ترياق الأمراض النفسية

اضطراب الاجترار – Rumination Disorder

حينما سمعت مصطلح الاجترار للوهلة الأولى، تبادر إلى ذهني صورة بطل تعيس عاندته الحياة فأخذ يجترُّ أحزانه ويندب حظه العاثر. 

فالاجترار، من الناحية الأدبية، يعني أن بطلنا يجرُّ حزنه أينما حلّ، ويسترجع من الأفكار ما يثقل كاهله ويوغر صدره دون فائدة تذكر.

لا يختلف الأمر كثيرًا من الناحية النفسية والطبية؛ فاضطراب الاجترار -وهو أحد اضطرابات الأكل- والاجترار النفسي صورتان مختلفتان لمشكلة واحدة: استرجاع ما لا ينبغي استرجاعه.

إذًا اسمح لي، عزيزي القارئ، أن أحدثك اليوم عن ماهية اضطراب الاجترار، وأعراضه، وأسبابه، وطرق علاجه، وأُتبِعُ ذلك بجولة سريعة عن الاجترار النفسي. 

ما هو اضطراب الاجترار (Rumination disorder)؟ 

هو عملية ارتجاع الطعام بعد بلعه، ثم إعادة مضغه وبلعه من جديد أو بصقه فيما بعد، وقد يكون الأمر بقصد أو غير قصد.

ويحدث الاجترار أو “القلس” خلال فترة وجيزة من تناول الطعام، وقد تسبقه رغبة في التجشؤ، ولكن لا يصاحبه أي إحساس بالغثيان أو رغبة في التقيؤ.

يصنف الاضطراب الاجتراري (Rumination disorder) ضمن اضطرابات الأكل وفقًا للنسخة الخامسة من الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية (DSM-5).

ويُشترط أن تتوفر  فيه المعايير التالية:

  1. أن يتكرر ارتجاع الطعام وإعادة مضغه أو بصقه لفترة تزيد عن شهر.
  2. ألا يصاحبه وجود أي مشكلة عضوية، مثل: داء الارتجاع المعدي المريئي.
  3. من الممكن أن يحدث مع أو دون وجود أي من اضطرابات الأكل الأخرى، مثل فقدان الشهية العصبي والبوليميا.
  4. إذا ظهر ذلك السلوك في ظل وجود إعاقة ذهنية أو اضطراب نفسي -مثل اضطراب القلق المعمم- فلابد من الاستعانة بطبيب مختص فورًا.

ويُعد ذلك الاضطراب فريدًا من نوعه؛ إذ من الممكن أن تظهر بوادره في الرُضّع من سن 3 إلى 12 شهرًا، مما يُصعِّب مهمة اكتشافه وتشخيصه. 

وقد يصيب الأطفال ممن يعانون من إعاقة ذهنية، وكذلك بعض المراهقين والبالغين.

ما أعراض اضطراب الاجترار؟

أعراض اضطراب الاجترار

يعد استرجاع الطعام وإعادة مضغه أهم أعراض الاضطراب، ولكن هنالك بعض الأعراض الأخرى التي قد تشير إلى تلك المشكلة، مثل: 

  • رائحة النَفَس الكريهة.
  • خسارة الوزن بشكل ملحوظ.
  • آلام بالمعدة وعسر بالهضم.
  • جفاف الشفتين وتشققهما.
  • تسوس الأسنان.

أما في الرُضّع، فمن الممكن أن تظهر بعض العلامات الإضافية:

  • شد الظهر وتقويسه مع إبقاء رأسه للخلف؛ لشعوره بالألم.
  • مَصّ اللسان؛ كحركة لاسترجاع الطعام غير المهضوم.
  • كثرة البكاء والانفعال؛ لإحساسه بالجوع. 
  • عدم وصوله إلى الوزن الملائم لسنه.
  • تظهر عليه أعراض سوء التغذية.

وقد يدرك المرضى الأكبر سنًّا وجود اضطراب الاجترار، وربما يستطيع بعضهم التحكم في حركة الارتجاع، ولكنهم يعجزون عن إيقاف ذلك السلوك.

وقد يسبب ذلك السلوك حرجًا شديدًا، فيلجأ الفرد لإخفاء فمه بيده أثناء الأكل، أو التوقف عن تناول الطعام على الملأ، مما يعرضه لسوء التغذية وفقدان الوزن.

الفرق بين اضطراب الاجترار والارتجاع المريئي

هناك العديد من الفروقات الجوهرية التي تساعدنا على التمييز بين اضطراب الاجترار وداء الارتجاع المعدي المريئي، مثل:

  1. في الارتجاع المريئي: يعود الحمض الموجود بالمعدة إلى المريء مسببًا تهيُّجه، ويشعر المريض بطعم حمضي في حلقه وفمه.
  2. لا يشعر المصاب باضطراب الاجترار بطعم حمضي؛ إذ يُرتجع الطعام بعد فترة وجيزة من بلعه، قبل اختلاطه بالحمض.
  3. يشتد الارتجاع المريئي ليلًا، إذ يستلقي النائم في وضعية تسمح بعودة الحمض إلى المريء، بينما يبدأ الاجترار بعد بلع الطعام بفترة وجيزة.
  4. لا تستجيب أعراض اضطراب الاجترار لأدوية الارتجاع المريئي.

ما أسباب اضطراب الاجترار؟

لا تزال الأسباب المؤدية لهذا الاضطراب لغزًا غامضًا، ولكن بعض الدلائل تشير إلى وجود زيادة في الضغط على البطن.

كيف يبدأ الأمر؟

يقترح البعض أن الأمر يبدأ حينما يتعرض الفرد إما لعدوى فيروسية أو لضغط نفسي وعصبي، مما يؤثر على حساسية الأعصاب الموجودة بالجهاز الهضمي.

يؤدي ذلك إلى ارتخاء العضلة العاصرة التي تربط بين المعدة والمريء، مما يسبب شعورًا بعدم الراحة. 

فيلجأ المريض لاستخدام عضلات بطنه لإرجاع الطعام وتخفيف الضغط الموجود على البطن. 

ومع تكرار هذه العملية، يصبح الأمر سلوكًا معتادًا.

ما هي العوامل المؤثرة؟ 

  • وجود اضطرابات نفسية، مثل: الاكتئاب والقلق.
  • التعرض لضغوطات نفسية شديدة.
  • إهمال الأم لرضيعها. قد يبدأ الطفل بحركات المضغ بحثًا عن الراحة.

ما علاج اضطراب الاجترار؟

يتفقد الطبيب المعالج الأعراض والتاريخ الصحي للمريض، ويجري بعض الفحوصات اللازمة لاستبعاد وجود أي مرض عضوي، قبل البدء في خطة العلاج.

علاج الاجترار عند الأطفال

هناك العديد من الخطوات التي يمكن اتباعها لتعديل هذا السلوك عند الرضع والأطفال، مثل:

  • وضع الطفل في وضعية مناسبة أثناء الرضاعة وبعدها؛ للحد من الارتجاع.
  • الاهتمام بالطفل أثناء الرضاعة، وتوفير بيئة صحية آمنة له.
  • تشتيت الطفل عن سلوك الاجترار أثناء الأكل. 
  • من الممكن إضافة شيء ذي طَعم مُر عندما يبدأ الطفل السلوك الاجتراري؛ كي يرتبط السلوك في ذهنه بالطعم المنفر فيمتنع عنه.

علاج الاجترار عند البالغين

يعد العلاج السلوكي حجر الأساس في التعامل مع اضطراب الاجترار عند البالغين. 

ويساعد العلاج السلوكي الفرد على إدراك السلوك الاجتراري، ويدَرِّبه على عَكسِ ذلك السلوك والتحكم به، باستخدام التنفس الحجابي. 

يعتمد التنفس الحجابي على إرخاء عضلة الحجاب الحاجز الموجودة أسفل الرئتين؛ مما يخفف انقباضات البطن ويقلل الارتجاع، وإليك الخطوات: 

  • استلقِ على ظهرك فوق سطح مستوٍ، واثنِ ركبتيك بوضع مريح.
  • ضع إحدى يديك على الجزء العلوي من صدرك، وضَع الأخرى على بطنك بالقرب من الحجاب الحاجز؛ كي تشعر بحركته.
  • تنفس ببطء، خُذ شهيقًا من أنفك حتى تشعر ببطنك ترتفع قليلًا مع دخول الهواء مبقيًا صدرك ثابتًا قدر الإمكان.
  • اقبض عضلات بطنك للداخل بهدوء؛ مطلقًا زفيرًا عبر شفتيك.
  • يمكنك تكرار هذه الخطوات لخمس دقائق، ثلاث مرات يوميًّا. 

وقد يضيف الطبيب إلى خطة علاجك بعض الأدوية التي تحمي المريء من مضاعفات الارتجاع المتكرر، أدوية تساعد على ارتخاء المعدة بعد الأكل.

ما هو الاجترار النَّفْسي؟ 

ما هو الاجترار النفسي؟

هو أن تظل حبيس فكرة واحدة -أو مجموعة من الأفكار- تعلق بذهنك ويتردد صداها في عقلك، وتتكرر باستمرار، فتُشعِرُك بالإحباط وتزيد من اكتئابك وقلقك.

يعيقك الاجترار النفسي عن الوصول إلى حلول؛ فلا تستطيع النظر إلى المشكلة من زاوية مختلفة، وتعجز عن التفكير والتصرف بشكل سليم، فتميل للعزلة.

كيف تتعامل مع الاجترار النفسي؟

  1. شتِّت نفسك: حينما تحاول الأفكار محاصرتك، تحدث مع صديق، أو اقرأ كتابًا، أو شاهد فيلمًا.
  2. دوِّن أفكارك في ورقة: قسِّم المشكلة إلى مجموعة خطوات، وحاول كتابة حلول مقترحة لكل خطوة على حدة عوضًا عن تكرار نفس الفكرة دون حل.
  3. لا ترفع سقف توقعاتك: تجنب السعي وراء الكمال، حدد هدفًا منطقيًّا، وامضِ فيه بخطوات صغيرة، واحتفل بكل إنجاز.
  4. قدِّر ذاتك: لا تقارن نفسك بالآخرين؛ فلكل منا رحلته.
  5. حدِّد المحفزات: ما الذي يثير تلك الأفكار في رأسك؟ أهو موقف أو مكان معين؟ هل يمكن استئصال المشكلة من جذورها؟
  6. استَشِر معالجًا نفسيًّا: يساعدك المعالج النفسي على تحديد جذور المشكلة، ويعينك على ترتيب أفكارك وتصرفاتك.

وختامًا، يا صديقي العزيز، أتمنى لك رحلة موفقة لا تضطر فيها لاجترار أحزانك، وإنما تنعم فيها بالسلام النفسي والسلامة الجسدية، وراحة البال

المصدر
Rumination overviewRumination disorderWhat is Rumination disorder?Rumination disorder - National eating disordersRumination syndrome Rumination syndrome: Management and treatmentRumination disorders in infants and childrenRumination: A problem in Anxiety and Depression10 tips to help you stop ruminating
اظهر المزيد

د. لميس ضياء

صيدلانية إكلينيكية، قضيت شطرًا من عمري بحثًا عن العلم، وأنوي قضاء الشطر الآخر في تبسيط ما تعلمته وتقديمه بلغة سهلة مستساغة للجميع. تستهويني النفس البشرية وأسعى دومًا لسبر أغوارها، وفك طلاسمها، وفهم ما قد يؤرقها من اضطرابات واعتلالات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق