ترياق الأمراض النفسية

فيلم to the bone و اضطرابات الأكل

في هذا المقال، سنتناول فيلم to the bone واضطرابات الأكل.

يستعرض هذا الفيلم قصة حياة فتاة في العشرين من العمر، تعاني فقدان الشهية العصبي.

يصحبنا الفيلم في رحلةٍ معها تبدأ بفشل محاولة علاجها في المشفى، ثم تسليط الضوء على أسرتها المفكَّكة ومشكلاتها مع والديها وغيابهم من حياتها، وعلاقتها القوية بأختها الصغرى.

تستمر الرحلة بقرارها تجربة العلاج مع طبيب جديد، وانتقالها إلى مصحته حيث تقابل مجموعة متنوعة من مرضى اضطرابات الأكل، جميعهم في سن المراهقة أو بداية سن الشباب.

يكمل الفيلم رحلتها والصعوبات التي واجهتها حتى تصل إلى اللحظة الحاسمة، التي تقرر فيها الاستمرار في الكفاح ومحاولة التغلب على مرضها.

لكن هل كان الفيلم موفقًا في استعراض اضطرابات الأكل؟!

قبل أن نجيب عن هذا السؤال، سنفهم سويًا اضطرابات الأكل النفسية، وأنواعها، ونوضّح اضطرابات الأكل عند الأطفال والمراهقين، وأسبابها، وكيفية علاجها. 

اضطرابات الأكل Eating Disorders

هي مجموعة من الأمراض النفسية التي يعاني فيها المريض اضطراباتٍ في سلوكه، وأفكاره، ومشاعره المتعلقة بالغذاء وتناول الطعام؛ إذ يصبح لديه هوس دائم بوزنه، أو شكل جسمه، أو الطعام الذي يتناوله. 

اضطرابات الأكل تؤثر سلبًا في حياة صاحبها، وتسبب له مشكلات في صحته الجسدية والنفسية، وقد تؤدي إلى الوفاة إذا أُهمل علاجها.

قد تحدث اضطرابات الأكل في أي عمر، لكن يغلُب حدوثها في سنوات المراهقة والشباب، وتصيب كلا الجنسين، لكن النساء أكثر عُرضة.

أنواع اضطرابات الأكل 

هناك أنواع متعددة من اضطرابات الأكل التي وُصِفت في الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات العقلية (DSM-5)، من بينها:

فقدان الشهية العصبي Anorexia Nervosa

فقدان الشهية العصبي Anorexia Nervosa

يُعَد أكثر اضطرابات الأكل شهرة، ومن السمات المميزة له:

  • الخوف الشديد من زيادة الوزن.
  • الحد من تناول الطعام.
  • اعتقاد الشخص أن وزنه زائد على الرغم من أنه أقل من المعدل الطبيعي بصورة خطرة.

يتجنب مرضى هذا الاضطراب تناول الطعام، وقد يحتسبون السعرات الحرارية على الدوام، إضافة إلى قيامهم
بسلوكات متطرفة لتجنب زيادة الوزن، مثل الصيام المستمر أو التقيؤ أو استخدام الملينات أو الرياضة الشديدة.

من مضاعفات فقدان الشهية العصبي: الأنيميا، وعدم انتظام الحيض (لدى النساء)، وهشاشة العظام، والإمساك،
وانخفاض درجة حرارة الجسم الداخلية والشعور بالبرد، وقد يصل الأمر إلى التأثير في صحة القلب والعقل.

اضطراب النهام العصبي Bulimia Nervosa

اضطراب النهام العصبي Bulimia Nervosa

يُعرف بـ “البوليميا”، في هذا الاضطراب يأكل المريض بشراهة كميات كبيرة من الطعام في وقت قصير أو بسرعة عالية، ودون سيطرة. 

يعقبه الشعور بالذنب والخوف من زيادة الوزن، ومحاولة تطهير النفس بإجبارها على التخلص من السعرات التي تناولتها (بطُرُق مثل: التقيؤ، أو تناول الملينات أو مدرات البول، أو الإفراط في ممارسة الرياضة).

يختلف مريض اضطراب النهام العصبي عن فقدان الشهية العصبي في أن وزنه يكون طبيعيًا نسبيًا.

من مضاعفات هذا الاضطراب: التهاب الحلق، وارتجاع أحماض المعدة، وتهيج القولون، وتآكل الأسنان،
واضطرابات في الهرمونات، وخلل في مستويات الأملاح في الدم وتأثير ذلك في القلب.

اضطراب الأكل القهري Binge Eating disorder

اضطراب الأكل القهري Binge Eating disorder

هذا الاضطراب يُشبه اضطراب النهام العصبي في جزئية الشَّرَه؛ إذ يتناول المريض كميات كبيرة من الطعام في وقت قصير مع عدم قدرته على التوقف، يعقبه شعور بالذنب والاشمئزاز، لكن دون سلوك التطهير.

مريض اضطراب الأكل القهري يعاني زيادة الوزن أو السمنة، وهو ما قد يسبب له مشكلات صحية مثل: أمراض القلب، والسكتة الدماغية، وداء السكري.

اضطراب بيكا Pica disorder

يتضمن هذا الاضطراب تناول المريض مواد غير غذائية (لا تُعد طعامًا)، مثل: التراب، والصابون، والطباشير، والورق وغيرها.

ويكثر حدوثه في الأطفال، والحوامل، وذوي الاحتياجات الخاصة. 

قد يسبب اضطراب بيكا التسمم، والتهابات القناة الهضمية، وغيرها من المضاعفات الخطرة تبعًا لطبيعة المادة المُتناوَلة.

اقرأ: اضطراب بيكا (Pica) – ما لذ وطاب من الطين والتراب!

اضطراب تجنب الطعام Avoidant/Restrictive food intake disorder 

يختلف هذا الاضطراب عن الانتقائية في تناول الطعام (الذي يعدّ سلوكًا غير مؤذي).

في اضطراب تجنب الطعام: يتجنب المريض تناول الطعام إما بسبب عدم الاهتمام به، أو النفور منه (بسبب الرائحة أو المذاق أو القوام)، الأمر الذي يحرمه من العناصر الغذائية والسعرات الحرارية اللازمة له.

يصيب عادةً الأطفال، لكن قد يستمر بعد البلوغ، ويسبب نقص الوزن وضعف النمو.

بعد تعرُّفنا إلى بعض أنواع اضطرابات الأكل، دعونا نفهم طبيعة اضطرابات الأكل عند الأطفال والمراهقين.

اضطرابات الأكل عند الأطفال

اضطرابات الأكل عند الأطفال

الأطفال -أيضًا- معرضون لخطر الإصابة باضطرابات الأكل، وأكثرها شيوعًا: اضطراب بيكا، وفقدان الشهية العصبي، واضطراب تجنب الطعام. 

تسبب هذه الاضطرابات ضررًا كبيرًا لصحتهم ونموهم.

اقرأ: دليلك الشامل للتعامل مع فقدان الشهية عند الأطفال

اضطرابات الأكل عند المراهقين

المراهقون هم الفئة الأوفر حظًا في الإصابة باضطرابات الأكل؛ قد يرجع ذلك إلى طبيعة هذه المرحلة الحساسة،
وما فيها من تغيُّرات جسدية ونفسية.

أكثر اضطرابات الأكل شيوعًا في سن المراهقة: فقدان الشهية العصبي، واضطراب النهام العصبي (البوليميا)، واضطراب الأكل القهري.

اقرأ: فقدان الشهية العصبي عند المراهِقات (Anorexia nervosa)

أسباب اضطرابات الأكل عند الأطفال والمراهقين

  • العوامل الوراثية.
  • وجود اضطرابات نفسية، مثل الاكتئاب ونوبات القلق.
  • الضغط المجتمعي والإعلامي حول أهمية الانتباه إلى شكل الجسم والوزن والنحافة.
  • المشاركة في أنشطة ورياضات تتطلب الانتباه إلى الوزن، مثل الجمباز والعَدْو وغيرها.

علاج اضطرابات الأكل عند الأطفال والمراهقين

يعتمد علاج اضطرابات الأكل على النقاط الآتية:

  • أن يكون الآباء قدوة في عاداتهم الغذائية، ويعزِّزوا ثقة الأبناء في أنفسهم.
  • وجود نقاش صريح بين الآباء والأبناء حول اضطرابات الأكل وأضرارها، والنظام الغذائي الصحي، والصورة الصحيحة للجسم.
  • علاج جسدي: لعلاج المضاعفات والتأكّد من عدم وجود أية أضرار سلبية على الصحة نتيجة اضطرابات الأكل.
  • علاج نفسي يقوم به متخصص: لعلاج الأسباب وراء هذه الاضطرابات، ومساعدة الطفل أو المراهق في السيطرة على نفسه واستعادة الثقة بها.
    قد يتضمن: علاج جماعي، أو أسري، وقد يُستخدم فيه العلاج السلوكي المعرفي.
  • علاج لدى متخصص في التغذية: لاستعادة الوزن الطبيعي، ووضع خطة غذائية مناسبة.

نقاط هامة حول  فيلم to the bone واضطرابات الأكل  

هناك خلاف حول مدى إيجابية تناول الفيلم لاضطرابات الأكل، من بينها:

  • تناوله لحياة مريضة واحدة وعرض الشخصيات بشكل سطحي.
  • ربط الطبيب علاج البطلة برغبتها، وذلك غير صحيح دائما؛ إذ إن بعض حالات اضطرابات الأكل تكون حرجة وتحتاج إلى التدخل السريع وعدم انتظار موافقة المريض.
  • تهميش دور الأسرة وإظهاره في صورة سلبية، والواقع أن الأسرة تؤدي دورًا هامًا في الخطة العلاجية ونجاحها،
    إضافة إلى عدم اقتصار اضطرابات الأكل على أبناء الأسر المفكَّكة.
  • إظهار سرعة وسهولة قرار البطلة بعودتها إلى العلاج؛ لكن الواقع أنه يَصعُب اكتساب ثقة مريض اضطراب الأكل، إلى جانب حاجة علاج هذه الاضطرابات إلى الوقت والجهد. 

لكن للإنصاف، فإن للفيلم إيجابيات، منها:

  • التعامل مع مريض اضطراب الأكل على أنه شخص له مشاعر، وأحلام، وآمال، وليس مجرد مشكلة.
  • وجود فتاة من أصل أفريقي وفتى مصابَين باضطرابات الأكل بين شخصيات الفيلم، مما يدعَم حقيقة انتشار اضطرابات الأكل بين الأعراق المختلفة والجنسين.
  • إظهار إمكانية العلاج بالإصرار، وبذل الجهد، والحصول على الدعم.

إضافة إلى ذلك، فإن تناول الأفلام لهذه الاضطرابات وغيرها يُعد أمرًا جيدًا؛ فهو يزيد من وعي الناس بوجودها وتعاطفهم مع المرضى، ويدفع البعض إلى البحث وفهم هذه الاضطرابات. 

يُمكن -أيضًا- استخدام هذه الأفلام وسيلةً لمناقشة اضطرابات الأكل مع المراهقين، لكن يجب أن تكون لديك خلفية جيدة عن الموضوع، حتى تتمكن من مناقشتهم وتصحيح أي سوء فهم لديهم.

قد تكون اضطرابات الأكل عند الأطفال والمراهقين أمرًا شديد الخطورة، لكن يُمكن علاجها. 

تذكر أن قوة علاقتك بابنك، ووجود صداقة وصراحة بينكما ستمكّنك من ملاحظة أي خلل في عاداته الغذائية،
ومن ثَمَّ مساعدته ودعمه، ولا تتردد أبدًا في اللجوء إلى متخصص يعينك ويساعده.

المصدر
6 Common Types of Eating Disorders (and Their Symptoms)What Are Eating Disorders?Eating Disorders in Children 12 and Under: Learn the Warning SignsUnderstanding Eating Disorders in TeensTwo Psychiatrists Weigh in on Netflix’s 'To the Bone'An Eating Disorder Psychologist’s Review of the Film To The Bone
اظهر المزيد

د. أروى صبحي

صیدلانیة وباحثة. لدیها شغف دائم للبحث وفهم كل ما حولها؛ خاصة فیما یتعلق بجسم الإنسان. أشعر بالرضا عند تبسیط العلوم للغیر، ووجدت في الكتابة وسیلة لمساعدة الآخرین في الاستمتاع بالمعرفة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق