ترياق الأمراض النفسيةعام

اضطراب الشخصية المرتابة | ثورة الشك!

“لماذا تتحدث عني خلف ظهري؟ كن شجاعا وأخبرني الحقيقة”.

“كيف تتناول العشاء مع شخص آخر وتتركني؟! هل أنا نكرة؟!”.

“لقد رمقتني بنظرة غير مريحة!”.

“إنهم يتحدون عليَّ! كلهم ضدي!”.

هذه نماذج من الخواطر التي تجول بخاطر المصاب باضطراب الشخصية المرتابة، إذ يعاني خوفًا شديدًا وذعرًا يكاد
يفطر قلبه، وكأنه جاسوس كُشِفَ أمره أو يكاد!

في هذا المقال، سنتناول تعريف اضطراب الشخصية المرتابة، وأعراضه، وطُرُق علاجه، وكيفية التعامل مع المصاب به.

ما هو اضطرابُ الشخصية المرتابة؟

هو نوع من اضطراب الشخصية يعاني المصاب به أنماطًا غريبة من السلوك والتفكير، ويُطلَق عليه أحيانًا “جنون العظمة”. 

وتُعَدُّ أكثر السمات التي تميز هذا الاضطراب عن غيره انعدام الثقة بالآخرين والشك بهم دون سبب حقيقي.

غالبًا ما يبدأ هذا الاضطراب في مرحلة الطفولة أو المراهقة المبكرة، ويبدو أنه أكثر شيوعًا عند الرجال منه لدى
النساء. 

ويصبح الأشخاص المصابون باضطراب الشخصية المرتابة معرضين بشكل أكبر لخطر الإصابة بالاكتئاب، وتعاطي المخدرات، ورهاب الخلاء.

أسباب اضطرابِ الشخصية المرتابة

لم تُحدَّد بعد الأسباب الدقيقة لاضطراب الشخصية المرتابة، ولكن يُعتقَد أن العوامل الوراثية تؤدي دورًا مهمًا في ظهوره.

ويشيع هذا الاضطراب في كثير من الأحيان بين العائلات التي لديها تاريخ من الفصام واضطراب الوهم.

ويُعتقَد أيضًا أن تجارب الطفولة المبكرة، بما في ذلك الصدمات الجسدية أو العاطفية، قد تؤدي دورًا كبيرًا في تطوير هذا الاضطراب.

ما هي أعراض المصابين باضطراب الشخصية المرتابة؟

يعاني الأفراد المصابون باضطراب الشخصية المرتابة عادةً أعراضًا تتداخل مع حياتهم اليومية. 

وبشكل عام، يشعر الأشخاص المصابون بهذا الاضطراب بحالة غريبة من الشك وعدم الثقة -غير المبرَّر- تجاه الآخرين، مما قد يجعل من الصعب عليهم تكوين علاقات قوية مع الآخرين.

هذا وما يزيد من غرابة هذا الاضطراب هو أن الأشخاص المصابين به لا يرون سلوكاتهم خارجة عن المألوف، فيما يكون واضحًا للجميع أنها سلوكات عدائية ومشبوهة.

وتشمل الأعراض الأخرى لاضطراب الشخصية المرتابة ما يلي:

  • الشعور الدائم بالتعرض للكذب، أو الخداع، أو الاستغلال من قِبَل الآخرين.
  • الاعتقاد بأن الأصدقاء والعائلة والشريك غير جديرين بالثقة وغير مخلصين.
  • نوبات من الغضب الشديد ردًا على هذا الخداع المُتخيَّل.
  • المبالغة في رد الفعل على النقد المتخيل.
  • السيطرة المفرطة في العلاقات من أجل تجنب الاستغلال أو التلاعب.
  • البحث عن المعاني الخفية في الإيماءات والمحادثات.
  • صعوبة في الاسترخاء.
  • تبني آراء سلبية عن الآخرين.
  • فرط الحساسية للنقد.

يمكن أن تكون بعض أعراض اضطرابُ الشخصية المرتابة مشابهة لأعراض اضطرابات أخرى، مثل: الفصام واضطراب الشخصية الحدية، وقد يكون من الصعب تشخيص هذه الاضطرابات بوضوح.

تشخيص اضطرابِ الشخصية المرتابة

على الرغم من عدم وجود اختبارات معملية محددة لتشخيص اضطرابات الشخصية، فقد يستخدم الطبيب اختبارات تشخيصية متنوعة لاستبعاد المرض الجسدي كسبب للأعراض.

في حالة وجود أعراض جسدية، سيبدأ الطبيب في التقييم عن طريق إجراء تاريخ طبي ونفسي كامل،
وفحص جسدي شامل. 

إذا لم يجد الطبيب سببًا جسديًا للأعراض، فقد يحيل الشخص إلى طبيب نفسي متخصص في تشخيص الأمراض العقلية وعلاجها. 

يستخدم الأطباء النفسيون وعلماء النفس أدوات مقابلة وتقييم مصممة خصيصًا لتقييم مرضى اضطراب الشخصية المرتابة.

ما هي مضاعفات اضطرابِ الشخصية المرتابة؟

يمكن أن تؤثر طريقة التفكير والسلوكات الغريبة -المرتبطة بمرض اضطراب الشخصية المرتابة- في قدرة الشخص
المصاب على تكوين العلاقات أو الحفاظ عليها.

كما قد تتسبب صعوبة بناء علاقات اجتماعية سوية في حدوث مشكلات في العمل، ومعارك قانونية، ومشكلات مادية
كثيرة.

علاج اضطرابِ الشخصية المرتابة

في حين أن اضطرابَ الشخصية المرتابةِ هو أحد أكثر اضطرابات الشخصية شيوعًا، إلا أن الأبحاث العلمية حول
كيفية تشخيصه وحول العلاجات الفعالة له ليست كافية أبدًا.

ويرجع السبب الأساسي في ذلك إلى إحجام الأشخاص المصابين بهذه الحالة عن المشاركة في العلاج والأبحاث لعدم اعترافهم بوجود مشكلة.

عادة ما يستخدم الأطباء النفسيون العلاج النفسي في علاج المصابين باضطراب الشخصية المرتابة. 

مع العلاج المستمر والدعم المناسب، يمكن للأشخاص الذين يعانون هذا الاضطراب التحكم في أعراضهم، وتقليل تأثيره في حياتهم اليومية.

تكمن أكبر المشكلات التي تواجه علاج هذا الاضطراب في انعدام الثقة لدى الأشخاص المصابين، مما يجعل من الصعب أن يثقوا بأطبائهم.

ويتضمن علاج اضطرابُ الشخصية المرتابة العلاج النفسي والأدوية.

  • العلاج النفسي

يهدف العلاج النفسي لمريض اضطراب الشخصية المرتابةِ إلى بناء الثقة والتواصل، واحترام الذات والعلاقات الاجتماعية ومهارات الاتصال.

غالبًا ما يكون العلاج السلوكي المعرفي فعالًا في مساعدة الأفراد على تعديل أنماط التفكير المشوهة، والسلوكات غير القادرة على التكيف. 

ولمعرفة معلومات أكثر حول العلاج السلوكي المعرفي، يرجى قراءة هذا المقال.

خلال فترة العلاج، يتعلم الأشخاص كيفية التعرف إلى أنماط التفكير المدمرة أو المزعجة التي لها تأثير سلبي في السلوك. ومن ثَمَّ، كيفية تغييرها.

ومن خلال تحدي هذه الأفكار الشاذة، والعمل على تغيير السلوكات الضارة، قد يصبح الأشخاص المصابون بهذه الحالة أقل تشكًكا من الآخرين -بما في ذلك المقربين-، مما قد يحسن العلاقات الاجتماعية.

وبالإضافة إلى معالجة الأفكار والمعتقدات الضارة، يعمل العلاج المعرفي السلوكي أيضًا على مساعدة المصابين على بناء استجابات أفضل، وردود أفعال أكثر منطقية للمواقف والتفاعلات اليومية.

فبدلًا من الرد على التعليقات بالغضب أو العداء، سيتمكن المصاب من تعلُّم طُرُق أكثر ملاءمة للتحكم في عواطفه وانفعالاته.

  • الأدوية

في حين أن الأدوية لا تُستخدَم عادة لعلاج اضطراب الشخصية المرتابة، ولكن يمكن استخدامها في الحالات التي تسوء فيها الأعراض، أو في حالة وجود حالة أخرى مرتبطة، مثل: الاكتئاب أو القلق.

ولمعرفة كيف تواجه الاكتئاب بشجاعة، اقرأ هذا المقال وحرر نفسك.

قد تتضمن الأدوية الموصوفة مضادات الاكتئاب، ومضادات الذهان، ومضادات القلق

هل يمكن منع اضطرابِ الشخصية المرتابة؟

على الرغم من أن الوقاية من اضطرابِ الشخصية المرتابة قد لا تكون ممكنة أبدًا، إلا أن البدء في العلاج قد يسمح أحيانًا للشخص المعرض لهذه الحالة بتعلم كيفية التكيف مع هذا الاضطراب.

كيف يمكنك بناء جسر من الثقة بينك وبين مريض اضطرابِ الشخصية المرتابة؟

كم هو مؤلم ومربك لك أن تكون صديقًا لشخص مصاب بهذا الاضطراب! ولكن، حاول أن تتذكر دائمًا أن سلوكاته وتفكيره المشوه هذا لا ينبع إلا من الخوف. 

فعلى الرغم من أن معتقداته لا أساس لها في الواقع، إلا أن الخوف والقلق والضيق الذي يعانيه حقيقي للغاية، ومؤلم جدًا بالنسبة له.

لذا، إليك بضع نصائح للتعامل الأمثل مع المصاب بهذا الاضطراب:

  • تعرَّف إلى آلامه

ليس عليك أن توافق على أفكاره التي لا أساس لها، ولكن يكفي أن تتفهم المشاعر التي تغذي هذه المعتقدات، وتخبره أنك رفيقه على أية حال؛ فقد يساعد الإحساس بألمه على الشعور بمزيد من الأمان والتنفيس عن غضبه.

  • لا تجادل بشأن معتقداته الخاطئة 

اعلم أن المصاب بهذا الاضطراب يسيء تفسير الأحداث على أنها تهديد. لذا، فمحاولة مجادلته بعقلانية لن تؤدي إلا إلى تعزيز اعتقاده بأنك أحد هؤلاء الذين يهددونه، بل أنت أخطرهم!

بدلًا من ذلك، احترم أفكاره، وركز على المخاوف الكامنة وراء ادعاءاته. ويمكن أن يساعد التحدث بصراحة عمَّا يشعر به -دون إثبات صحة تفكيره- في تقليل التوتر والقلق.

  • بسِّط طريقة تواصلك معه

حاول استخدام لغة واضحة لا لبس فيها لتقليل فرصة سوء تفسيره لما تقوله. وإذا بدأ في تحريف كلماتك، قدم توضيحًا دون أن تصبح دفاعيًا؛ فذلك يغذي أفكاره.

وختامًا…

لا شيء أقسى من أن تشعر بالارتياب في كل شيء؛ فذلك مدعاة لذهاب العقل، واضطراب القلب. لذلك، كن عونًا لرفيقك وإن ارتاب في ولائك له؛ فليس على المريض حرج!

المصدر
Paranoid Personality DisorderParanoid Personality DisorderPersonality DisorderParanoiaParanoid Personality DisorderParanoid Personality Disorder
اظهر المزيد

د. محمود الرزاز

محمود الرزاز، صيدلي اكلينيكي، و أخصائي معلومات طبية، استمتع بالبحث عن الدليل العلمي، ومهتم بوصول المعلومات الطبية الحديثة للقاريء بلغة بسيطة و مفهومة، في ظل فوضى انتشار المعلومات غير الدقيقة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق