ترياق الأمراض النفسية

اضطراب التعلق التفاعلي | لماذا لا يشعر طفلك معك بالأمان؟!

كانت “رانيا” تؤدي بعض الأعمال المنزلية، بينما يغط رضيعها ذو الخمسة أشهر في نوم عميق. 

وفجأة سمعت صوت صراخه قادمًا من بعيد، فتركت ما بيدها وأسرعت إليه. 

وهنا قابلتها جدة ابنها وقالت لها مستنكرة: “أوكلما صرخ طفلك أسرعتِ إليه! أنت بذلك تدللينه، وسيتعود على هذا الأمر ويتعبكِ بعد ذلك، اتركيه فلن يحدث له شيء!” 

لم تقتنع رانيا بكلام الجدة، لأنها تتذكر ما درسته بالجامعة عن اضطراب التعلق التفاعلي، وتعلم جيدًا أن عدم تلبيتها لاحتياجات طفلها النفسية والجسدية قد يؤثر في صحته النفسية، ويفقده شعوره بالأمان معها. 

إذا كانت هذه مرَّتك الأولى -عزيزي القارئ- التي تسمع فيها عن اضطراب التعلق التفاعلي، فتابعنا عبر سطور هذا المقال، لنخبرك كل ما تحتاج معرفته عنه. 

تعريف اضطراب التعلق التفاعلي

اضطراب التعلق التفاعلي هو حالة مرضية تصيب الرضع أو الأطفال -في سنوات طفولتهم المبكرة-، وفيها يعجزون عن تشكيل روابط عاطفية آمنة وصحية مع والديهم، أو القائمين على رعايتهم. 

ينشأ هذا الاضطراب نتيجة لعجز الآباء عن تلبية احتياجات الطفل الأساسية من الرعاية والحب والاهتمام.

أعراض اضطراب التعلق التفاعلي:

يؤثر اضطراب التعلق التفاعلي في كل جانب من حياة الطفل، ويؤثر كذلك في نموه وتطوره. 

من ضمن أعراض هذا الاضطراب:

  • ظهور بعض المشاعر غير المبررة على الطفل، مثل: الحزن أو الخوف أو التهيج والانفعال.
  • عدم تواصل الطفل بصريًا مع المحيطين به. 
  • عدم رغبة الطفل في لعب الألعاب التفاعلية مع والديه أو مقدمي الرعاية الأولية له.
  • تجنب الطفل للتلامس الجسدي مع الآخرين.
  • عجز الطفل عن طلب المساعدة والدعم من الآخرين عند الحاجة. 
  • عدم قدرة الطفل على الابتسام، وظهور علامات الحزن الدائم عليه. 
  • الشعور بالتوتر والقلق عند الاضطرار إلى الانخراط في الأنشطة التفاعلية مع والديه أو مقدمي الرعاية له. 

والآن، بعد أن تعرفنا إلى تعريف اضطراب التعلق التفاعلي وأعراضه، دعونا نستكشف من هم الأطفال الأكثر عرضة للإصابة بهذا الاضطراب. 

تود الحصول على المزيد من المقالات المجانية على ترياقي؟ اشترك الآن ليصلك كل جديد!

من أكثر عرضة للإصابة باضطراب التعلق التفاعلي؟

يصيب هذا الاضطراب غالبًا الأطفال بين عمر التسعة أشهر والخمس سنوات. 

والأطفال الأكثر عرضة للإصابة به هم:

  • من تعرضوا للإهمال العاطفي أو الاعتداء الجسدي
  • من قام على رعايتهم العديد من الأشخاص أو المؤسسات، على سبيل المثال: الأطفال الذين نشؤوا في دور الأيتام.
  • مـن انفصلوا عاطفيًا -لأي سبب- عن أحد والديهم، أو عمن كانوا يشعرون معه بالأمان والراحة.
  • من تعرضوا لفقدان عزيز في سنوات عمرهم المبكرة، مثل: وفاة أحد الوالدين، أو انفصالهم
  • من كان أحد والديهم أو كلاهما مصابًا بأحد الاضطرابات النفسية، أو مدمنًا على المخدرات. 

اقرأ هنا عن الاكتئاب؛ القاتل الصامت.

أسباب اضطراب التعلق التفاعلي

يمكننا أن نطلق على هذا الاضطراب “اضطراب الحرمان العاطفي”، إذ يعد الإهمال العاطفي وعدم تلبية حاجات الطفل الأساسية من الرعاية (مثل: الاهتمام بتغذية الرضيع ونظافته الشخصية)، من العوامل الرئيسية لنشأته. 

يجب أن يحرص الوالدان أو مقدمو الرعاية الأساسية للطفل على تلبية احتياجاته، وعدم الإهمال فيها أو التأخر عنها، لأن تلبية احتياجات الطفل النفسية والجسدية في هذا العمر تشعره بالأمان، وتنمي ثقته فيمن حوله، وتساعده على التواصل معهم.

بعض الأمثلة على الإهمال الذي يمكن أن يتعرض له الطفل ويتركه عرضة للإصابة باضطراب التعلق التفاعلي:

  • عندما يُترك الطفل ساعات طويلة بحفّاظة متسخة، دون السعي لتغييرها أو تنظيفه. 
  • عندمـا يترك الطفل جائعًا فترة طويلة من الوقت. 
  • عندما يترك الطفل يبكي فترات طويلة، ولا يسعى أحد لحمله أو إسكاته، أو البحث عن سبب بكائه وتلبية ما يحتاج إليه.
  • عندما يُهمل الطفل عاطفيًا ساعات طويلة من الوقت، أي: لا يسعى أحد لاحتضانه أو لمسه أو اللعب والتفاعل معه. 

بالرغم من هذه الأسباب، فهناك بعض الأطفال يتعرضون للإهمال ولا يصابون بهذا النوع من اضطراب الحرمان العاطفي، وما زال السبب وراء إصابة بعضهم به وعدم إصابة الآخرين غير معلوم. 

علاج اضطراب التعلق التفاعلي

يعتقد علماء النفس بأن الأطفال الذين يعانون هذا الاضطراب لديهم القدرة على تكوين علاقات وروابط صحية مثلهم مثل الأطفال الآخرين، لكن ما يتعرضون له من إهمال يعيق تكوينهم لهذه الروابط. 

لذلك؛ فإن التدخل المبكر لعلاج اضطراب التعلق التفاعلي غالبًا ما يأتي بنتائج فعالة. 

تهدف الخطة العلاجية إلى:

  • ضمان حق الطفل في العيش في بيئة آمنة ومستقرة، وتُلبى فيها جميع احتياجاته الجسدية والنفسية.
  • المساعدة في تكوين علاقة تفاعلية صحية بين الوالدين والطفل. 

تتضمن استراتيجيات العلاج:

  • جلسات العلاج النفسي

في هذه الجلسات، يرشد المعالج النفسي الأبوين (أو مقدمي الرعاية) إلى أهمية تلبية احتياجات الطفل فور طلبها، وكيفية تلبيتها بالطريقة الصحيحة.

  • جلسات العلاج الأسري

وفيها يلتقي المعالج النفسي بالأبوين والطفل معًا، ويعمل على تعليمهم مهارات التواصل التي يحتاجون إليها، من أجل خلق بيئة تفاعلية صحية بين بعضهم بعضًا. 

  • التدخل العلاجي لتنمية مهارات الطفل الاجتماعية

تهدف هذه الاستراتيجية إلى تعليم الطفل مهارات التواصل الفعال مع الآخرين، فيُدمج الطفل مع أطفال آخرين في نفس سنه، لمساعدته على التفاعل اجتماعيًا معهم تحت إشراف المعالج النفسي. 

  • إشراك الأبوين في دورات تعليمية

تهدف هذه الدورات إلى تعليم الأبوين أسس التربية السليمة، وكيفية التعامل المثلى مع طفلهم المصاب بهذا الاضطراب.

لكن، ماذا يمكن أن يحدث إذا لم يُعالج اضطراب التعلق التفاعلي مبكرًا؟! 

إذا لم يعالج هذا الاضطراب فقد تستمر أعراضه مع الطفل لبقية حياته. وفي تلك الحالة، يصبح بالغًا مصابًا باضطراب التعلق التفاعلي. 

اضطراب التعلق عند البالغين

يؤثر اضطراب التعلق التفاعلي عند البالغين في حياتهم تأثيرًا بالغًا؛ فيعيق قدرتهم على تكوين علاقات صحية، ويؤثر في ثقتهم في أنفسهم وفي الآخرين، ويحرمهم كذلك من التمتع بصحة نفسية جيدة. 

من أعراض اضطراب التعلق عند البالغين: 

  • عدم القدرة على تكوين علاقات عاطفية. 
  • عدمُ القدرة على إظهار مشاعر المودة والحب للآخرين.
  • عدم الثقة في الآخرين.
  • حب السيطرة.
  • مقاومة مشاعر الحب الصادقة التي يتلقونها من الآخرين، وعدم تصديقها. 
  • فقدان الشعور بالانتماء لأي علاقة.
  • عدم القدرة على فهم مشاعرهم والتعبير عنها.
  • الاندفاع وعدم السيطرة على غضبهم. 
  • كره ذواتهم، والنظر إلى أنفسهم نظرة سلبية.

يعالج اضطراب التعلق عند البالغين عن طريق جلسات المعالجة النفسية، التي يساعدهم فيها المعالج على فهم مشاعرهم وإدارتها بالطريقة الصحيحة، والتخلص من الصورة السلبية التي يحملونها عن أنفسهم وعن الآخرين، وهو ما يساعدهم على زيادة ثقتهم بأنفسهم وبمن حولهم، ومن ثَمَّ القدرة على إقامة علاقات صحية. 

ما الفرق بين اضطراب التعلق المرضي واضطراب التعلق التفاعلي؟ 

قد يخلط بعض الأشخاص بين اضطراب التعلق المرضي واضطراب التعلق التفاعلي -موضوع مقالنا اليوم-، لذا أحببنا أن نوضح الفرق بينهما في سطور قليلة. 

التعلق المرضي يعني التعلق الشديد بشيء ما (فكرة أو مكان أو شخص)، وعدم القدرة على الابتعاد عنه أو تركه، والشعور بالقلق والضغط النفسي من خوف فقدانه. 

يعد هذا النوع من التعلق مَرضيًّا لأنه يعيق صاحبه عن التقدم، ويؤثر سلبًا في حياته وحياة من حوله، ويحرمه من إقامة علاقات صحية وطبيعية مع الآخرين. 

أما اضطراب التعلق التفاعلي فقد تحدثنا عنه باستفاضة في هذا المقال. 

في النهاية -عزيزي القارئ-، طفلك أمانة بين يديك، فتعلم كيف تلبي له احتياجاته بالطريقة الصحيحة التي تنفعه، وتجنب الإهمال والتقصير فيها، لأن ذلك يعد جورًا على حقه، وتضييعًا للأمانة التي أودعك الله إياها. 

المصدر
Reactive attachment disorderReactive Attachment DisorderReactive Attachment DisorderReactive Attachment Disorder Diagnosis in Adults
اظهر المزيد

د. سارة شبل

سارة شبل، طبيبة أسنان وكاتبة محتوى طبي، شغوفة بالبحث والكتابة منذ الصغر، أسعى إلى تبسيط العلوم الطبية وأتوق إلى إثراء المحتوى العلمي العربي، لكي يتمكن يومًا ما من منافسة نظيره الأجنبي بقوة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى