشارة الطبيب أو البحث عن علاج، وبالتالي يمكن أن تسوء حالته بشكل أكبر لأنه لا يزال عالقًا في حالة “أنا لا أعاني من أي شيء”.

فذاك الشخص الذي فقد وظيفة حياته، إن استمر في إنكار فقدانها، لن يحاول البحث عن وظيفة أخرى، وسيظل حبيس وهم وظيفة الأحلام الضائعة.

مشاهد إنكار المريض النفسي 

هذه بعض مشاهد إنكار المريض النفسي لمرضه، والتي قد تسبب له الضرر:

  • إنكار اضطراب ما بعد الصدمة: شخص يشاهد جريمة قتل لأحد زملائه في العمل، ويحاول إجبار عقله على رفض التأثر بما حدث، لكنه بالفعل قد تأثر.
  • إنكار إدمان الممنوعات: والدان لابن مدمن للممنوعات يرفضان تصديق إصابته بالإدمان، ويستمران في إعطائه المال من أجل شراء الملابس.
  • إنكار إدمان الكحول: أحدهم يتناول الكحول لدرجة تجعله يذهب دومًا إلى العمل متأخرًا وهو يقول: “لا بأس، طالما أن العمل يتم على أكمل وجه”.
  • إنكار الاكتئاب: فتاة رسبت في الثانوية العامة مرتين على التوالي، فقررت ألا تكمل دراستها قائلة: “التعليم مضيعة للوقت”.
  • إنكار فوبيا الزواج: شاب قد بلغ الخمسين من العمر بلا زواج، ظنًا منه أن الزواج كارثة اجتماعية لِمَا يسببه من مشاكل نفسية للطرفين.
  • إنكار اضطراب الشخصية النرجسية: أحدهم يستمر في التعامل بعجرفة مع الأصدقاء، رغم أن أغلبهم بالفعل قد تركه.

كل هذه مشاهد تدل على خطورة إنكار المرض النفسي وتبعاته الكبيرة إذا لم يسيطر المرء على عقله، ويحاول السعي لاستشارة الطبيب المختص.

نصائح مرحلة إنكار المرض النفسي

  • لا بأس إن مررت بأحداث قوية جعلتك تحاول التأثير على كيانك الداخلي، فقط قل: “لا أستطيع أن أفكر في الأمر الآن، أحتاج أن أنساه وأهدأ قليلًا، ثم أعاود التفكير مرة أخرى”.
  • واجه مخاوفك حتى تتغلب عليها.
  • فكِّر في النتائج السلبية للأمر في حال أنك لم تواجهه الآن.
  • عبِّر عن اكتئابك وحزنك وخوفك بدلًا من حبسهم داخل صدرك.
  • حاول التنفيس عن ألمك مع صديق مقرب.
  • مارس بعض الهوايات المفضلة، مثل الرسم أو الصيد.
  • حدد وقتًا لممارسة التمارين الرياضية، خاصة تمارين اليوجا والتأمل، فهي تساعد على الاسترخاء وتنقية الذهن، وبالتالي تحديد أبعاد المشكلة بشكل سلس.

كيف تتعامل مع مَنْ يعاني من إنكار المرض النفسي؟

أعرف أنه شعور سيء أن ترى أحدهم يتألم ولا يعترف بذاك الألم.

لكن يمكنك أن تساعده على تحديد مشكلته والتعامل معها عن طريق النصائح التالية:

  • تعلَّم كل شيء عن ماهية إنكار المرض النفسي وأسبابه.
  • أخبر صديقك أنك موجود دائمًا لتسمعه.
  • تفَهَّم أنه قد يكون خائفًا من مرضه، لذلك يحاول إنكاره.
  • استمع إلى صديقك بدون أن تنتقده أو تحكم عليه أو تحاول تغيير معتقداته.
  • حاول أن تجعله يرى المشكلة الحقيقية ولا ينكرها بشكل لطيف.
  • لا تحاول إجباره على الذهاب إلى الطبيب النفسي. 
  • أخبره أنك ستكون معه في كل حالاته، سواء وجد علاجًا لمشكلته أَمْ لا.

أجل، قد يكون الإنكار هو آلية الدفاع الأولى لدى المريض النفسي، في محاولة للسيطرة على الأمر، أو نسيان خبرة انفعالية قاسية.

إن إنكار المرض النفسي في حد ذاته ليس مرضًا، لكن الاستمرارية فيه هي المشكلة، والتي قد تؤدي إلى زيادة تفاقم المرض.

لذلك يا فتاتي، إن نصيحتي لكِ هي أن تساعدي والدكِ على الذهاب إلى الطبيب النفسي، لمواجهة مشكلته والتوقف عن إدمان الكحول.

حتى يعاود النظر إلى صورة والدتك الجميلة على نفس كرسي الأرابيسك، لكن بنفسية أفضل وأكثر أملًا في الحياة.

المصدر
Denial: When it helps, when it hurtsDenial is a Powerful Impediment to TreatmentCaring for a terminally ill person in denial
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق