ترياق الطفل

أسباب اضطرابات الأكل النفسية عند الأطفال وأنواعها

أخيرًا حان موعد استراحة الفطور! 

انتهت للتو المحاضرة الأولى في هذا اليوم…

هذا هو اليوم الثالث للدورة التدريبية التابعة لعملي. 

ذهبت لتناول (الشاي والكيك) مع صديقتي الجديدة (سارة)، التي تعرفت إليها أول يوم في هذه الدورة… 

جلسنا معًا نأكل ونتجاذب أطراف الحديث، كانت (سارة) شخصية لطيفة ومرحة،

لكن نظراتها المطولة لكوب الشاي والكيك، في كل مرة نجلس فيها معًا، ظلت تثير دهشتي وفضولي!

كانت تنظر لهما بفرح وامتنان واستمتاع،

بينما كانا بالنسبة لي مجرد (كوب شاي) و(قطعة كيك)!

لاحظت صديقتي اندهاشي؛ فقررت أخيرًا أن تفصح لي عن سر تلك النظرات…

أخبرتني (سارة) أنها عانت لعدة سنوات واحدًا من “اضطرابات الأكل النفسية عند الأطفال”، ويدعى “اضطراب فقدان الشهية”، وأن أهلها احتاروا بها بين الأطباء… 

إلى أن أشار عليهم أحدهم باستشارة طبيب نفسي!

وبالفعل، لجأ أهلها إلى الطبيب النفسي، الذي شخص حالتها ووصف لها العلاج اللازم؛ فشفيت.

ومنذ ذلك الحين وهي شاكرة لله وممتنة لفضله العظيم عليها، على كل مرة تستطيع فيها تناول الطعام بشهية.

أما أنا، فلم أستغرب علاج الطبيب النفسي لـ “اضطرابات الأكل”؛ فقد قرأت عنها مرارًا وتكرارًا، منذ أن أصبحت أمًّا.

في هذا المقال، نستعرض سويًّا -عزيزي القارئ- نبذة عن “اضطرابات الأكل النفسية عند الأطفال”.

تعريف اضطرابات الأكل النفسية عند الأطفال

تُعد هذه الاضطرابات أكثر من مجرد تغير في نمط الأكل، فهي مجموعة معقدة من المشكلات الصحية العقلية والنفسية.

عرفت الجمعية الأمريكية للطب النفسي “اضطرابات الأكل” بأنها: 

حالة مرضية يعاني فيها الشخص من اضطرابات شديدة في سلوكه الغذائي؛ ويحدث هذا نتيجة تغير في معتقداته ومشاعره تجاه الطعام، وسيطرة أفكار متعلقة بوزنه وطعامه.

تكمن مشكلة ” اضطرابات الأكل النفسية عند الأطفال ” أنها تؤثر سلبًا في عدة نواحٍ من حياة الطفل؛ إذ تصيب نموه الجسدي والعقلي وكذلك الاجتماعي. 

ومن المؤسف أنها قد تؤدي إلى فقدان حياة الطفل إذا غفل الأهل عن العلاج.

يرتبط ذكر اضطرابات الأكل في أذهان الكثيرين بفترة المراهقة فقط، ويغفل هؤلاء عن إمكانية حدوث هذه الاضطرابات في الأطفال أيضًا. 

أظهرت الإحصائيات الحديثة، ازدياد معدل الإصابة باضطرابات الأكل في الأطفال ذكورًا وإناثًا دون الثانية عشرة سنة.

أسباب اضطرابات الأكل النفسية عند الأطفال

أسباب اضطرابات الأكل النفسية عند الأطفال

يجتهد العلماء في معرفة سبب هذه الاضطرابات، لكن تظل الأسباب التي توصلوا إليها مجرد عوامل تساعد في حدوثها، دون الوصول للسبب الرئيس.

أغلب الاعتقاد تقول إنها تحدث نتيجة مزيج من أسباب بيولوجية ونفسية ومجتمعية، وكذلك بيئية وثقافية.

أسباب بيولوجية

تتحكم الصفات الوراثية (الجينات) بشكل كبير في ظهور الاضطرابات، فمن الوارد تشخيص أكثر من فرد من نفس العائلة بنفس الاضطراب. 

إذ ذكرت دراسة طبية حديثة، أن في حالة إصابة أحد التوائم باضطرابات الطعام، تصل احتمالية إصابة التوأم الآخر إلى 50 بالمئة.

وتزيد الأسباب الأخرى من معدل ظهور الاضطرابات في حالة توفر العوامل الوراثية.

أسباب مجتمعية

تمثل الضغوط الاجتماعية عبئًا على الطفل، وتكون بمثابة الوقود الذي يشعل اضطرابات الأكل.

كأن يضغط الأهل على الطفل لإحراز درجات دراسية فوق طاقته، أو للالتزام بأنظمة غذائية قاسية للفوز في نشاط رياضي.

وكذلك نشأة الطفل في أسرة مفككة تفتقر الترابط والنقاش الفعال بين أفرادها، أو العكس، حين ينقلب الاهتمام والحب ضغطًا على الطفل للوصول إلى المثالية؛ يعد كل هذا من أسباب اضطرابات الأكل النفسية عند الأطفال. 

أسباب بيئية وثقافية

أغرقت أفكار الغرب مجتمعاتنا الشرقية فيما يخص مقاييس الجمال، فأصبح للجمال قالب من خرج عنه صُنف -خطأ- بالقباحة!

يبث التلفاز كل يوم تلك الأفكار ويروج لها، حتى ترسخت في أذهان الجميع صغارًا وكبارًا؛ مما أصاب الأطفال بهوس الوصول إلى الجسم المثالي.

أسباب نفسية

تحدث اضطرابات الطعام كعرَض لبعض الأمراض النفسية، منها:

  • الاكتئاب 
  • اضطراب القلق
  • إدمان المخدرات
  • الوسواس القهري
  • اضطراب ثنائي القطب

أنواع اضطرابات الأكل النفسية عند الأطفال

تتنوع اضطرابات الأكل النفسية عند الأطفال، وتختلف حدتها وكذلك أعراضها المرضية. وتصيب كلًّا من الذكور والإناث، لكنها في الإناث بنسبة أكبر.

مِن الأطفال مَن يمتنع عن الطعام ومنهم من يأكل بشراهة، وبعضهم ينتقي أنواعًا معينة من الطعام، وبعضهم الآخر يأكل أشياء غريبة من المفترض ألا تؤكل!

سنتعرف في هذا الجزء إلى كل نوع بالتفصيل، فتابع معي -عزيزي القارئ.

  1. اضطراب فقدان الشهية

يُعد أشهر أنواع اضطرابات الأكل، ويحدث نتيجة لتشوه أفكار الطفل ومعتقداته فيما يتعلق بوزنه أو شكله، فيرى أن شكل جسمه غير متناسق وأنه بدين جدًّا.

 وقد يؤمن الطفل بهذه الأفكار على الرغم من كونه في الحقيقة يعاني النحافة!

أعراضه:

  • يصبح وزن الطفل أقل من قرنائه بنفس السن.
  • يتناول الطفل كميات ضئيلة من الطعام.
  • يعيش في خوف دائم من اكتساب أية زيادة في الوزن، على الرغم من أنه نحيف.
  • يعتقد تمامًا أنه سمين، ويرفض تصديق من يواجهه بحقيقة نحافته.
  • يتجنب الأكل أمام الناس.
  • عادة ما يُصاحب هذا الاضطراب وسواسًا قهريًّا تجاه سعرات الطعام الغذائية.

2. الشره المرضي أو ما يعرف بـ “اضطراب الأكل القهري”

يظهر هذا الاضطراب على هيئة نوبات، يفقد الطفل خلالها التحكم في نفسه ويأكل بنهم شديد، إلى أن يشعر بألم في معدته لشدة امتلائها بالطعام دون القدرة على التوقف عن الأكل.

يلجأ الطفل بعد هذه النوبة إلى التقيؤ؛ لتفريغ معدته للتخلص من ألم الامتلاء، وكذلك للتخلص من السعرات الحرارية خوفًا من اكتساب الوزن.

ويستخدم الأطفال الأكبر سنًّا والمراهقون بعض الأدوية الملينة؛ إذ تعمل على إخراج الأكل قبل امتصاصه، مما يحول دون زيادة الوزن.

ومن الممكن أن يلجأ الطفل إلى الصيام، أو ممارسة التمارين العنيفة؛ لشعوره بالذنب وخوفه من السمنة أيضا، على الرغم من امتلاكه وزنًا طبيعيًّا.

أعراضه:

  • التهاب واحتقان في الحلق
  • تسوس الأسنان
  • تورم اللثة
  • جفاف
  • اضطراب في مستوى الهرمونات

3. اضطراب فرط الشهية

يُعد أحد اضطرابات الأكل النفسية عند الأطفال، التي تخلو من فكرة خوف الطفل من اكتساب الوزن.

يشبه إلى حد كبير الشره المرضي؛ إذ يكون في هيئة نوبات من الأكل المفرط دون أية سيطرة، لكن الطفل لا يسعى للتخلص من الأكل بأية وسيلة، ولا يخشى السعرات الحرارية ولا السمنة.

أعراضه:

  • نوبات متكررة من الأكل بشراهة، وعادة يفعل الطفل ذلك سرًّا بعيدًا عن أعين الناس.
  • زيادة الوزن، الذي قد يصل إلى السمنة المفرطة.
  • أمراض مصاحبة لزيادة الوزن، مثل: داء السكري، وأمراض القلب.

وتوجد أنواع أخرى من اضطرابات الأكل أقل انتشارًا، مثل: اضطراب بيكا، واضطراب الاجترار، واضطراب تجنب أنواع محددة من الطعام، ومتلازمة الأكل الليلي.

تُعالج اضطرابات الأكل النفسية عند الأطفال بالتعاون بين الطبيب النفسي، وطبيب التغذية العلاجية، بالإضافة إلى الكثير من الحب والاحتواء من الأبوين.

وكما نعرف جميعًا: (الوقاية خير من العلاج)، فالأولى بنا أن نتقرب إلى أبنائنا، ونصلح مفاهيمهم التي شوهها المجتمع عن معايير الجمال، ونمنحهم حبًّا غير مشروط يعينهم على مواجهة تحديات المجتمع، ويساعدهم على النمو السليم في كافة نواحي حياتهم.

وختامًا عزيزي القارئ، أود أن نتعاون سويًّا لمساندة كل من يعاني اضطرابات نفسية، ومحو الوصم الذي يلاحق المرض النفسي، والذي يضطر كثيرًا من المرضى إلى إنكار مرضهم ورفض زيارة الطبيب النفسي.

مع تمنياتي لك بشهية طيبة معتدلة.

المصدر
Research Review: What we have learned about the causes of eating disorders - a synthesis of sociocultural, psychological, and biological research6 Common Types of Eating Disorders (and Their Symptoms)Eating Disorders: Causes, Symptoms, Signs & Medical ComplicationsWhat Are Eating Disorders?Eating Disorders in Children 12 and Under: Learn the Warning Signs
اظهر المزيد

Marium Romany

طبيبة وأم، أهوى تبسيط العلوم الطبية للقارئ العربي بسلاسة ودقة. أثقل عملي الجامعي من مهارات البحث عن المعلومات الموثقة وشرحها بشكل بسيط.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق