اختبارات

اختبار ملغرام – عندما تغلب طاعة السلطة ضميرك!

إذا أمرك أحد المسؤولين بإعطاء صدمة كهربائية بجهد 400 فولت إلى شخص آخر، فهل ستنفذ الأوامر؟ 

حتمًا ستجيب بـ “لا”. 

لا أدري هل ستكون إجابتك كذلك بعد قراءتك لهذا المقال؟!

في كتابه “قرية ظالمة“، يعرض الدكتور “محمد كامل حسين” إحدى وجهات النظر المدافعة عن الشر الجماعي:

“إن الجريمة مهما تكن مبينة، يسهل وقوعها إذا وزعت توزيعًا يجعل نصيب الفرد من ذنبها أصغر من أن يضطرب لها ضميره، وإن أكبر الجرائم إذا وزعت على عدد من الناس أصبح من المستحيل أن يعاقب أحد من مرتكبيها”.

في هذا المقال، نستعرض أحد أكثر تجارب علم النفس صدمة في التاريخ: “اختبار ملغرام“، الذي كشف وجهاً قبيحاً للجنس البشري، ظل في مرقده لأزمنة سحيقة.

ما هو اختبار ملغرام؟

هو سلسلة من التجارب في علم النفس الاجتماعي، أجريت لقياس مدى استعداد الأشخاص لطاعة الأوامر التي تكلفهم بتنفيذ أفعال تتنافى مع الضمير، ومدى التأثير على الأشخاص للتصرف بشكل غير أخلاقي وضد رغباتهم.

اقترح عالم النفس الأمريكي “ستانلي ميلغرام” فكرة هذه التجارب التي أجريت في جامعة “ييل” وجامعة “هارفارد” في الفترة ما بين عامي 1961 و 1963.

ويعد اختبار ملغرام أحد أشهر دراسات “الطاعة” في علم النفس التي تدرس الصراع بين طاعة السلطة والضمير الشخصي.

ما الدافع وراء تصميم اختبار ملغرام Milgram Experiment؟

انتهت الحرب العالمية الثانية بانتصار الحلفاء ودحر النازية.

أدت الحرب إلى مقتل نحو خمسين مليون شخص معظمهم من المدنيين الأبرياء.

تلت الحرب سلسلة من المحاكمات لمجرمي الحرب الذين ادعوا أنهم كانوا يتبعون الأوامر فقط ولا يجب اللوم عليهم.

بدأ ميلجرام تجاربه عام 1961، بعد وقت قصير من بدء محاكمة الكولونيل “أدولف آيخمان” بتهمة ارتكاب جرائم ضد الانسانية. 

وطوال المحاكمة حاول “آيخمان” الدفاع عن نفسه متذرعًا أنه لم يكن مسؤولًا عن الجرائم التي ارتكبها في الحرب، إنما كان يقوم بواجبه، لكن كل تلك الذرائع لم تشفع له وصدر حكم بإعدامه.

في كتابه “الطاعة للسلطة” عام 1974، طرح “ميلغرام” هذين السؤالين:

“هل يمكن أن يكون أيخمان وشركائه المتسببين في المحرقة يتبعون الأوامر فقط؟”

 “هل يمكننا أن نطلق عليهم جميعًا شركاء في الجريمة؟”

ما الهدف من “اختبار ملغرام”؟

استحوذت قصة “آيخمان” على اهتمام “ميلغرام” الذي أراد أن يعرف:

  • كيف يمكن بسهولة تحريض الناس على ارتكاب جرائم بموجب أوامر تصدر إليهم؟ 
  • إلى أي مدى يمكن أن يذهب الناس في طاعتهم للأوامر إذا كان ذلك ينطوي على إيذاء شخص آخر؟

أراد “ميلغرام” معرفة إلى أي مدى سيطيع الناس أوامر ذوي السلطة بغض النظر عن العواقب.

وفي “نيويورك تايمز”، كتب الفيلسوف الأسترالي “بيتر سنجر“:

“لقد جعلتنا تجارب ميلغرام حول الطاعة أكثر وعيًا بمخاطر قبول السلطة دون انتقاد“.

إجراءات اختبار ملغرام Milgram Experiment

إجراءات اختبار ملغرام

المشاركون في اختبار ملغرام

المتطوع: يؤدي دور المعلم.

الممثل: يؤدي دور المتعلم.

المشرف: الذي يلح على المتطوع بالاستمرار في التجربة.

شرح التجربة

في بداية التجربة، يقدم المتطوع  إلى مشارك آخر (الذي هو في الحقيقة ممثل).

يجري كلاهما القرعة لتحديد أدوارهم -المتعلم أو المعلم-، إلا أنه في الحقيقة كلتا ورقتي القرعة -التي سيختار المتطوع أيًّا منها- مكتوب فيها كلمة “المعلم”.

استخدمت في الاختبار غرفتان، واحدة للمتعلم مع كرسي كهربائي -يربط به- وأخرى للمعلم “المتطوع” مع مولد صدمات كهربائية.

بعد أن يطلع “المتعلم” قائمة أزواج الكلمات المعطاة له، يختبره “المعلم” من خلال تسمية كلمة ما ويطلب من المتعلم استدعاء زوجها من قائمة من أربعة خيارات ممكنة -وضعت كلها خاطئة عمدًا-.

في البداية، يُعرَّض “المعلمُ” لأقل مستوى من الصدمات؛ لتحديد كمية الألم التي سيختبرها “المتعلم”، ثم يُطلب من المعلم إطلاق صدمة كهربائية في كل مرة يرتكب فيها المتعلم خطأ.

كان هناك 30 مفتاحًا على مولد الصدمات، مع مستويات صدمة تبدأ من 30 فولت، وتزداد بمقدار 15 فولت إلى 450 فولت.

كتب على هذه المفاتيح عبارات تتضمن:

  • صدمة خفيفة.
  • صدمة متوسطة.
  • صدمة شديدة.
  • الأسوأ (للمفتاحين الأخيرين).

  مما يزيد من مستوى الصدمة في كل مرة.

أخذ كل متطوع دور “المعلم” الذي كان يوجه صدمه لـ “المتعلم” كلما قدم إجابة غير صحيحة، مما يزيد من مستوى الصدمة في كل مرة بمقدار 15 فولت.

وبينما اعتقد المتطوع أنه كان يوجه صدمات حقيقية لـ “المتعلم”، كان “المتعلم” يتظاهر بألم الصدمة.

ومع تقدم التجربة، يسمع المتطوعُ المتعلمَ يشكو من أزمة قلبية أو يطلب منه الإفراج عنه.

بمجرد وصول المعلم إلى مستوى 300 فولت، سوف يضرب “المتعلم” على الحائط ويطلب إنهاء التجربة في الحال.

بعد هذه النقطة، يصبح المتعلم صامتًا تمامًا ولا يجيب عن أية أسئلة أخرى، فيطلب المشرفُ من المتطوع اعتبار هذا الصمت (إجابة غير صحيحة) ومن ثم إحداث صدمة أخرى!

وعندما يرفض المتطوع إعطاء صدمة، كان على المشرف إعطاؤه سلسلة من الأوامر لضمان استمراره في التجربة، وهي:

  • الرجاء المتابعة.
  • التجربة تتطلب منك المتابعة.
  • من الضروري أن تستمر.
  • ليس لديك خيار سوى الاستمرار.

المشاهدات:

في اختبار ملغرام “Milgram Experiment” كان مقياس الطاعة هو مستوى الصدمة التي كان المتطوع على استعداد لتقديمها.

فإلى أي مدى تعتقد أن معظم المتطوعين كانوا على استعداد لإطلاق الصدمات؟

تبدو الإجابة مذهلة وصادمة بحق، فقد: 

  • استمر جميع المتطوعين إلى صدمات بمقدار 300 فولت.
  • استمر 65٪ من المتطوعين -أي ثلثهم- إلى أعلى مستوى (450 فولت). 

النتائج:

  • انتهى “اختبار ميلغرام” إلى أن طاعة السلطة متأصلة فينا جميعًا، فمن المرجح أن يتبع الأشخاص العاديون الأوامر الصادرة عن السلطة، حتى إلى حد قتل إنسان بريء! 
  • يميل الناس إلى طاعة أوامر من أشخاص آخرين إذا اعترفوا بسلطتهم كحق قائم على القانون، وتعلم هذه الاستجابة للسلطة الشرعية في مجموعة متنوعة من المواقف كالأسرة والمدرسة.

وفي مقالته “مخاطر الطاعة“، لخص “ميلغرام” ما انتهى إليه، قائلاً:

“لقد قمت بإعداد تجربة بسيطة في جامعة ييل؛ لاختبار مدى الألم الذي يمكن أن يلحقه المواطن العادي بشخص آخر لمجرد أنه شيء أمر به عالم تجريبي!

كانت السلطة موجهة ضد أقوى الضرورات الأخلاقية للمشاركين ضد إيذاء الآخرين، ومع صرخات الضحايا، فازت السلطة أخيرًا.

إن الاستعداد الشديد لدى البالغين للذهاب إلى أي مدى بأمر من سلطة يشكل النتيجة الرئيسة للدراسة والواقع الأكثر إلحاحًا للتفسير.”

نقد اختبار ملغرام

تعرض اختبار ملغرام لكثير من النقد وأثار أسئلة أخلاقية ولا يزال كذلك، ونعرض هنا أشهر الآراء المعارضة، وهي:

  1. الاختلاف بين ظروف الاختبار ومواقف الحياة الحقيقية؛ وبالتالي لا يمكن تطبيق نتائج هذه التجربة على الواقع.
  2. قضايا أخلاقية:
  • الخداع؛ إذ اعتقد المشاركون -في الواقع- أنهم كانوا يوجهون صدمة كهربية حقيقية ولم يكونوا على علم بأن المتعلم كان يزيفها.
  • الضرر والإيذاء؛ حيث تعرض المشاركون لحالات نفسية مرهقة للغاية، سببت لهم ضررًا نفسيًّا، وربما طويل المدى.

ومع تكرار الاختبار أكثر من مرة في أكثر من بلد، تظل النتيجة شبه متطابقة ويتخيل في الأذهان تكرار كل شر مع الطاعة العمياء للسلطة والقوة.

نحن دمى! لكننا دمى تملك إدراكًا ووعيًا وضميرًا.

أحيانًا نستطيع رؤية القيود، لكن كيف السبيل إلى فكها؟!

ربما يكون وعينا هو أول خطوة في تحررنا، وضميرنا رادعًا ونذيرًا.

هل تخيلت أن تكون -أنت-“آيخمان” القادم، ولكن لم تحن الفرصة بعد للعب دورك؟!

المصدر
Milgram's Experiments and the Perils of ObedienceThe Milgram Shock ExperimentRethinking One of Psychology's Most Infamous ExperimentsRethinking One of Psychology's Most Infamous Experiments
اظهر المزيد

د. محمود الرزاز

محمود الرزاز، صيدلي اكلينيكي، و أخصائي معلومات طبية، استمتع بالبحث عن الدليل العلمي، ومهتم بوصول المعلومات الطبية الحديثة للقاريء بلغة بسيطة و مفهومة، في ظل فوضى انتشار المعلومات غير الدقيقة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق