ترياق الأمراض النفسية

اختلال الآنية | مرض التبدد والاغتراب

“أرى كأن روحي انفصلت عن جسدي وطافت في ركن الغرفة، كل ما حولي يبدو في غاية الغرابة، الأشياء والأصوات والأشخاص، كأنني أعيش حلمًا أو كابوسًا مزعجًا”.

يبدو هذا مشهدًا سينمائيًا من الطراز الأول؛ لكن هذا بعض ما يشعر به مريض اختلال الآنية. 

إن كانت تلك أول مرة تسمع فيها عن هذا المرض، وتدور في رأسك الكثير من الأسئلة، مثل:

  • ما هو اختلال الآنية؟ 
  • ما هي أعراضه وأسبابه؟

فتابع هذا المقال.

ما هو اختلال الآنية؟ 

إن اختلال الآنية، أو ما يُعرَف ب”اضطراب تبدد الشخصية والعزلة عن الواقع”، من الأمراض النفسية التي نادرًا ما نسمع عنها. ويُصنَّف هذا الاضطراب كواحد من الاضطرابات الانشقاقية التي يعاني فيها المريض من انفصال الأفكار والذكريات والهوية والأفعال. 

يعاني مريض اختلال الآنية نوبات متكررة وأحيانًا مستمرة من أحد الشعورين الآتيين أو كليهما:

  • تبدد الشخصية: يشعر المريض كأنه انفصل تمامًا عن جسده وكأنما يشاهد نفسه من مكان منفصل.
  • العزلة عن الواقع: يشعر المريض بأن كل ما حوله غير حقيقي على الإطلاق.

تشير الدراسات أن حوالي خمسين بالمئة من البشر يعانون واحدًا من تلك المشاعر مرة واحدة على الأقل خلال حياتهم، إلا أن نسبة الأشخاص الذين يُشخَّصون بهذا المرض قلة قليلة جدًا ولا تتجاوز نسبتهم الاثنين بالمئة. 

أسباب مرض اضطراب الآنية

كشأن معظم الأمراض النفسية، لم يُكشَف إلى الآن سبب وحيد يؤدي إلى ظهور هذا النوع من الاضطراب، لكن يُعتقَد أن هناك رابطًا قويًا بين المرور بضغط شديد أو صدمة عصبية، وبين ظهور اختلال الآنية خاصةً في مرحلة الطفولة.

يفسر العلماء ذلك بأنها إحدى الطرق الدفاعية التي يبتكرها العقل لرفض الحدث المؤدي لظهور الصدمة والانفصال عنه.

ومن أشهر أنواع الصدمات النفسية المسببة للمرض:

  1. التعرض لانتهاك جسدي، مثل حوادث الاغتصاب.
  2. اختبار أي نوع من أنواع العنف الأسري.
  3. الموت المفاجئ لشخص قريب.
  4. معاناة أحد الوالدين من مرض نفسي خطير.

لمزيد من المعلومات عن اضطراب ما بعد الصدمة، إليك هذا المقال: اضطراب ما بعد الصدمة.. ألا يا قلب اتئد!

توجد أيضًا عدة أسباب أخرى محفزة لظهور اختلال الآنية، مثل:

  1. النقص الشديد في عدد ساعات النوم.
  2. الإصابة بالاكتئاب أو القلق الشديد لفترة طويلة من الزمن. 
  3. استخدام بعض الأدوية، مثل:
  • أدوية الهلوسة.
  • الكيتامين.
  • الحشيش.

يمكنك التعرف أكثر على الحشيش وأضراره من خلال هذا المقال: هل الحشيش يسبب الإدمان؟

أعراض مرض اختلال الآنية 

لا يفرق اختلال الآنية بين الجنسين في نسب الإصابة، كما يبدأ ظهوره عادةً خلال فترة المراهقة -تحديدًا في سن السادسة عشر-، ونادرًا ما يعاني منه الأشخاص فوق عمر الأربعين.

وقد ذكرنا -في بداية تعريفنا لمرض اختلال الآنية- أن هناك نوعين من النوبات التي يعاني منها المريض، والتي سنشرحها بالتفصيل في الفقرات التالية. 

نوبات تبدد الشخصية (Depersonalization)

تتميز نوبات تبدد الشخصية بشعور المريض أنه وجسده منفصلان عن بعضهما البعض. فمثلًا يرى مريض اختلال الآنية أنه ينظر لجسده من أعلى.

بجانب هذا توجد عدة أعراض أخرى، مثل:

  1. الشعور بخدر يغزو جسده وعقله كأنما توقفت كل حواسه.
  2. لا يستطيع المريض التحكم فيما يفعل أو ما يقول كأنما تحول لإنسان آلي.
  3. تشوه في إحساس المريض بجسده؛ فقد يشعر المريض بأن أنفه أكبر من اللازم مثلًا.
  4. يجد المريض صعوبة في ربط المشاعر بالذكريات.

نوبات العزلة أو الاغتراب عن الواقع (Derealization)

اختلال الآنية

في هذه النوبات، يسيطر على مريض اختلال الآنية شعور قوي بأنه منفصل عن بيئته. يشعر أيضًا أن كل ما حوله غير حقيقي، ويجد صعوبة في إدراكه للموجودات في محيطه. 

بجانب هذا توجد أعراض أخرى، مثل:

  1. شعور المريض بأن كل الأشياء حوله ضبابية كأنما يراها داخل حلم.
  2. شعور المريض بأن هناك جدارًا زجاجيًا يفصل بينه وبين مَنْ حوله يرى كل شئ من خلاله، لكن يعجز عن تجاوزه.
  3. تشوه في إدراك المريض للأشياء من حوله؛ فقد يراها كأنها غير حقيقية أو كبيرة جدًا أو صغيرة جدًا أو بعيدة أو قريبة أكثر من اللازم. 
  4. تشوه في إدراك المريض للوقت؛ فالأحداث التي مر عليها زمن بعيد يشعر كأنها كانت البارحة فقط والعكس صحيح.
  5. شعور المريض بأن العالم حوله مزيف بلا لون أو حياة. 

تختلف مدة تلك النوبات من شخص لآخر؛ فقد تستمر لعدة ساعات وأحيانًا أيام وفي بعض الحالات النادرة قد تصل لسنوات.

اختلال الآنية والاكتئاب 

تميز مرضى اختلال الآنية تلك القدرة على إدراك أن ما يدور حولهم داخل تلك النوبات هي أوهام لا يمكن تصديقها. 

هذا على خلاف مرضى الذهان الذين يؤمنون تمامًا بكل الضلالات والأوهام التي يصورها لهم عقلهم أيًا ما كانت.

نتيجة لهذا الوعي، يعاني معظم مرضى اختلال الآنية من الاكتئاب الشديد والقلق المستمر، ويكون هذا -عادة- الدافع وراء البحث عن العلاج.

لمعرفة المزيد من المعلومات عن الاكتئاب اقرأ هذا المقال: الاكتئاب القاتل الصامت.

تشخيص مرض اختلال الآنية

يعتمد التشخيص النفسي للمرض على توفر شرطين مهمين، وهما: 

  • تكرار حدوث النوبات بشكل مستمر يعيق الفرد عن ممارسة حياته الطبيعية.
  • شعور المريض بأن ما يحدث له داخل تلك النوبات هو وهم وغير حقيقي.

تبدأ رحلة الطبيب في تشخيص المرض عن طريق طرح بعض الأسئلة الهامة على المريض، مثل:

  1. هل تتعاطى أي أدوية مخدرة؟
  2. هل تعاني من مرض نفسي آخر؟ 
  3. هل تعاني من نوبات صرع؟
  4. ما هو عدد نوبات اختلال الآنية التي تتعرض لها؟ وماذا تشعر حيالها؟

بعدها يطلب الطبيب المعالج إجراء بعض الفحوصات الجسدية للتأكد من عدم وجود سبب عضوي وراء ظهور المرض، ومن تلك الفحوصات:

  • تصوير الرنين المغناطيسي (MRI).
  • التخطيط الكهربائي للدماغ (EEG).
  • فحوصات الدم للتأكد من خلو الجسم من الأدوية التي تسبب نفس أعراض المرض.

علاج مرض اختلال الآنية

على الرغم من خطورة مرض اختلال الآنية، إلا أن الخبر السار -يا عزيزي القارئ- أنه من الأمراض التي يمكن الشفاء منها تمامًا.

إن أهم خطوة في علاج مرض اختلال الآنية هي الكشف عن الأحداث والصدمات التي سبقت ظهور المرض، والتعامل معها. 

من أشهر أنواع جلسات العلاج النفسي المستخدمة في علاج هذا الاضطراب:

  1. العلاج المعرفي السلوكي.
  2. العلاج النفسي الديناميكي.
  3. العلاج النفسي الأسري.
  4. العلاج الإبداعي، مثل العلاج بالرسم أو الموسيقى.

هذا بجانب تقنيات أخرى:

  • تقنيات العودة لأرض الواقع (Grounding techniques): 

يهدف هذا النوع من العلاج إلى ربط المريض بالواقع وقت حدوث النوبات، وذلك عن طريق تحفيز حواسه الخمس. يمكن للمريض الاستماع إلى موسيقى صاخبة أو الإمساك بمكعب ثلج. 

  • العلاج بالتنويم المغناطيسي: 

ويُستخدَم هذا النوع من العلاج في مساعدة المريض على الاسترخاء التام، واسترجاع الذكريات الكامنة لمعرفة سبب المرض.

يلجأ الطبيب أحيانًا إلى وصف بعض الأدوية للتخفيف من أعراض الاكتئاب والقلق المصاحب للمرض، مثل: الأدوية المضادة للاكتئاب. توصف أحيانًا بعض أدوية الذهان للتخفيف من أعراض تبدد الشخصية.

أتمنى في نهاية المقال أن نكون قد كشفنا اللثام عن واحد من أندر وأغرب الأمراض النفسية الموجودة. كما نتمنى أن يجد كل مرضى اختلال الآنية الدعم والعلاج اللازمين، ونرجو لهم أن يعودوا للانسجام مع أنفسهم ومع الواقع المحيط بهم مرة أخرى.
دمتم سالمين.

المصدر
How is DDD treated?Depersonalization/Derealization DisorderDepersonalization/Derealization DisorderDepersonalization Disorder: Diagnosis and TestsMental Health and Depersonalization DisorderDepersonalization-derealization disorder
اظهر المزيد

د. مروة إسماعيل

مروة إسماعيل صبري، طبيبة بيطرية وكاتبة محتوى طبي، مهتمة بالبحث في مختلف العلوم الطبية وتبسيطها وإثراء المحتوى الطبي العربي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق