اختبارات

اختبار رورشاخ | ماذا تخبرك بُقَع الحبر عن نفسك؟!

ذات مرة، بينما كنت أتصفح حسابي على موقع الفيسبوك، قابلني منشور به صورة تحتوي على مجموعة من الظلال، والتي لو دققت النظر إليها لرأيت أشكالًا لأشياء مختلفة. 

يقول كاتب المنشور أنه يمكنه أن يخبرك الكثير عن شخصيتك وتفكيرك، إذا أخبرته في التعليقات عن الشكل الذي رأيته أولًا في هذه الظلال. 

أخبرت صديقتي التي تجلس بجانبي أنني لا أقتنع بمثل هذه المنشورات، وأشعر وكأنها نوع من الدجل. 

ضحكت صديقتي وقالت لي: “لكن هل تعلمين أن هناك اختبارات نفسية فعلًا تقترب فكرتها من فكرة هذا المنشور؟ اختبار رورشاخ مثلًا واحد من تلك الاختبارات”. 

في الحقيقة، كانت تلك أول مرة أسمع عن هذا الاختبار، فقررت أن أقرأ المزيد عنه. 

تابعونا في هذا المقال، لنعرف معًا المزيد عن اختبار رورشاخ، وتاريخه، وكيفية استخدامه، ومدى دقة نتائجه.

ما اختبار رورشاخ؟

اختبار رورشاخ النفسي (أو اختبار رورشاخ لبقع الحبر) هو نوع من الاختبارات النفسية الإسقاطية، التي تُستخدَم غالبًا لتحديد الأنماط والخصائص الشخصية للفرد، وكذلك أدائه الانفعالي والعاطفي. 

في هذا الاختبار، تُعرَض على الشخص عشر بطاقات، تحتوي كل منها على بقع حبر بعضها سوداء وبعضها رمادية أو بيضاء أو ملونة، وعلى الشخص أن يصف ماذا يرى في هذه البطاقات. 

ابتُكِر هذا الاختبار بواسطة الطبيب النفسي السويسري “هيرمان رورشاخ” عام 1921.  

بلغت اختبارات رورشاخ الإسقاطية ذروة شهرتها في الستينيات، بعد أن ازداد استخدامها في تحديد الأنماط الشخصية، وتقييم مستوى الإدراك، وتشخيص بعض الأمراض النفسية. 

تود الحصول على المزيد من المقالات المجانية على ترياقي؟ اشترك الآن ليصلك كل جديد!

تاريخ اختبار رورشاخ النفسي

يا تُري ما الذي ألهم (رورشاخ) لابتكار هذا الاختبار؟ منذ أن كان طفلًا، أبدى (رورشاخ) اهتمامًا كبيرًا بفن صناعة الصور من الحبر.

وبعد ذلك، أظهر اهتمامًا مشتركًا بالفن والتحليل الشخصي، حتى أنه نشر عدة أوراق بحثية يحلل فيها الأعمال الفنية للمرضى النفسيين، إذ اعتقد أنه من الممكن استخدام ما ينتجونه من فنون لمعرفة المزيد عن شخصياتهم. 

درس (رورشاخ) كذلك رمزية الأحلام عند (فرويد). لذا، يمكننا القول أن اهتمامات فترة طفولته -بجانب دراسته الأكاديمية- لعبت دورًا في إلهامه ابتكار هذا الاختبار. 

طبَّق “رورشاخ” اختباره على أكثر من أربعمائة شخص، منهم ثلاثمائة مريض نفسي، وقد نشر منهجه هذا في كتاب نُشِر قبل عام واحد من وفاته. 

احتوى الكتاب على عشر بقع حبر، قال عنها رورشاخ أنها ذات قيمة تشخيصية عالية، وقد احتوى كذلك على نهجه في ترجمة وتفسير إجابات الأشخاص الذين يجرون الاختبار.

جدير بالذكر، أن تشخيص مرض الفصام كان الهدف الأصلي من ابتكار هذا الاختبار. 

بعد صدور الكتاب بفترة، أصبح اختبار رورشاخ أحد أكثر الاختبارات شيوعًا في مجال علم النفس، على الرغم من أنه لم يلقَ نجاحًا واسعًا في بداية ظهوره.

كيف يعمل اختبار رورشاخ لبقع الحبر؟ 

كيف يعمل اختبار رورشاخ لبقع الحبر؟
  • يتكون الاختبار من عشر بقع حبر تُعرَض في بطاقات منفصلة، بعضها بيضاء أو سوداء أو رمادية، وبعضها ملونة. 
  • تُعرَض البطاقات على الشخص الذي يخضع للاختبار واحدة تلو الأخرى. 
  • يُطلَب من الشخص أن يصف الشكل الذي يعتقد أن بقعة الحبر تمثله. 
  • يمكن للشخص أن يحمل البطاقة من أي اتجاه يفضله، حتى وإن كانت مقلوبة أو من الجنب. 
  • يخبر الشخص المتخصص النفسي بما يراه في البطاقات، ربما يرى شكلًا واحدًا أو عدة أشكال، وقد لا يرى أي شكل على الإطلاق. 
  • لن يكتفي المتخصص النفسي بالإجابة التي يعطيها له الشخص، بل سيطرح -غالبًا- عدة أسئلة إضافية لتشجيع الشخص على شرح انطباعه عن الأشكال التي رآها بمزيد من التفصيل. 
  • بعد ذلك، سيحلل المتخصص النفسي الإجابات التي حصل عليها من الشخص. 

تذكَّر -قبل كل شيء- أن هذا الاختبار يجب أن يجريه متخصص نفسي، لأنه الوحيد المدرَّب على ترجمة الإجابات وتحليلها بشكل صحيح.

تحليل اختبار رورشـاخ 

قبل أن نشرح كيفية تحليل نتائج اختبار رورشاخ، دعونا نعرف ما الأشياء التي ينظر إليها المتخصص النفسي بعين الاعتبار في أثناء إجراء الاختبار. 

بالطبع، وصف الشخص للشكل الذي يعتقد أن بقعة الحبر تمثله هو العامل الأهم في هذا الاختبار، لكن هناك بعض العوامل المهمة الأخرى التي يجب أن تؤخَذ في الاعتبار، مثل:

  • الوقت الذي استغرقه الشخص قبل أن يجيب؛ فإذا استغرق الشخص وقتًا طويلًا قبل أن يصف ما يراه في البطاقة،
    فربما يدل ذلك على أنه قد صُدِم بشيء ما رآه. 
  • التعليقات الإضافية أو غير ذات الصلة التي يقولها الشخص في أثناء الاختبار؛ يسجل المتخصص النفسي أي تعليق إضافي قد يقوله الشخص، ويستخدمه في تحليل شخصيته.
  • مدى شيوع الإجابة التي يعطيها الشخص؛ فبعض الإجابات شائعة للغاية، فإذا أعطى الشخص إجابات غريبة،
    فربما يدل ذلك على اضطراب في أنماط التفكير لديه. 

تحليل اختبار رورشاخ

تحتوي البطاقة الأولى على صورة متناسقة بالأبيض والأسود، غالبًا ما يصفها الأشخاص بكونها تمثل خفاشًا أو فراشة. 

بشكل عام، تعَدُّ رؤية أشكال بشرية أو حيوانية من الإجابات الشائعة جدًا على البطاقات العشر. لذلك إذا أعطى الشخص إجابات بعيدة عن ذلك أو غير منطقية، فقد يدل ذلك على إصابته باضطراب ما. 

على سبيل المثال

  • غالبًا ما يرى المشاركون في اختبارات رورشاخ الإسقاطية أن البطاقة الثالثة تحتوي على شكل يمثل شخصين،
    يتفاعلان مع بعضهما بطريقة ما.

يعتقد المتخصصون أن طريقة وصف الأشخاص لهذه الصورة تعبر عن علاقاتهم الاجتماعية، وتفاعلهم مع الآخرين. 

  • تحتوي بعض البطاقات على بقع باللون الأحمر، غالبًا ما يراها الأشخاص معبرة عن الدم.

قد يدل وصف المشاركين في الاختبار لهذه البطاقات على طريقة تعاملهم مع التهديدات ومصادر الإيذاء في حياتهم،
وكذلك طريقة تعاملهم مع غضبهم وانفعالاتهم. 

بالطبع، لا يتسع هذا المقال لذكر جميع الدلالات التي من الممكن أن يعطيها اختبار رورشاخ للشخصية، لذا لا بدَّ أن يجريه طبيب متخصص -كما قلنا سابقًا- لأنه الوحيد القادر على استخدامه باحترافية. 

نقد اختبار رورشـاخ 

هل تحليل اختبار رورشاخ للشخصية دقيق؟ في الحقيقة، ورغم شهرة هذا الاختبار، فإنه كان -وما زال- محل جدال بين المتخصصين، إذ يشكك بعضهم في قيمته التشخيصية.

أشهر الانتقادات الموجهة إلى اختبار رورشاخ: 

  • انتقد المتخصصون بشدة -في فترة الخمسينيات والستينيات- افتقار الاختبار لوجود إجراءات موحَّدة، أو طريقة معيارية واضحة لتقدير النتائج. 
  • رأى المتخصصون أيضًا أن الاختبار ليس دقيقًا في تشخيص الاضطرابات النفسية، وذلك لأن نتيجة الاختبار تعتمد على تحليل المتخصص لإجابات المريض، مما يعني أنها تتأثر بالعامل البشري. 
  • رغم نجاح الاختبار نسبيًا في تشخيص بعض الاضطرابات النفسية (مثل: الفصام، والاضطراب ثنائي القطب
    فإن الدراسات أثبتت أنه لا يمكن الاعتماد على ردود فعل المرضى تجاه بقع الحبر في تشخيص الكثير
    من الأمراض النفسية الأخرى الشائعة، إذ لم تثبت أي صلة بين أعراض تلك الأمراض وإجابات الأشخاص
    على الاختبار.

من ضمن الأمراض النفسية التي فشل الاختبار في تشخيصها:

في النهاية، يمكننا القول أن اختبار رورشاخ ليس أداة مثالية لتشخيص العديد من الاضطرابات النفسية،
وقد توقف معظم الأطباء النفسيين الآن عن استخدامه، وعدُّوه جزءًا من الماضي. 

بالرغم من ذلك، فقد أشارت بعض الأبحاث إلى أن نجاحه في رصد بعض اضطرابات التفكير لم يكن بمحض الصدفة، وأنه ما زال من الممكن استخدامه لهذا الغرض.  

المصدر
Rorschach Inkblot Psychological TestRorschach testHow to Do a Rorschach Test
اظهر المزيد

د. سارة شبل

سارة شبل، طبيبة أسنان وكاتبة محتوى طبي، شغوفة بالبحث والكتابة منذ الصغر، أسعى إلى تبسيط العلوم الطبية وأتوق إلى إثراء المحتوى العلمي العربي، لكي يتمكن يومًا ما من منافسة نظيره الأجنبي بقوة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى