ترياق الطفل

اضطراب الأكل الانتقائي | دلالٌ أم مرض؟

“أنواع كثيرة من الأطعمة لا يرغب ابني في تناولها، هل يعاني خطبًا ما؟”

كثيرًا ما أُسأل عن هذا الموضوع من الأمهات المترددات على عيادة التغذية الخاصة بي.

لم أعرفكم بي، أنا “دكتورة تغذية” ولست “دكتورة تخسيس” كما يظن بعض الناس. لا تُعد السمنة المرض الوحيد الذي يدفع المرضى للتردد على عيادتي، لأن اضطرابات الأكل متعددة.

أعرض في هذا المقال نوعًا من الاضطرابات لا يعرفه الكثيرون، ألا وهو “اضطراب الأكل الانتقائي”.

“لماذا اخترته؟!”

حسنًا، عندما يرفض الطفل بعض أنواع الأطعمة، يسقط ذلك في يد الأم، ويتهمها من حولها بتدليل طفلها. 

أقول لهذه الأم: لستِ مقصرة وابنك ليس مدللًا.

تسأل “لماذا”؟! 

تابع معي هذا المقال.

اضطراب تغذية أم حالة نفسية؟! 

اضطراب تغذية أم حالة نفسية؟!

تصنَّف اضطرابات الأكل -رغم تعلقها بالطعام- كحالات نفسية ينتج عنها عادات غذائية خاطئة أو تعلق بنوع معين من الطعام أو القلق بشأن شكل الجسم.

تود الحصول على المزيد من المقالات المجانية على ترياقي؟ اشترك الآن ليصلك كل جديد!

 يتطلب العلاج تضافر جهود الطب النفسي مع التغذية، للوصول لخطة علاجية ناجحة لمساعدة المريض. 

لماذا تحدث اضطرابات الأكل؟

يعتقد العلماء وجود بعض العوامل المسببة لتلك الاضطرابات، منها:

  • العوامل الوراثية
  • طبيعة الشخصية

قد تتعرض بعض أنماط الشخصيات لتلك الاضطرابات أكثر من غيرها، مثل: الشخصية العصابية، والباحثة عن الكمال.

  • نظرة المجتمع

تُصَدِّر لنا معتقدات المجتمع ونظرته -عن شكل الجسم والنحافة- تصورات خاطئة، وهو ما يدفع بتلك الاضطرابات للظهور.

  • اتزان كيمياء العقل

بين هرموني السيروتونين والدوبامين، واللذان يؤديان دورًا في اتزان الحالة المزاجية.

أنواع اضطرابات الأكل

1- فقدان الشهية العصبي

يمثل المراهقون -وخاصة الإناث- الشريحة الأكبر من مصابي هذا الاضطراب. 

إذ تختل صورة أجسامهم في أذهانهم، ويشعرون أنهم من أصحاب الوزن الزائد، ويدفعهم هذا لمراقبة أوزانهم باستمرار.

ينقسم هذا الاضطراب لنوعين: 

  • نوع يلتزم بحمية صارمة للغاية وتمارين بدنية قاسية للبقاء في وزن ثابت وجسد نحيف.
  • نوع لديه شره للطعام فيأكل كميات قليلة أو كثيرة ثم يتخلص منها سواء بالقيء أو الملينات أو التمارين القاسية.

في كلا الحالتين، تؤذي تلك الأفعال الجسد وتضر بصحته العامة.

2- النهام العصبي “الشره”

يظهر-كالنوع السابق- في فترة المراهقة وخاصة بين الإناث، ولكن يختلف أن المريض لا يصاب بالنحافة بل يحتفظ بوزن شبه طبيعي.

يبدأ الأمر بتناول كميات كبيرة من الطعام في فترة زمنية معينة حتى تصبح المعدة ممتلئة تمامًا، ومن ثَم إفراغ الأمعاء عن طريق القيء، أو الملينات، أو المدرات، أو التمارين القاسية.

يفقد المريض قدرته على التوقف عن تناول الطعام، حتى أنه قد يأكل ما لا يشتهي في العادة، ثم يعمد إلى إفراغ أمعائه تجنبًا لاكتساب الوزن الزائد، وتخفيفًا من السعرات الزائدة. 

تكمن خطورة هذا الاضطراب أنه -في الحالات الشديدة- قد يؤدي إلى أزمة قلبية بسبب اختلال الاتزان بين عنصري البوتاسيوم والصوديوم داخل الجسم.

3- اضطراب الأكل القهري

أكثر اضطرابات الأكل انتشارًا، ولا يقتصر على المراهقين فحسب، بل يظهر أيضًا في مراحل عمرية متقدمة.

يتشابه اضطراب الأكل القهري مع النهام العصبي في:

  • يتناول المريض كميات كبيرة من الطعام في فترة زمنية قليلة حتى الشعور بالامتلاء الشديد.
  • لا يستطيع المريض التحكم في كمية الطعام ولا النوع الذي يتناوله.

يكمن الفرق أن المريض لا يستخدم عملية إفراغ الأمعاء بالقيء أو الملينات للتخلص من السعرات الزائدة؛ لذا يعاني المريض زيادة الوزن، ويتعرض لأمراض السمنة مثل السكر من النوع الثاني وأمراض القلب.

تلك كانت أشهر اضطرابات الطعام، ونضيف إليها:

4 – اضطراب بيكا “اشتهاء الأشياء التي لا تؤكل”

5- اضطراب الاجترار

6- اضطراب الأكل الانتقائي

مقدمة طويلة؟! 

هل مللت؟

ليس بعد، لقد وصلنا لمحور حديثنا اليوم: “اضطراب الأكل الانتقائي”.

انتقاء الطعام دلال أم اضطراب…

انتقاء الطعام دلال أم اضطراب…

يمر الأطفال في مرحلة من حياتهم بعادة انتقاء الطعام، فلا يرغبون بتجربة طعام جديد وأحيانًا يرفضون ما كانوا يفضلونه من قبل. 

مزعجة تلك المرحلة للكثير من الآباء، فيلجأون إلى طبيب الأطفال الذي يخبرهم بأن الطفل لن يترك نفسه جائعًا أبدًا. 

إلا أن بعض الأطفال يصلون لذلك -الجوع- وحينها أفصح اضطراب الأكل الانتقائي عن نفسه، ودخل تصنيف الحالات النفسية المتعلقة بالطعام.

ليس الأطفال فحسب…

يستمر هذا الاضطراب من الطفولة لمرحلة البلوغ، فالأمر ليس مجرد مرحلة ينتقي فيها الطفل أطعمة معينة لتناولها فحسب، بل تستمر قائمة الأطعمة بالتناقص، الأمر الذي يؤدي إلى:

  • سوء التغذية نتيجة الامتناع عن مجموعات غذائية كاملة كالبروتين مثلًا.
  • عدم اكتساب الوزن وتوقف النمو الطبيعي.
  • يصل الأمر إلى الدخول للمشفى وتلقي التغذية بالمحاليل.

اضطراب الأكل الانتقائي عند الأطفال

اضطراب الأكل الانتقائي عند الأطفال

يتبادر إلى ذهنك السؤال الآتي: 

“هل ما يعانيه ابني مرحلة انتقاء طبيعية للأطعمة أم أنه يعاني اضطراب الأكل الانتقائي؟”

كي نجيب عن هذا السؤال أضع أمامك بعض عوارض اضطراب الأكل الانتقائي عند الأطفال، وتشمل:

1- عوارض نفسية

  • الخوف من الاختناق والقيء.
  • “يأكل كالعصفورة”؛ فقدان الشهية الشديد للطعام.
  • انتقاء الطعام يصبح معتمدًا على ملمسه.
  • تقل عدد الأطعمة التي يتناولها تدريجيًّا.
  • “بطني تؤلمني، أشعر بالشبع”، تصبح الإجابات المعتادة عند وقت الطعام.

2- عوارض جسدية

  • فقدان الوزن المستمر.
  • الشعور بالبرد المستمر بسبب نقص التغذية.
  • قلة التركيز، والشعور بالدوار المستمر.
  • الإمساك و ارتجاع الحمض في المريء.

مضاعفات اضطراب الأكل الانتقائي

يُحدِث هذا الاضطراب مضاعفات جسدية ونفسية تؤثر في المريض، ومنها:

مضاعفات جسدية

  • نقص الفيتامينات مثل الحديد، مسببًا الأنيميا.
  • نقص هرمون الغدة الدرقية.
  • انخفاض ضربات القلب.
  • جفاف الجلد والأظافر مسببًا تكسرها، وجفاف الشعر وتساقطه.
  • ضعف العضلات، والجهاز المناعي.
  • اضطرابات في النوم، والشعور المستمر بالتعب والدوار.
  • نقص عنصر البوتاسيوم، وفي الحالات الشديدة قد يسبب سكتة قلبية مفاجئة مهددًا حياة المريض.

مضاعفات نفسية 

  • الشعور بالقلق والتوتر.
  • الابتعاد عن الحياة الاجتماعية خوفًا من الانتقاد لعدم تعدد خياراتهم الغذائية.
  • الضغوط الأسرية من الوالدين قد تسبب العزلة والاكتئاب.

علاج اضطراب الأكل الانتقائي

تعرَّف الأطباء حديثًا على مصطلح اضطرابِ الأكل الانتقائي، لذا تظل المحاولات العلاجية له في طور البحث. 

تشمل خطة علاج اضطراب الأكل الانتقائي النقاط الآتية:

1- علاج المضاعفات الجسدية منعًا لتأثيرها في الصحة العامة للمريض

2- العلاج الأسري 

  • “التقبل الأسري”

على الوالدين التوقف عن اللوم والضغط على الطفل أو المراهق من أجل الطعام.

  • رفع وعي الوالدين وتثقيفهم بشأن اضطراب الأكل الانتقائي باعتباره مصطلحًا غير مألوف.
  • “التدخل الإيجابي” 

بالدعم المعنوي للطفل والمساعدة على تطبيق الخطة الغذائية لوقف استمرار فقدان الوزن.

3- زيادة المرونة تجاه الغذاء

يكرر المريض تناول نفس نوعية الطعام، فتمل نفسه ويتوقف فجأة عن تناوله؛ وهو ما يقلل قائمة الأغذية التي يتناولها مع مرور الوقت. لذا يُنصح المريض بتناول الأنواع التي يفضلها بالتناوب منعًا للملل منها.

ينصح أيضًا بتغيير طريقة تقديم الطعام وطهيه، وتعريض المريض تدريجيًّا لها، ويُستحب إدخال عناصر غذائية جديدة في فترات مختلفة لتزداد الخيارات الغذائية لدى المريض.

هناك بعض الطرق الأخرى، مثل:

4- العلاج المعرفي السلوكي

5- العلاج التفاعلي

6- العلاج بالتعريض

نصيحتي لك: لو لاحظت ظهور أعراض اضطراب الأكل الانتقائي على طفلك، اطلب المساعدة ولا تتردد.

 إذ إن هذا الاضطراب لا يُعالَج من تلقاء نفسه بل يحتاج إلى مجهود طويل المدى من أجل علاجه.  

المصدر
Parents May Mistake Picky Eating for a More Serious Eating DisorderAvoidant/restrictive food intake disorder (ARFID): What to knowARFID Is More Than Just Picky EatingUnderstanding and Treating Avoidant Restrictive Food Intake Disorder in Children and Adolescents6 Common Types of Eating Disorders (and Their Symptoms)Eating disordersParents May Mistake Picky Eating for a More Serious Eating DisorderAvoidant/restrictive food intake disorder (ARFID): What to knowWhat if it’s Not Just Picky Eating? Selective Eating Disorder in Children
اظهر المزيد

Shaymaa Ali

شيماء علي صيدلانية كاتبة محتوى طبي. لا يزال العلم يبهرني بالجديد يوما بعد يوم، أغوص في بحره باحثة عن كنوزه، لأعود بما ينير العقول. أسعى لترسيخ الثقافة العلمية والطبية في مجتمعنا العربي بلغتنا الأم. أمزج في مطبخي "مقالاتي😁" العلم بالأدب في خليط بطعم مميز جاهز لأجلك، فاستمتع به.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى