ترياق الأمراض النفسية

إيذاء الذات (Self Harm) | محاولات فاشلة لتسكين آلامي

أنا سلمى، بدأتُ لتوِّي عامي الخامس عشر، واليوم قررت أن أقص حكايتي؛ محاوِلة بهذا إكمال رحلة التعافي التي بدأتُها منذ عدة أشهر… اليوم أحدثكَ عن قصتي مع إيذاء الذات!

ربما يكون الأمر غريبًا، وهذه هي المرة الأولى التي أقص فيها قصتي على الملأ، فأتمنى لو أستطيع إكمالها للنهاية، وألا تنزعج!

كيف كانت البداية؟

كنت في الثالثة عشر من عمري عندما جربتُ إيذاء نفسي للمرة الأولى، أذكر ذلك اليوم عندما كنتُ عائدةً من المدرسة، وقد رسبت في امتحانات منتصف الفصل الدراسي، وبدأ المعلم بتوبيخي وتهديدي إذا لم يتحسن أدائي فلن يعطيني فرصةً للاستمرار في المدرسة.

كانت أمي غارقةً في أحزانها منذ أن تركنا والدي وأخبرنا أنه لن يعود مجددًا. لم أُحب والدي يومًا، وأذكر كل المرات التي آلَمَ فيها والدتي أو ضربني دون رحمة، في الواقع أنا سعيدةٌ لذهابه.

لكن والدتي، لن أستطيع إخبارها برُسوبي، أنا مصدر ألمها الجديد، أنا عديمة الجدوى ولا أستحق أي خير، أنا لا أقوى على المواجهة!

هذا هو جل ما أشعر به، لا صوت يعلو فوق صوت الغضب والخزي والألم الداخلي، لا قوة أمتلكها لإطلاق سراحهم.

العوامل المساعدة على ظهور سلوك إيذاء الذات

العوامل المساعدة على ظهور سلوك إيذاء الذات

لا تظن أنك أو أي شخص تعرفه ببعيدين عن إيذاء الذات، إذ يمكن أن يمرّ أي أحد بتلك الحالة.
بالطبع هناك عدة عوامل إذا توافرت فإنها قد تزيد الميل إلى سلوك إيذاء الذات، لكنها لا تعني بالضرورة الإصابة به، من هذه العوامل:

ويشيع سلوك إيذاء النفس عند المراهقين بدرجة أكبر؛ إذ تتسم مرحلة المراهقة بالمرور بتغيرات عدّة، فيصعب معها التعبير عن النفس أحيانًا بشكل جيد، ويصعب أيضا فهم الكثير من المشاعر وكيفية التعامل معها.

هل أوذي نفسي حقًا؟

بالعودة لقصة ذلك اليوم الأول، وجدتني أدخل غرفتي -وقد وجدت البيت خاويًا حينها- وظللتُ أرطم رأسي بالحائط حتى كادت تنفلق!


لم أكُن أفكر في أي شيء سوى أنها الطريقة الوحيدة لإسكات أفكاري المطردة، أذكر أنني نمتُ عدة ساعاتٍ بعدها، واستيقظتُ وقد اجتمع صداع العالم كله برأسي… حينها اكتشفتُ أنها لم تكن فكرة سديدة!

توالت أفكار إيذاء النفس المتعددة بعد ذلك، فصرتُ أجرب طريقة تلو الأخرى، أقف في كل مرة أشعر فيها بفقداني السيطرة على الأمر، أو أحيانًا لا أشعر بشيء مطلقًا، فأجرب جرح نفسي بسكين أو مشرط، وبعدها أستجمع قواي.

يمكن لإيذاء النفس (Self Harm) أن يكون بأي من الطرق التالية:

  • إحداث خدوش أو جروح سطحية بالجلد باستخدام آلة حادة كمشرط أو سكين.
  • إحراق الجلد باستخدام قداحة.
  • تعمد ارتطام الرأس أو الجسم في سطح صلب لإفراغ المشاعر وإيقاف الأفكار المتلاحقة.
  • تعمد منع الجروح من الالتئام.
  • تناول مواد سامة أو مُخدِّرة.
  • محاولة إحداث ضرر بسمعك، كرفع مستوى صوت الموسيقى وإحداث ضجيج يؤذي أذنيك.

وغيرها من الطرق التي من الممكن اتباعها للتسبب بالألم الجسدي، فتصرف انتباهك عن الألم النفسي أو الخواء داخلك.

بم أشعر؟

أستطيع تخيُّلَ ملامح الدهشةِ على وجهك، فأنت الآن تتساءل عن ما أجنيه من الإقدام على هذه الأفعال المؤذية للنفس!

دعني أخبرك أولًا أنني لا أهدف إلى الإيذاء بحد ذاته، لكنه الطريقة الوحيدة التي أجدها مناسبة، فهي تجعلني:

  • أشعر بالسيطرة على جسدي؛ فأنا لا أمتلك أي سلطة أو تحكُّم بأي أمر آخر.
  • أواجه لحظات الحزن والفشل والإحباط، فتلك هي أسهل وسيلة أعرفها.
  • أحاول الشعور بأي شيء -وإن كان الألم-، فأغلب ما أشعر به هو الخواء الداخلي، وكأنني ابتلعت ثقبًا أسودَ -أو ابتلعني-.
  • أعاقب نفسي دائما، فأنا لا أستحق إلا العقاب، ومشاعر الذنب تلاحقني.

ما أحاولُ قولَهُ هو أنني لا أهدِفُ إلى جذبِ انتباهِ مَن حَولي، بل أحاولُ التخفيَ والهربَ دائمًا، فلا أجد راحة في ظهوري بين الناس، ولا في سؤالهم المتكرر عن الآثار الظاهرة في جسمي.

كيف يمكنك اكتشاف الأمر؟

إذا أصابتك الريبة حيالَ شخصٍ تعرفه، وذهبت بك الظنون إلى أنه قد يكون ممن يعانون هذا الأمر، فإليكَ بعض الإشارات التي قد تنتبه بها إلى أن هذا الشخص ربما يعاني إيذاء الذات:

  • وجود جروح وعلامات غير مبررة في الجسم، كآثار جروح في الذراع أو الرسغ أو الساق.
  • حمل أدوات حادة كسكين أو مشرط أو إبَر أغلب الوقت.
  • الرغبة في الانعزال وتمضية الوقت وحيدًا، وطلب الحصول على بعض الخصوصية.
  • ارتداء ملابس تغطي الذراعين والقدمين -وإن كانت غير مناسبة للطقس-.
  • ادعاء الاصطدام أو وقوع حوادث بكثرة، لتبرير العلامات على الجسد والهرب من التساؤلات.
  • الانسحاب والتوتر، فالألم الداخلي يتبعه شعور بالخزي لما تفعل، وفقدان السيطرة على الأمر.

لحظة المواجهة

أتعرف ما الذي يخيف أكثر؟ كيفية اكتشاف الحقيقة ممن حولي، خاصة الأهل؛ فهم الأكثر عرضة للصدمة بوقع هذا الخبر عليهم، وتبدأ في هذه اللحظة التساؤلات والتحقيقات التي لا أستطيع منها فرارًا:

“لماذا تحاول قتلَ نفسك؟ هل تريد الانتحار؟ هل قصرتُ في حقِّك؟ ماذا تجني من هذا الأمر؟ هل تفكر بإيذاء من حولك؟” الكثير والكثير من التساؤلات التي لا تنتهي، لكن صدقني إن قلت لكَ أن أكثرها صعوبة بالنسبة لي هو عندما يطلبون منك أن تعدهم بالتوقف عن الأمر وألا تعود إلى تجربته مجددًا!

حينها تتمنى لو أن بإمكانك الصراخ وإخبارهم أنك لا تستطيع بهذه البساطة!

يخبرونك بهذا وكأنك لم تحاول التوقف من قبل!

وأصعب ما في إيذاء الذات هو أنه سلوك قهري، تجد نفسك مندفعًا إليه رغمًا عنك، دائرة مغلقة من المشاعر المضطربة، تدفعك إلى سلوك إيذاء الذات، فتنتبه إلى الألم الجسدي وتهدأ مشاعرك، ثم تدرك نتيجة ما فعلته وتشعر بالخزي من نفسك، وهكذا دواليك!

عن رحلة التعافي والعلاج

لحسن حظي أن والدتي لم تزد الأمر صعوبة عليَّ، فعلى عكس ما توقعت وجدتها تسمعني بهدوء، ثم طمأنتني كثيرًا وأخبرتني أنني غالية، وأن جسدي يستحق التقدير والاحترام، وأننا يمكننا أن نتغلب على الأمر سويًّا، وهكذا بدأتُ رحلتي في التعافي من إيذاء الذات منذ ثلاثة أشهر.

لجأنا إلى طبيب نفسي، وأخبرَنا أن الأمر يمكنُ التغلب عليه لكنه يحتاج إلى إصرار وصبر بالغَين، فعلاجه يستغرق مدة ليست بالقصيرة، وما يهم هو أن نبدأ، ثم أوضح لنا طرق العلاج، وأنه يشمل:

العلاج المعرفي السلوكي

العلاج المعرفي السلوكي

نعمل في هذه الجلسات مع المعالج النفسي على تحليل أفكارنا التي تدفعنا إلى القيام بسلوكيات معينة، وتَتبُّع نمط هذه الأفكار، ومحاولة التغلب عليها بطرق مختلفة.

وأخبرني أنني يمكنني أن أجرب طرقَا أخرى للتعبير عن مشاعري في تلك اللحظات التي أشعر فيها بالرغبة في إيذاء نفسي، كأن أتحدث إلى شخص ما عن تلك المشاعر، فالتحدث عنها يكسر دائرتها المفرغة، ويقلل من حدة تلك المشاعر. 

ويمكنني أيضا اللجوء إلى الركض أو ممارسة أي رياضة، أو إفراغ مشاعري بالرسم، أو حتى يمكنني القبض على مكعبات ثلجٍ ملونة بلونِ طعامٍ أحمر، وأتغلب بهذه الحيلة على الرغبة المُلِحَّة في رؤية الدم إن كنت أعانيها.

العلاج الدوائي

أخبرني طبيبي أنني أعاني الاكتئاب؛ لذا قرر وصف بعض مضادات الاكتئاب التي ستعمل على تحسن تلك الأعراض التي أعانيها. 

ففي وجود اضطرابات مصاحبة لسلوك إيذاء الذات -أو ربما تكون متسببةً فيه- يتم علاج تلك الحالة بالأدوية،
لكن لا توجد أدوية خاصة بعلاج إيذاء الذات وحده.

وهكذا تستمر رحلتي في التعافي من هذا السلوك، وقد عانيت كثيرًا -وما زلت أعاني!

لكنني صِرتُ أرى أن جسدي يستحق الاحترام والتقدير كما أخبرتني أمي، وصرت أحاول أن أحب نفسي، وأتعلم طرقًا جديدة لمعالجة مشاعري، فلتدعُ لي، وتمنَّ لي السلام!

المصدر
The truth about self-harmCutting and Self-HarmSelf-injury/cuttingSelf-harm.ALTERNATIVES TO SELF-HARM
اظهر المزيد

د. آلاء عمر

آلاء عمر، صيدلانية، أم، وكاتبة محتوى طبي، أهدف إلى إيصال المعلومة الطبية للقارئ بسهولة وزيادة الوعي الطبي لدى الناس. مهتمة بمجال الصحة النفسية وما يخص الطفل والمرأة طبياً. مؤمنة بقدرة الإنسان على اكتساب الوعي والتغيير الإيجابي للإرتقاء بمستوى حياته للأفضل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق