ترياق الأمراض النفسية

اضطراب بيكا (Pica) – ما لذ وطاب من الطين والتراب!

كنتُ في زيارة عائلية عندما رأيت قريبتي تُطارد ابنتها الرضيعة؛ في محاولة يائسة لمنعها من بلع كَومة شعر التَقَطتها من الأرض.

ثم جلست قريبتي وهتفت متأففة: “لا أدري ما بالها لا تكف عن التقاط القاذورات كأنها مكنسة كهربائية ذات كفاءة عالية!“.

هدَّأت الأمهات الأكبر سنًّا من رَوعِها، وأخبرنْها أن الأمر طبيعي في مثل هذا العمر.

فالأطفال في عمرها يميلون لوضع أي شيء تطاله أيديهم في أفواههم؛ تلك طريقتهم في اكتشاف العالم من حولهم.

شردت بذهني قليلًا وتذكرت فقرة قرأتها بعنوان: (صدق أو لا تصدق – اضطراب بيكا!)؛ عن رجل يشتهي أكل الزجاج، وآخر يرى في الطين والتراب وجبة غنية!

لذا، ستسمعني -في هذا المقال- أُحدِّثُ أقاربي عن ماهية اضطراب بيكا وأسبابه المحتملة ومخاطره وطرق علاجه؛ فاتبعني.

ما هو اضطراب بيكا (Pica)؟ 

يعد اضطراب بيكا (Pica) أو “اضطراب العقعقة” واحدًا من اضطرابات الأكل التي يشتهي فيها الفرد موادَّ غير صالحة للأكل، ولا تحمل أي فائدة غذائية. 

ومن أمثلة تلك المواد: 

  • الشعر
  • الطلاء
  • الطين والتراب
  • الصابون
  • الورق
  • الصوف
  • الثلج
  • الصمغ
  • الطباشير
  • أعقاب السجائر
  • القطع المعدنية 

ويظهر هذا الاضطراب -عادة- عند الأطفال والحوامل، ويستمر لفترة وجيزة. 

ويشيع كذلك بين الأشخاص الذين يعانون من الإعاقة العقلية، ويزداد الأمر سوءًا كلما كانت الحالة العقلية أكثر تأخرًا.

جحظت عينا قريبتي، وهتفت ملتاعة: “هل معنى ذلك أن طفلتي تعاني من اضطراب بيكا؟!

أجبتها مسرعة: “لا! لا داعي للقلق؛ إذ يعد ذلك السلوك سلوكًا تطوريًّا طبيعيًّا لدى الأطفال دون الثانية من العمر، ويختفي بمرور الوقت.

كيف يُشخَّص اضطراب بيكا؟

كيف يشخص اضطراب بيكا

يعتمد الطبيب على التاريخ الصحي للفرد ليتمكن من تشخيص متلازمة بيكا (Pica syndrome). 

فإذا لم يتمكن الفرد من التوقف عن تناول المواد غير الصالحة للأكل لأكثر من شهر كان ذلك دليلًا على وجود مشكلة.

ويشترط ألا يكون تناول تلك المواد جزءًا من ثقافة المجتمع الذي نشأ فيه الفرد، وألا يكون عمره أقل من عامين؛ إذ يعتبر حينها الأمر طبيعيًّا.

ويمكن للطبيب كذلك الاستعانة ببعض الفحوصات، لا لتشخيص اضطراب بيكا بشكل مباشر؛ ولكن لتحديد أسبابه المحتملة ومضاعفاته.

فقد تُبيّن الفحوصات -مثلًا- وجود مضاعفات خطيرة -نتيجة تناول تلك المواد غير الصالحة للأكل- كالانسداد المعوي والتسمم.

ويبحث الطبيب أيضًا عن وجود أي مشاكل أخرى مرتبطة باضطراب بيكا، مثل: الإعاقة الذهنية أو الأنيميا أو الوسواس القهري أو الفصام.

ومن أمثلة الفحوصات والتحاليل التي قد يطلبها الطبيب: 

  • صورة دم كاملة؛ للتحقق من وجود أنيميا.
  • قياس نسبة بعض العناصر مثل الحديد والزنك.
  • عينة براز؛ للكشف عن وجود أي عدوى طفيلية.
  • أشعة سينية؛ للكشف عن أي انسداد في القناة الهضمية.

ما هي أسباب اضطراب بيكا؟

لا يمكن تحديد الأسباب المباشرة لاضطراب بيكا على وجه الدقة، ولكن هناك عددًا من الأسباب التي يمكن ربطها في بعض الأحيان بهذا الاضطراب، مثل:

  1. نقص بعض العناصر الغذائية: 

يُعتقد أن المصاب يحاول تعويض نقص بعض العناصر كما هو الحال في أنيميا نقص الحديد، ووجِد أن تصحيح ذلك النقص يُحسِّن الأعراض. 

وقد يرتبط الحمل باشتهاء لبعض المواد غير الصالحة للأكل، ولكنه لا يمثل أي مشكلة ما لم تحاول الأم تناول موادَّ ضارة بالفعل.

  1. وجود اضطرابات نفسية:

يقترح أيضًا أن لبعض الاضطرابات النفسية -كالفصام والوسواس القهري- يد في ظهور اضطراب بيكا؛ إذ يلجأ إليها المصاب كإحدى آليات التأقلم.

ويعتقد أيضًا أن النشأة في عائلة مفككة قد يؤدي إلى ظهور اضطراب بيكا؛ كأحد أنواع التنفيس عن التوتر العصبي.

  1. وجود اضطرابات النمو: 

يواجه المصاب بالتوحد أو الإعاقة العقلية تحديًا أكبر في رحلة العلاج؛ إذ يتطلب الأمر الكثير من الوقت والجهد لتدريبه على ترك تلك العادة.

  1. العادات والتقاليد: 

تعتمد بعض الثقافات على أكل الطين والتراب كنوع من الطقوس الدينية، أو كجزء من الطب الشعبي، ولا يصنف الأمر حينها اضطرابًا وإنما جزء من الموروثات الشعبية!

ما هي مخاطر اضطراب بيكا؟

إن تخيُّل المخاطر الناجمة عن اضطراب بيكا ليس بالأمر الصعب، وربما تستطيع تخمين عددًا من هذه المخاطر قبل أن تواصل قراءة هذا المقال.

فعلى سبيل المثال: 

  1. التسمم: 

يُعد ذلك واحدًا من أخطر مضاعفات هذا الاضطراب؛ فالطلاء -مثلًا- يحتوي على كمية سامة من الرصاص وغيره من المواد الخطرة. 

ويُحدِث الرصاص ضررًا بالغًا في دماغ طفلك، ويؤدي إلى إصابته بالتأخر العقلي، ومعاناته من مشاكل التعلم والنمو، إذا استمر في تناوله لفترة طويلة.

  1. انسداد القنوات الهضمية: 

قد يتعرض المريض للإمساك أو لانسداد الأمعاء نتيجة ابتلاع بعض الصخور أو المواد الصلبة؛ فالجهاز الهضمي غير مهيأ لاستقبالها.

ويمكن لبعض القطع الحادة أن تحدث جروحًا بالمريء والأمعاء.

  1. الإصابة بعدوى بكتيرية أو طفيلية:

يرتبط أكل الطين والتراب والمواد الملوثة بالإصابة بالطفيليات التي تتخذ من التربة ملاذًا آمنًا وبيئة خصبة لتكاثرها.

  1. الاختناق:

قد يتعرض بعض الأطفال للاختناق عند محاولة بلع أجسام صلبة -كالقطع المعدنية والأحجار الصغيرة.

  1. نقص في العناصر الغذائية:

لا تقدم تلك المواد غير الصالحة للأكل قيمة غذائية حقيقية، وقد تتداخل مع تناول الأطعمة الصحية، مما يحرم المصاب من العناصر الغذائية المهمة.

  1. تآكل الأسنان: 

يشيع ذلك بين الأطفال المصابين بالتوحد ممن يستمرون في مضغ المواد الصلبة لفترة طويلة.

ما علاج اضطراب بيكا؟

لابد من تضافر جهود كل من الأهل والطبيب المختص لعلاج تلك المشكلة؛ فرحلة العلاج تتضمن الآتي: 

  • علاجًا غذائيًا: يهدف لتعويض العناصر الغذائية المهمة كعلاج أساسي.
  • علاجًا سلوكيًّا: تختلف مدته باختلاف الحالة وأسباب الاضطراب.
  • علاجًا دوائيًّا: للتحكم في أعراض الاضطرابات السلوكية والنفسية الأخرى.
  • علاج المضاعفات: مثل التسمم بالرصاص والانسداد المعوي.

العلاج الغذائي

يعد ذلك واحدًا من أهم خطوات العلاج. 

سيطلب طبيبك مجموعة من التحاليل؛ للتحقق من وجود أنيميا نقص الحديد أو أي مشكلة متعلقة بنقص أحد العناصر الغذائية. 

ويضع بعدها خطة غذائية متكاملة، وقد يزودك ببعض الفيتامينات والمكملات الغذائية لتعويض ذلك النقص.

العلاج السلوكي

يقيِّم المعالج النفسي سلوك طفلك ويساعدك على تقليل اضطراب بيكا لديه مستخدمًا مجموعة من الخطوات، مثل:

  • إبعاد المواد التي قد يحاول طفلك تناولها عن ناظريه.
  • التدخل لمنع تناول تلك المواد كلما حاول الطفل ذلك.
  • صرف انتباه الطفل بنشاط ما بعيدًا عن تلك المواد -كالقراءة والألعاب.
  • إضافة بعض الروائح أو الأطعمة المنفرة؛ كي يبتعد الطفل عن تلك المواد. 
  • تشجيعه على إلقاء المواد الضارة بعيدًا، أو إعادتها إلى البالغين.
  • وضع نظام مكافأة إذا التزم الطفل بتناول طعامه الصحي عوضًا عن المواد الضارة.

علاج المضاعفات

إذا تعرض الطفل للتسمم بالرصاص -مثلًا- فمن المحتمل أن يلجأ الطبيب إلى العلاج بالاستخلاب؛ أي بلع أقراص معينة ترتبط بالرصاص فتمنع امتصاصه.

وهنا، أنهيتُ خطبتي العصماء عن اضطراب بيكا، بينما ترمقني الأمهات الأكبر سنًّا بنظرات يتطاير منها الشرر؛ لما أثَرْته من ضجة وهلع! 

ربما ليس من الحكمة، يا صديقي العزيز، أن تذكر ذلك الاضطراب أمام جمع من الأمهات الغاضبات!

ولكنك صرت الآن تعرف ما أعرفه من أسرار عن هذا الاضطراب الغريب، فصدِّق أو لا تُصدِّق!

المصدر
Eating disorder - Pica Pica - MSD manualsWhat is Pica?Mental health and PicaAn update on Pica: Prevalence, contributing causes and treatmentPregnancy and PicaManagement of pica: A medical enigma
اظهر المزيد

د. لميس ضياء

صيدلانية إكلينيكية، قضيت شطرًا من عمري بحثًا عن العلم، وأنوي قضاء الشطر الآخر في تبسيط ما تعلمته وتقديمه بلغة سهلة مستساغة للجميع. تستهويني النفس البشرية وأسعى دومًا لسبر أغوارها، وفك طلاسمها، وفهم ما قد يؤرقها من اضطرابات واعتلالات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق