ترياق الأمراض النفسية

اضطراب العناد الشارد “Oppositional Defiant Disorder”

“لا، لن أفعل ذلك.”

“أنا حر، أفعل ما أريد.”

حتمًا سَمِعَت جميع الأمهات تلك العبارات من أطفالهن في مرحلة ما من حياتهم، خاصةً عندما يبلغ الصغير العامين من عمره، حيث تصبح كلمة “لا” هي الرد الرسمي على كل شيء. 

أما في مرحلة المراهقة.. فحَدِّث ولا حرج! 

تصبح وتمسي الأمهات على كابوس اسمه العناد، حيث لا شيء يُرْضِي الطفل، وهو غاضب وحانق طوال الوقت. 

وما بين عبارتي “ابنك عنيد وسيء السلوك” و “هذا العند دليل على قوة شخصيته” -التي تسمعهما الأم غالبًا من الجدات والصديقات- تقع المسكينة في حيرة!

لا تحتاري عزيزتي، فمن أجلك كتبنا سطور هذا المقال عن اضطراب العناد الشارد.

هيا بنا لنعرف سويًّا متى يكون عناد طفلك دليلًا على استقلاليته وقوة شخصيته، ومتى يصبح اضطرابًا يستحق التدخل الطبي.

ما هو اضطراب العناد الشارد؟ 

اضطراب العناد الشارد -أو كما يطلق عليه البعض “اضطراب التحدي المعارض”- هو حالة يكون فيها الطفل أو المراهق دائم الغضب والانفعال، ومجادلًا في كل شيء، كما يظهر نمطًا سلوكيًّا متحَديًا ورافضًا لسلطة الأبوين والمعلمين. 

جدير بالذكر أن جميع الأبناء ينتهجون هذا السلوك في مرحلة ما من طفولتهم وبداية مراهقتهم، وقد تكون هذه السلوكيات دليلًا على قوة الشخصية، لكنها في نفس الوقت قد تكون مؤشرًا لإصابة الطفل باضطراب العناد الشارد. 

إذن، كيف نفرق بين سلوكيات العند الطبيعية عند الأطفال وبين تلك التي تعد اضطرابًا، وتستلزم تدخل الأطباء والخبراء؟ 

تعد سلوكيات العناد والتحدي اضطرابًا عندما:

 

  • تكون مستمرة طوال الوقت.
  • تؤثر على حياة الطفل الدراسية والاجتماعية.
  • تؤثر على علاقة الطفل بوالديه والمحيطين به.  

في بعض الأحيان، إذا لم تشخص حالة الطفل وتعالج في مرحلة الطفولة والمراهقة، فقد يصاب في الكبر بـ”اضطراب التحدي المعارض للبالغين”، والذي سنذكر أعراضه لاحقًا في السطور القادمة من هذا المقال.

أعراض اضطراب العناد الشارد “Oppositional Defiant Disorder”

اضطراب العناد الشارد عند الأطفال

تتمثل أعراض اضطراب العناد عند الأطفال والمراهقين في السلوكيات الآتية:

  • نوبات من الغضب المتكرر.
  • التهيج وعدم السيطرة على الانفعالات.
  • رفض الامتثال لأوامر الكبار والبالغين.
  • الإفراط في الجدال.
  • تجاهل التعليمات والمجادلة الدائمة بشأنها.
  • تعمد إثارة ضيق وغضب الآخرين -خاصةً ذوي السلطة عليهم مثل الوالدين والمعلمين.
  • لوم الآخرين على أخطائهم وسوء تصرفاتهم.
  • حب الانتقام.

إذا اختلط الأمر على المربين وظنوا أن تلك التصرفات طبيعية؛ فربما لا يخضع الطفل للعلاج وتقويم السلوك، وبالتالي يكبر وتستمر معه تلك الأعراض على نحو أكثر شمولًا. 

أعراض اضطراب العناد الشارد لدى البالغين:

  • الشعور بالغضب تجاه العالم.
  • الشعور بأنه غير محبوب ولا أحد يفهمه.
  • رفض جميع أنواع السلطة بما فيها سلطة رؤسائه في العمل.
  • التمرد على القوانين والقواعد.
  • الدفاع المستميت عن أنفسهم، وعدم تقبل النقد والنصح.
  • لوم الآخرين على أخطائهم وإخفاقهم.

لذلك، فاكتشاف هذا الاضطراب مبكرًا لدى الطفل أو المراهق والسعي لطلب العلاج هو أمر ضروري، سيجنب الطفل الكثير من المشاكل عندما يكبر ويواجه العالم. 

إذا عُرِفَ السبب بَطُلَ العجب!  

لذا، هيا بنا لنكتشف سويًّا مسببات هذا الاضطراب عند الأطفال. 

أسباب اضطراب العناد الشارد

لا يعلم الباحثون سببًا أكيدًا لنشأة اضطراب العناد الشارد، ولكنهم وضعوا بعض النظريات التي قد تفسر هذا السلوك العنيد. 

1- نظرية التطور المعرفي والإدراكي

تعتقد هذه النظرية أن نشأة ذلك السلوك ترجع إلى سنوات عمر الطفل الأولى. 

في الثلاثة أعوام الأولى من عمره، يكون الطفل مرتبطًا عاطفيًا بوالديه، ويعتقد أنه محور الكون، وأن الجميع مسؤول عن إرضائه. 

تنشأ مشكلة اضطراب العناد الشارد عندما يفشل الابن في أن يصبح مستقلًا، وأن ينفصل عاطفيًا عن والديه، فيعتقد أنه ما زال طفلًا صغيرًا يدور الجميع في فلك إرضاء رغباته، ولا يستطيع أحد أن يفرض عليه فعلًا أو قولًا. 

2- نظرية التعلم 

تعتقد هذه النظرية أن سلوكيات العناد عند الأطفال هي سلوكيات مكتسبة، تعكس طريقة تعامل الوالدين مع طفلهم. 

عندما يكون الوالدان والمحيطون بالطفل كثيري الانتقاد والتعليق على أفعاله، يلجأ الطفل إلى تلك السلوكيات لجذب انتباههم، لأنه يعلم أنه بذلك سيثير سخطهم ويكون محور اهتمامهم. 

ما العوامل التي قد تساعد في إصابة الطفل باضطراب العناد الشارد؟

تزداد لدى فئة معينة من الأطفال احتمالية الإصابة باضطراب التحدي المعارض”Oppositional Defiant Disorder”، وهم:

1- الطفل المزاجي: وهو الطفل الذي يواجه مشكلات تجاه إدارة مشاعره والتعبير عنها، وغالبًا ما تكون ردود أفعاله تجاه المواقف المختلفة مبالغًا فيها وغير مناسبة للموقف. 

2- الطفل الذي يواجه مشاكل في طريقة تربيته: مثل الطفل المدلل، أو الذي تتعارض طريقة كل من الأب والأم في تقويم سلوكه؛ فأحدهم متساهل والآخر شديد التحكم. وأيضًا الطفل الذي يتعرض للإهمال والتعنيف من قِبل والديه. 

3- الطفل الذي يواجه مشاكل عائلية، مثل: انفصال والديه، أو وفاة أحد الوالدين. 

بعد أن عرفنا كل تلك الأمور عن اضطراب العناد الشارد، ماذا يمكنك أن تفعل إذا اكتشفت إصابة طفلك به؟ 

هذا ما سنجيب عنه في الأسطر القادمة. 

علاج العند عند الأطفال 

كما ذكرنا سابقًا، فالتدخل المبكر لحل مشكلة العناد عند الأطفال هو الحل الأمثل، الذي سيجنب الطفل الكثير من المشاكل والاضطرابات النفسية في المستقبل. 

وتعتمد الخطة العلاجية على عدة محاور:

1- العلاج السلوكي المعرفي

وفيه يُعَلِّم المعالج النفسي الطفل عدة مهارات هامة، مثل:

  • مهارة حل المشكلات.
  • مهارة التحكم في الغضب
  • مهارة التحكم في الانفعال.
  • مهارات التواصل مع الآخرين. 

كما يستطيع المعالج في تلك المرحلة استكشاف الأسباب المؤدية لهذا السلوك، ويتعامل مع كل سبب على حدة. 

2- العلاج الأسري

في تلك المرحلة، يعمل المعالج النفسي مع جميع أفراد العائلة ليحقق النتيجة المرجوة من العلاج، حيث يُعَلِّم الوالدين طرق التعامل المناسبة مع الطفل. 

3- العلاج عن طريق التفاعل بين الطفل والوالدين

حيث يراقب المعالج طرق تعامل الأب والأم مع طفلهما، ويوجههما إذا لزم الأمر، كما يعلمهما أساليب تربوية أخرى مفيدة وفعالة. 

4- مجموعات القرناء

حيث يدمج الطفل وسط تجمعات من أطفال آخرين في نفس عمره تقريبًا، ليتعلم كيف يحسن مهاراته الاجتماعية وعلاقاته مع الآخرين. 

5- العلاج بالأدوية

لا يوجد علاج محدد لاضطراب العناد الشارد عند الأطفال، ولكن بعض الأطباء قد يلجأون إلى الأدوية عندما يكون هناك اضطراب نفسي آخر قد ساعد في ظهور أعراضه، مثل: اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه أو الاكتئاب. 

لأن الوقاية خير من العلاج، إليكم بعض النصائح التي قد تساعد في وقاية الطفل من هذا الاضطراب. 

طرق الوقاية من اضطراب العناد الشارد 

لا توجد وسيلة معينة يمكنها أن تمنع ظهور أعراض العناد عند الأطفال، لكن توجد بعض الطرق التي من شأنها التخفيف من تلك السلوكيات، ومنع تطورها إلى اضطرابات أخطر، مثل:

  • الملاحظة الجيدة لسلوكيات الطفل، والانتباه لأي تغير قد يطرأ عليها. 
  • طلب المساعدة من المختصين إذا لوحظ أن تصرفات الطفل زائدة عن الحد. 
  • الانتباه الجيد لفترات الانتكاسات، والتدخل السريع لتداركها.  
  • توفير بيئة نفسية صحية وداعمة للطفل داخل المنزل. 

ختامًا، فإن عناد الأبناء هو أمر مرهق للغاية، يستنزف طاقة الآباء والأمهات، لكن التعامل الصحيح معه والتدخل في الوقت المناسب كفيلان بحل تلك المشكلة ومساعدة أبنائنا على تخطي الأزمة بشكل صحي.

المصدر
Oppositional defiant disorder (ODD)Oppositional Defiant DisorderOppositional Defiant Disorder BasicsWhat Is Oppositional Defiant Disorder?
اظهر المزيد

د. سارة شبل

سارة شبل، طبيبة أسنان وكاتبة محتوى طبي، شغوفة بالبحث والكتابة منذ الصغر، أسعى إلى تبسيط العلوم الطبية وأتوق إلى إثراء المحتوى العلمي العربي، لكي يتمكن يومًا ما من منافسة نظيره الأجنبي بقوة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق