ترياق الأمراض النفسية

استعراض القوة على الضعفاء | هل يخشاك الآخرون؟

في غرفة المديرة…

جلست المعلمة الشابة تتحدث بانفعالٍ شديد!… إنني حقًا أعاني مع هذا الطالب، ولا أفهم لماذا يتصرف هكذا؟!…. فهو يهوى استعراض القوة على الضعفاء من زملائه… دائمًا ما يتنمر عليهم لفظيًا وبدنيًا، ولا يكُف عن افتعال المشكلات… ماذا أفعل معه؟! 

في الحقيقة، الرغبة في استعراض القوة على الضعفاء ليست قاصرة فقط على المشاغبين من الطلبة،
ولكنها قد تمتد إلى جميع علاقاتنا الإنسانية؛ من العمل إلى الصداقة إلى العلاقة بين شركاء الحياة. 

لكن، لماذا يستعرض أحدهم قوته على الآخرين، ما الدافع النفسي وراء ذلك؟ وكيف نتعامل مع هذه الشخصيات؟
ويا تُرى ما علامات قوة الشخصية التي تنفع صاحبها ولا تضر غيره؟ 

هذا ما سنتناوله بالتفصيل في السطور القادمة من هذا المقال. 

أولًا… 

التحليل النفسي لسلوك الشخص الذي يستعرض قوته على الضعفاء 

لا يجد الأشخاص الأسوياء التحكم في الآخرين أو استعراض القوة عليهم ممتعًا، لكن ما الذي يجعل بعض الأشخاص -بالغين كانوا أو صغارًا- يلجأون إلى أسلوب التسلط واستعراض القوة في التعامل؟ 

هناك بعض التفسيرات النفسية لهذا السلوك:

أولًا، الأطفال: 

الطفل المتنمر كثير الإيذاء لزملائه لفظيًا أو بدنيًا، وغالبًا ما يفعل ذلك:

  • لرغبته في لفت الانتباه إليه، إذ إنه غالبًا ما يفتقد الاهتمام من الآخرين؛ فيلجأ إلى هذا الأسلوب العنيف ليشعر بالسيطرة والقوة، وبأنه مهم ومؤثر في محيطه. 
  • لأن هذه هي الطريقة التي يُعامَل بها من قِبَل الآباء والمعلمين، فهو لا يعلم غيرها للتفاهم والنقاش، ويعلم أنه بهذا الأسلوب يستطيع السيطرة على غيره. 
  • نتيجة لتأثير الأفلام والمسلسلات؛ فقد انتشر حديثًا في جميع الأعمال الفنية صورة البطل البلطجي،
    صاحب القوة الذي يخشاه الجميع. ولمَّا كان الأطفال سريعي التأثر بمثل هذه النماذج،
    فلا عجب أن يقلد أحدهم نجمه المفضل، ويستعرض قوته على أقرانه. 

ثانيًا، البالغون 

لا تختلف كثيرًا أسباب استعراض القوة على الضعفاء عند البالغين عن مثيلاتها عند الأطفال؛ فالشخص الذي يهوى السيطرة والتسلط في علاقاته الإنسانية غالبًا ما يدفعه إلى ذلك:

  • ضعف الثقة بنفسه وبإمكاناته وقدراته؛ فيستخدم هذا الأسلوب وسيلةً للشعور بأهميته، ومحاولة بائسة لكسب احترام الآخرين، حتى وإن كان احترامًا مزيفًا. 
  • يعاني اضطراب الشخصية النرجسية؛ فكل من يعيش في محيط النرجسي ما هو إلا أداة لإسعاده وتحقيق رغباته؛
    فالشخص النرجسي لا يحب إلا نفسه، ويسعى للسيطرة على من حوله من أجل تدميرهم، وتحقيق أهدافه الرئيسية التي تنحصر جميعها في كونه أهم وأفضل ممن حوله. 
  • خطأ في التربية منذ الصغر: في مجتمعاتنا الشرقية، يُربَّى الذكر على أن استعراض القوة على الضعفاء من الأمور التي تجبِر الآخرين على احترامه وتجعله مهمًا.
  • الغيرة والحقد: على سبيل المثال، في العلاقة مع شريك الحياة، إذا كان أحد الطرفين ناجحًا، وشعر الطرف الآخر بالغيرة من ذلك، فقد يستخدم أسلوب استعراض القوة والسيطرة لكي يعوض شعوره بالنقص. 

وغير ذلك الكثير من الأسباب التي تختلف باختلاف المواقف والظروف. 

كيفية التعامل مع الطفل المتنمر الذي يستعرض قوته على الآخرين

كيفية التعامل مع الطفل المتنمر الذي يستعرض قوته على الآخرين

التنمر في الأطفال مشكلة كبيرة ومتشعبة، وحلها يختلف من حالة إلى أخرى، لكن هناك بعض الأمور العامة التي يجب وضعها في الاعتبار عند تعرض طفلك لتجربة التنمر المؤلمة:

 1- شجِّع الطفل على التحدث والتعبير عما بداخله، فالمشكلة الأعظم تكمن في رفض الأطفال الذين تعرضوا للتنمر التحدث مع والديهم أو معلِّميهم؛ إما لأنهم يشعرون بالخجل مما تعرضوا له، أو لأنهم يخشون أن تزداد الأمور سوءًا بتحدثهم. لذلك؛ فطمأنة الطفل ودعمه وإشعاره بأنك تقف إلى جانبه هي الخطوة الأولى. 

2- ادرس الموقف الذي تعرض له طفلك جيدًا؛ لأن التنمر درجات، فانظر هل يتعرض فقط للتنمر اللفظي،
أم أن الأمر قد وصل إلى حد الإيذاء البدني. كذلك انظر إلى مدى تكرار هذا الأمر، وهل الطفل المتنمر في نفس عمر طفلك أم أكبر منه. 

3- ادرس إمكانيات طفلك جيدًا: يخطئ بعض الآباء عندما يدفع ابنه للرد على الطفل المتنمر والدفاع عن نفسه،
دون دراسة لإمكاناته النفسية والعضلية التي قد لا تسمح بذلك، وهو ما ينتج عنه إحباط الطفل المستضعَف،
وازدياد الأمور سوءًا. 

4- في البداية، اتَّبع الأمور التقليدية المعتادة من إخبار إدارة المدرسة أو المؤسسة التي يتعرض فيها طفلك للتنمر،
لأن من مسؤولياتهم التعامل مع مثل هذه المشكلات وإيقافها عند حدها. 

5- إذا لم تجد استجابة مُرضية من قِبَل المسؤولين، فإليك ما يجب فعله:

  • إذا كان طفلك غير مستعد بعد للدفاع عن نفسه، فاطلب منه محاولة الابتعاد عن الطفل المتنمر قدر الإمكان وعدم التواجد في محيطه. 
  • في هذه الأثناء: ستعلِّم طفلك بعض استراتيجيات الدفاع عن النفس دون إلحاق الأذى بالآخرين، مثل تدريبه على رياضة قتالية ما، فهذا من شأنه أن يزيد ثقته بنفسه أيضًا. 
  • اطلب من طفلك أن يبقى هادئًا، وأن ينظر إلى عين الطفل المتنمر بقوة، ويتحدث بحزم، ويخبره بأن يبتعد عنه ويتوقف عن إيذائه. 
  • إذا لم يرتدع الطفل المتنمر فعليه بدفع الأذى، والدفاع عن نفسه بما تعلَّمه من استراتيجيات. 
  • أخبِر طفلك ألا يبتدئ الشجار، ولا يستخدم قوته إلا في الدفاع عن نفسه. 
  • تحدث مع أهل الطفل المتنمر، فربما كان يعاني مشكلة نفسية -مثل اضطراب التصرف– وبحاجة إلى طبيب نفسي. 

استعراض القوة على الضعفاء في العلاقات بين البالغين

استعراض القوة على الضعفاء في العلاقات بين البالغين

إذا قادك حظك العاثر إلى الوقوع في علاقة سامة مع أحد الأشخاص الذين يتلذذون بإظهار القوة على الآخرين؛
كرئيس عمل، أو شريك حياة، أو صديق لا يفهم معنى الصداقة، فإن الألم النفسي الذي ينتج عن تلك العلاقة يكون قويًا، إذ إن هذه العلاقات من المفترض أن تكون علاقات دعمٍ لا علاقات إيذاء. 

نصائح للتعامل مع الشخص الذي يستعرض قوته عليك:

  • التجنب: إذا كان بإمكانك تجنب هذا الشخص وعدم التعامل معه، فهذا هو الحل الأمثل. 
  • التجاهل: إذا كان لا بد من التعامل مع هذا الشخص، فربما التجاهل قد يأتي بنتيجة إيجابية، إذ إن المتنمر يشعر باللذة والانتصار كلما ازدادت ردة فعلك، أما التجاهل فيسبب له الإحباط والغيظ. 
  • الحزم: كن حازمًا وضع حدودًا واضحة للتعامل معك، ولا تقبل الإهانة من أي شخص مهما كان، واستخدم دائمًا في حديثك مع هذه الشخصيات عبارات تدل على قوة الشخصية، وتجنب الكلام الودي. 

علامات تدل على قوة الشخصية

الآن وقد علِمتَ -يا صديقي- أن قوة الشخصية لا تعني أبدًا “حكم القوي على الضعيف”، أو تعمد إيذاء الآخرين
وجرح مشاعرهم. 

إذن، ماذا تعني قوة الشخصية؟ 

الأشخاص الذين يتمتعون بشخصية قوية، يتميزون بهذه الصفات:

  • الثقة بالنفس.
  • التفاؤل.
  • المرونة والقدرة على التأقلم. 
  • تحمل المسؤولية.
  • الإنصاف وإعطاء كل ذي حقٍ حقه. 
  • السعي والعمل الجاد. 
  • مواجهة التحديات
  • التعلم من أخطائهم وعدم الإصرار عليها. 
  • التحكم في الانفعالات والتوتر. 
  • عدم المبالغة في رد الفعل.
  • تقديم الدعم للآخرين. 

ختامًا، فإن استغلال لحظات ضعف الإنسان، ومحاولة السيطرة واستعراض القوة على الضعفاء،
من الأفعال المُشينة التي يتجنبها الأسوياء، ولا يفعلها إلا من يحمل بين طيات نفسه مشكلات وآفات نفسية،
تجعله يكره الآخرين ويستمتع بإيذائهم. 

المصدر
5 Ways That Adults Bully Each OtherDealing with Adult Bullies Helping Kids Deal With Bullies 30 Character Traits of Mentally Strong PeopleWhy Anyone Would Want to Control You
اظهر المزيد

د. سارة شبل

سارة شبل، طبيبة أسنان وكاتبة محتوى طبي، شغوفة بالبحث والكتابة منذ الصغر، أسعى إلى تبسيط العلوم الطبية وأتوق إلى إثراء المحتوى العلمي العربي، لكي يتمكن يومًا ما من منافسة نظيره الأجنبي بقوة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق