ترياق الحياة الصحية
أخر الأخبار

فن اتخاذ القرار | هل تعرف كيف تختار؟

اتخاذ القرار

“لو أني أعرفُ أن البحرَ عميقٌ جدًا.. ما أبحرت! لو أني أعرف خاتمتي.. ما كنتُ بدأت!” — رسالة من تحت الماء، نزار القباني.

هل سبق وندمت بشدة على قرار اتخذته في عجلة من أمرك؟ 

لو أعطيتك آلة زمن، وقدرة لا نهائية على السفر إما للمستقبل لترى عواقب قراراتك، أو للماضي لتمحي أثر قرارات أخرى، فكم قرارًا ستتراجع عنه؟ وكيف سيتغير شكل حياتك حينها؟ 

ماذا لو أخبرتك أنك لست بحاجة لآلة زمن، وأن الأمر مرهون فقط بقدرتك على اتخاذ القرار الصحيح؟ هل تعلم أن اتخاذ القرار مهارة يمكن اكتسابها وتنميتها؟ 

في هذا المقال، نسير معًا في متاهة من الخيارات والأفكار، بحثًا عن آليات اتخاذ القرار، وطرق التفكير السليم، فاستعد!

أهمية مهارة اتخاذ القرار

لا تخلو حياتك اليومية من القرارات، بدءًا من أبسطها مرورًا بأكثرها تعقيدًا. فربما بدأت يومك بسؤال بسيط مثل “هل أشرب شايًا أم قهوة؟” ثم جلست تفكر بعمق “هل علي أن أقدم استقالتي من العمل اليوم؟”

وكي تجيب على تلك الأسئلة، ستفكر بإحدى طريقتين:

  • إما أن تعتمد على حدسك: فتتخذ قرارات سريعة بناء على تجاربك وخبراتك السابقة.
  • أو أن تستخدم التفكير التحليلي: فتبحث عن المعلومات وتحلل النتائج لتحصل على نتيجة منطقية للقرارات المعقدة.

ولأن مصيرك يتوقف غالبًا على اتخاذ مجموعة من القرارات الناجحة، فأنت بحاجة لمعرفة المواقف التي تستخدم فيها كل طريقة؛ لتصل إلى النتائج المرجوة.

آليات اتخاذ القرار في الحالات الواضحة

كيفية اتخاذ القرار

نموذج الميزة الواحدة

لنفترض مثلًا أنك تريد ركوب وسيلة مواصلات ما للذهاب إلى عملك، ولديك الاختيارات التالية: سيارة أجرة أو حافلة عامة

إذا قررت ركوب الحافلة لأنها الأقل تكلفة، وتجاهلت المميزات الموجودة في سيارة الأجرة -مثل الراحة- فقد بنيت قرارك على ميزة واحدة: السعر. 

ويستخدم هذا النموذج في القرارات البسيطة التي لا تحتاج لتفكير عميق، ولكنه لن يغيثك في القرارات المعقدة.

نموذج الميزة المضافة

يتغير موقفك في هذا النموذج قليلًا؛ فهذه المرة ستأخذ جميع المتغيرات والمميزات المهمة في الاعتبار. 

مثال: إذا أردت شراء منزل جديد، وخُيِّرت بين احتمالين: منزل قليل التكلفة ولكنه يبعد عن مكان عملك بساعتين، ومنزل باهظ الثمن ولكن يفصله عن عملك خمس دقائق فقط. فأي الاحتمالين ترجح؟

سيتوقف القرار النهائي على تفضيلاتك الشخصية وأولوياتك. 

يمكنك كتابة المتغيرات في صورة مميزات وعيوب، أو أن تمنح نقاطًا افتراضية لكل ميزة، ثم تختار في النهاية المنزل صاحب النقاط الأعلى. 

نموذج الاستبعاد

لديك هنا قائمة من الاختيارات، وعليك تقييم كل اختيار على حدة، ثم تستبعد ما لا يتوافق مع معاييرك أو أهدافك، حتى يتبقى لديك اختيار واحد مناسب.

مثال: لو قررت شراء سيارة جديدة، فأي نوع ستختار؟

عليك أولًا أن تقرر أهم معاييرك -الأمان مثلًا- فتحدد قائمة بأكثر عشر سيارات أمانًا. ثم تنتقل للمعيار التالي -السعر مثلًا- فتبدأ باستبعاد السيارات التي لا تتوافق مع رغباتك، فيتبقى لديك خمسة أنواع فقط، وهكذا. 

تستمر هذه العملية حتى تصل للاختيار الأنسب حسب حاجتك.

آليات اتخاذ القرار في حالة عدم التأكد

تشرح هذه النظريات آليات تفكيرنا في المواقف المتشعبة التي لا يمكننا التأكد من تبعاتها بشكل مباشر.

نظرية الاحتمال (أو كره الخسارة)

يرى العالمان النفسيان دانيال كانمان وعاموس تفيرسكي أن قراراتنا المتعلقة بالمكسب والخسارة قد تختلف باختلاف الطريقة التي تعرض بها المشكلة. 

مثال: كيف تشعر تجاه المشهدين التاليين:

  • المشهد الأول: ربحت 50 دولارًا.
  • المشهد الثاني: ربحت 100 دولار ثم سرق منك 50 دولار.

ربما تشعر بالفرح في الموقف الأول، والحزن في الموقف الثاني، رغم أنك حصلت في النهاية على نفس المبلغ، أي 50 دولار. ولكن تقديرنا للخسارة يفوق إحساسنا بالمنفعة، لذا فإننا نميل لاختيار القرارات التي تجنبنا الإحساس بالخسارة. 

الإرشادات 

هي طرق مختصرة يسلكها عقلك بناء على خبراتك السابقة ومعلوماتك المتراكمة. وتساعدك الإرشادات في المواقف التي تحتاج لقرارات سريعة دون الحاجة لوجود معلومات إضافية.

  1. التوافر الإرشادي

أن تتصور حدوث شيء فقط لأنك اعتدت رؤيته أو سمعت عنه كثيرًا. 

مثال: قد تعتقد أن العالم حاليًا أكثر وحشية من الماضي لكثرة مشاهد الحروب في نشرات الأخبار، والحقيقة غير ذلك.

  1. الإرشاد التمثيلي 

أن تحتفظ بصورة نمطية عن شيء ما، وتؤثر هذه الصورة على تقديرك للمواقف الجديدة.

مثال: إن أخبرتك أن أحمد يقضى وقته في لعب الألعاب الإلكترونية، ولا يحب المذاكرة، وسألتك بأي كلية التحق أحمد؟

  • كلية عملية مثل الطب أو الهندسة
  • كلية نظرية أو معهد خاص

سيفترض البعض التحاقه بكلية نظرية؛ لأنهم يحتفظون بصورة نمطية مسبقة عن خريجي تلك الكليات، ويعتقدون أنها تطلب قدرًا أقل من المذاكرة.

لم نتخذ قرارات خاطئة؟

قرارات خاطئة

لأننا نقع فريسة للكثير من التحيزات الفكرية؛ فنظن أن أفكارنا منطقية من واقع خبراتنا السابقة. وإليك بعض أمثلة التحيزات الفكرية الشائعة. 

الإرشادات

رغم أنها ضرورية لاتخاذ القرارات السريعة، إلا أنها قد تدفعك لإصدار أحكام وقرارات خاطئة إذا استخدمت في موقف يتطلب تحليلًا دقيقًا.

الثقة العمياء

يبالغ الكثيرون في تقدير قدراتهم ومقدار علمهم؛ فيظنون أن معلوماتهم كافية لاتخاذ قرار في حين أنها قد تكون خاطئة تمامًا ولا تستند إلى دليل قوي.

الانحياز التأكيدي

هو أن تبحث عن المعلومات التي تدعم رأيك المسبق فحسب، وتتجاهل الآراء الأخرى مهما بلغت قوة الأدلة التي تدعمها.

ما خطوات اتخاذ القرار السليم؟

1- حدد المشكلة

تعد تلك خطوة محورية في عملية اتخاذ القرار؛ إذ يتوقف عليها المسارات التي تسلكها، ونوعية المعلومات التي تحتاجها لتصل إلى قرار سليم. 

عبر عن المشكلة أو الفرصة التي تفكر فيها بجمل مختصرة تمس صلب الموضوع؛ فكلما كانت أفكارك واضحة، كلما زادت فرصتك في تحقيق رغبتك.

مثال: لم أود تبني حيوان أليف؟

  • لأني أعيش بمفردي وأحتاج لرفيق.
  • لأني أؤمن بأهمية إنقاذ حيوان مشرد.

2- اجمع المعلومات 

في ضوء الخطوة السابقة، ستبحث عن كافة المعلومات والبيانات التي توضح لك كيفية إتمام مهمتك. وقد تتضمن تلك المعلومات حلولًا مقترحة لمشكلتك. 

حدد الاختيارات المتاحة وقيم مميزات وعيوب كل اختيار. 

ويمكنك الاستعانة بالمصادر المختلفة للمعلومات، فإما أن تبحث عن المصادر المقروءة، أو تستعين بخبرات متخصص، أو صديق سبق له التعامل مع موقف مشابه. 

مثال: ما المعلومات التي تحتاجها لتبنّي حيوان أليف؟

  • من أين سأحصل على حيوان مشرد؟ 
  • أي نوع من الحيوانات أريد؛ هل أريد خصائص معينة كصغر الحجم؟
  • ما الجمعيات/المنظمات المتخصصة في إنقاذ الحيوانات؟
  • كيفية تربية هذا الحيوان: ما احتياجاته، وتكلفة تربيته؟
  • أين أقرب عيادة طبيب بيطري؟

3- حدد البدائل

الاستشارة في اتخاذ القرار

يمكنك أن تتصور الخيارات الممكنة، والمسارات المختلفة التي قد تحقق هدفك، بناء على المعلومات التي جمعتها في الخطوة السابقة.

مثال: ما الاختيارات الممكنة؟

  • تبني كلب من الجمعية (س) التي تمتلك مركزًا لبيع احتياجات الكلب بسعر مخفض.
  • تبني قطة معروضة على إحدى مجموعات التواصل الاجتماعي، وهي مدربة على العيش في المنزل، ولا تحتاج لتطعيم. 

4- قيم البدائل

ستعتمد في هذه الخطوة على تفضيلاتك الشخصية. 

قيم كل اختيار وتخيل تأثيره على حياتك. ثم رتب تلك الاختيارات حسب الأهمية حتى تتوصل لقرار يشعرك بالرضا.

إذا شعرت بعدم قدرتك على اتخاذ القرار، فقد تحتاج إلى إعادة تحديد المشكلة أو البحث عن معلومات إضافية.

مثال: كيف تقارن الاختيارات السابقة؟

  • أنا أفضل الكلاب عن القطط لأنها أكثر وفاء.
  • تربية الكلاب أصعب لأنها تحتاج إلى مساحة أكبر وتدريب أكثر.
  • أثق في الجمعية أكثر من مقابلة شخص مجهول لتبني القطة.

5- اختر ما يناسبك

حصلت في الخطوة السابقة على قائمة بالاختيارات ومعها تفضيلاتك ورأيك في مزايا وعيوب كل اختيار، لذا يمكنك في هذه الخطوة أن تتخير قرارًا من تلك القائمة. 

إذا شعرت بالحيرة، يفضل أن تتخذ قرارًا يسهل التراجع عنه. أما إذا كان الموقف يحتم تنفيذ قرار نهائي فخذ وقتك في الاختيار.

مثال: أي الاحتمالات ستختار؟

  • ربما أتبنى الكلب من الجمعية؛ لأن بإمكاني إعادة الكلب إذا لم أتمكن من التعامل معه.

6- نفذ القرار

أنت الآن تعرف كيفية الحصول على ما تريد، ولا يبقى سوى التنفيذ.

مثال: كيف تنفذ قرار تبني كلب؟

  • سأتصل بالجمعية، واشتري طعامًا وألعابًا.
  • سأجهز غرفة قليلة الأثاث لتدريب الكلب.

7- راجع قرارك وقيم تبعاته

بعد فترة كافية من الوقت، انظر إلى قرارك واسأل نفسك “هل وصلت لما أردته؟” أو “هل أشعر بالرضا عما أنا فيه الآن؟” 

سيساعدك ذلك على ترتيب أفكارك؛ فإن لم تصل لهدفك بعد ستعاود البحث من جديد عن اختيارات وبدائل أخرى.

كيف تحسن قدرتك على اتخاذ القرار؟

كيف تحسن قدرتك على اتخاذ القرار؟

تجنب اتخاذ القرار عند الانفعال

قد تدفعك انفعالاتك لاتخاذ قرارات مندفعة تندم عليها لاحقًا. 

إذا شعرت بالغضب أو الضيق، وكنت تحت وطأة ضغط عصبي، فمن الأفضل أن تترك اتخاذ القرار قليلًا حتى تتمالك أعصابك. 

امنح نفسك وقتًا للتفكير

يتوقف ذلك على نوع القرارات التي تحتاجها. 

إذا كان الموقف عميقًا وذا أبعاد طويلة المدى، فمن الحكمة ألا تتعجل، وأن تترك لنفسك مساحة كافية للتفكير والتخطيط. 

قيم القرار على المدى البعيد

سيجعلك تخيل تأثير قرارتك على المدى البعيد أكثر حذرًا في اتخاذها. فإن اكتفيت بالنظر تحت قدميك، قد تجد نفسك في موقف لا تحسد عليه. 

مثال: إذا أنفقت راتبك كله أول الشهر في التسوق، ستجد نفسك في مأزق كان من الممكن تجنبه.

انتبه لوجود التحيزات الفكرية

حينما تدرك أنك تدور في متاهة التحيزات الفكرية، ستتمكن من البحث عن المعلومات بشكل محايد، مما يؤثر بالإيجاب على اتخاذ القرارات.

ضع خطة للطوارئ

خذ في اعتبارك جميع الاحتمالات عندما تضع خطتك. وحاول تصور المشاكل التي قد تعطلك عن الوصول لهدفك، وفكر في كيفية التعامل معها. 

ستصبح حينها أقل توترًا وأكثر قدرة على التصرف مع العقبات.

استشر أهل الخبرة

إذا كان القرار معقدًا، أو يؤثر على أكثر من شخص، فيفضل أن تستشير أحدًا تثق في حكمه. 

تعجز عقولنا أحيانًا عن رؤية أبعاد الموقف كاملة، إما لنقص الخبرة أو التوتر. لذا فإن تلقي المساعدة من الآخرين قد يسهل الأمر.

افصل عقلك قبل القرار

عندما تتزاحم الأفكار في رأسك وتجد نفسك أسيرًا للقلق، توقف عن التفكير قليلًا لتهدأ. 

افصل نفسك عن الموقف، وخذ وقتًا لتسترخي قليلًا قبل اتخاذ القرار.

يمكنك الجلوس مع عائلتك، أو ممارسة بعض الرياضة، أو شغل تفكيرك بنشاط خفيف؛ كي تصفي ذهنك وتنظر للأمور بطريقة مختلفة.

وأخيرًا، يا صديقي الحائر، لا تبتئس إن اتخذت يومًا قرارًا خاطئًا؛ فمن تلك الأخطاء نتعلم كيف نرسم دربًا أفضل في المرات القادمة.

المصدر
The psychology of decision making strategiesThe mechanics of choiceProblems in decision making
اظهر المزيد

د. لميس ضياء

صيدلانية إكلينيكية، قضيت شطرًا من عمري بحثًا عن العلم، وأنوي قضاء الشطر الآخر في تبسيط ما تعلمته وتقديمه بلغة سهلة مستساغة للجميع. تستهويني النفس البشرية وأسعى دومًا لسبر أغوارها، وفك طلاسمها، وفهم ما قد يؤرقها من اضطرابات واعتلالات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق