ترياق الأمراض النفسية

كيف أعرف أني مصاب بـ اضطراب ثنائي القطب ؟

«لم يدُر يومًا بخلدي أنني مريضة… عقلي لم يصور لي الأمر مطلقًا!
لكني ما إن انتهيت من سماع محاضرة “الاكتئاب” في مقرر علم النفس، إلا وهرعت إلى (عيادة الطلبة) وفي نيتي طلب مقابلة الطبيب النفسي…
وصلت إلى سلم العيادة، ولكن عجزت قدماي عن الصعود، فجلست على السلم كالمشلولة!
انتابني شعور بالخوف والعار… لم أقدر على دخول العيادة ولا حتى مغادرتها!
بقيت هناك، حاملة رأسي بين يداي، لم تكف عيناي عن ذرف الدموع لأكثر من ساعة!
ثم غادرت المكان، ولم أعد إليه مرة أخرى.
في نهاية المطاف، اختفى الاكتئاب لفترة طويلة حتى ظننت أنني شفيت منه تمامًا، لم يخطر ببالي أنه كان يحشد قواه لهجمته الشرسة!»


هكذا سجلت الدكتورة كاي جاميسون (المتخصصة في علم النفس) سيرتها الذاتية، وكيف واجهت “اضطراب الهوس الاكتئابي” أو ما يُعرف حاليًا بـ “اضطراب ثنائي القطب”، في كتابها (عقل غير هادئ).

واليوم، سأعرض لك -عزيزي القارئ- كل ما تحتاج معرفته عن هذا الاضطراب؛ لتحصل على معلومات وافية وتجيب نفسك المتسائلة: كيف أعرف أني مصاب بـ “اضطراب ثنائي القطب”؟

ما هو اضطراب ثنائي القطب ؟


اضطراب عقلي يتأرجح فيه المزاج بين قمة جبل وقاعه، حيث “الهوس” يُشكل القمة وفي القاع تجد “الاكتئاب”.
وأحيانًا يلتقيان -القمة والقاع- معًا، فيعاني الشخص الهوس والاكتئاب في اَنٍ واحد!

بالطبع يا عزيزي، من الطبيعي أن يتغير مزاجك حسب ظروف الحياة، فتُسحق حزنًا عندما تواجه موقفًا مؤلمًا وتشدو فرحًا عندما تحقق النجاح.
لكن الأمر ليس هكذا في اضطراب ثنائي القطب، فما يعانيه المريض بهذا الاضطراب من نوبات متتالية من الهوس والاكتئاب يختلف عن ذاك الشعور الطبيعي بالسعادة أو الحزن. 

إنه مرض يقلب حياة المريض رأسًا على عقب، إذ يؤثر في دراسته وعمله وعلاقاته، وقد يدفعه للانتحار.

كيف أعرف أني مصاب بـ اضطراب ثنائي القطب ؟

كيف أعرف أني مصاب بـ اضطراب ثنائي القطب ؟

للإجابة عن هذا السؤال، عليك أولًا أن تتعرف إلى عناصر هذا الاضطراب.


1. الهوس والهوس الخفيف

يعرَّف الهوس بأنه ارتفاع مزاج الشخص، فيصبح مبتهجًا بشكل غير طبيعي، مع ارتفاع مستويات الطاقة والإثارة لمدة أسبوع على الأقل.

أعراض الهوس الخفيف أقل وطأة، وقد يستمر لمدة أطول تصل إلى عامين، كما في اضطراب دوروية المزاج.

قالت الدكتورة “كاي” واصفة إحدى نوبات هوسها:
«عندما بدأت النوبة، كل شيء بدا سهلًا…
كنت أجري بسرعة، منطلقة بخطط حماسية، وأسهر طوال الليل، وأقرأ كل شيء يقع تحت يدي.

 أضع خططًا مفصلة مترفة وغير واقعية لمستقبلي…
العالم كان مليئًا بالسرور، وشعرت أنني رائعة، لقد شعرت أنني أستطيع أن أصنع أي شيء!»


أعراض الهوس قد تكون:

  • الثقة الزائدة بالنفس، والشعور بالعظمة.
  • قلة النوم، وانخفاض الحاجة إليه.
  • التحدث سريعًا وكثيرًا.
  •  سهولة التشتت، وتزاحم الأفكار.
  • الإسراف في التسوق؛ مما قد يؤدي إلى تراكم الديون. 

2. الاكتئاب

هو الشعور الدائم بالحزن وفقدان الشغف، وعدم القدرة على أداء الأنشطة اليومية أو الاختلاط بالناس.

«وفجأة، انقلب عقلي ضدي!
لم يعد قادرًا على التركيز، وأصبح يدور باستمرار حول موضوع واحد هو الموت.
كنت منهكة تمامًا، وبالكاد أستطيع أن أسحب نفسي من السرير في الصباح!
كنت أشعر بالفزع عند مخاطبة الناس، وتجنبت أصدقائي قدر المستطاع.»

في “اضطراب ثنائي القطب الوجداني”، يعاني الشخص نوبات اكتئاب حادة تستمر لأسبوعين على الأقل، وقد تأتي النوبة على هيئة:

  • الأكل بشراهة أو انعدام الشهية.
  • النوم الكثير أو الأرق.
  • عدم القدرة على التركيز.
  • الشعور بالذنب وانعدام القيمة.
  • أفكار عن الموت، ومحاولات الانتحار.

الاَن، وبعد أن عرفت أنَّ الاضطراب يتكون من نوبات اكتئاب وهوس أو هوس خفيف، وعرفت أعراض هذه النوبات، يتبقى أن تتعرف إلى أنواع الاضطراب وطرق العلاج؟

وهنا يأتي دور التشخيص.

تشخيص اضطراب ثنائي القطب

تشخيص هذا الاضطراب ليس سهلًا؛ وذلك لعدة أسباب أهمها:

  • أنك قد لا تشعر بأنك مريض -خصوصًا في نوبات الهوس الخفيف-، وأن ارتفاع المزاج والطاقة ما هو إلا امتداد لطبيعتك الحماسية.
  • وجود عدَة اضطرابات عقلية وأمراض عضوية تشترك في نفس الأعراض.



لذا؛ لو واجهت تقلبًا مزاجيًّا يزعجك ويفسد يومك، لا تتردد واستشر متخصصًا.

لا يوجد تحليل بعينه لتشخيص “اضطراب ثنائي القطب”، لكن طبيبك سيطلب منك بعض التحاليل لاستبعاد الأمراض الأخرى، مثل: تحليل البول واختبار وظائف الغدة الدرقية، وذلك بعد الفحص البدني.

يقيِّم الطبيب النفسي الصحة النفسية والعقلية بصورة عامة، ويسأل عن الأعراض الخاصة بالاضطراب: متى ظهرت؟ ما الذي يحفزها للظهور؟ كيف تؤثر في حياتك؟
ويطلب منك متابعة تغيرات مزاجك وتدوينها، مع تسجيل عدد ساعات النوم اليومية، وقد يستعين بأحد المقاييس النفسية.

يسأل الطبيب أيضًا عن التاريخ المرضي للعائلة: هل يعاني أحد أقارب الدرجة الأولى من نفس الحالة؟
ويسأل كذلك عن بعض عوامل الخطر، مثل: الاعتداء الجسدي أو الجنسي، وتعاطي المخدرات، وموت أحد أفراد العائلة، وأي ضغط عصبي شديد.

بعد عدة جلسات يقرر الطبيب النفسي ما إذا كانت الحالة “اضطراب ثنائي القطب الوجداني” أو أنها تنتمي إلى اضطراب ثنائي القطب من النوع الأول أو النوع الثاني أو اضطراب دوروية المزاج، وذلك على حسب: 

  1. شكل النوبات. 
  2. مدة استمرارها.
  3. معدل ترددها.

علاج اضطراب ثنائي القطب

علاج اضطراب ثنائي القطب

إذا كنت ما زلت تُتابعني، فأنت حتمًا تستطيع الآن الإجابة عن السؤال: “كيف أعرف أني مصاب باضطراب ثنائي القطب؟”

ومن ثم يأتي دور السؤال التالي: أيوجد علاج لهذا الاضطراب؟

والجواب: لا يوجد علاج يقضي تمامًا على “اضطراب ثنائي القطب”، لكن الخطة العلاجية تسيطر على الأعراض وتتحكم في المزاج.

العلاج الدوائي

  • مثبتات المزاج
    تسيطر على نوبات الهوس والهوس الخفيف، مثل الليثيوم.
  • مضادات الاكتئاب
    تسيطر على نوبات الاكتئاب، ولكن قد ينتج عنها الدخول في نوبة هوس إذا أُعطيت بمفردها، لذا تُؤخذ مع مثبتات المزاج أو مضادات الذهان.
  • مضادات الذهان
    تُضاف إلى العلاج في حالة استمرار الأعراض رغم تناول الأدوية، أو تؤخذ بمفردها.
  • مضادات القلق
    تُستخدم لمدة قصيرة من أجل تحسين النوم، أو في حالة وجود أعراض اضطراب القلق.

العلاج النفسي

  • العلاج السلوكي المعرفي
    يحدد الأفكار والتصرفات السلبية ويستبدلها بأخرى إيجابية، ويعلِّم أساليب التعامل مع الضغط العصبي.
  • علاج الإيقاع الشخصي المتناسق
    يضع روتينًا يوميًّا يحدد وقتًا ثابتًا للنوم والاستيقاظ والأكل.
  • التربية النفسية
  • العلاج الأسري

خيارات علاجية أخرى

  • العلاج بالصدمات الكهربائية
    يُستخدم في الحالات الشديدة التي لا تستجيب للعلاج، أو بعد محاولات الانتحار.
  • التحفيز المغناطيسي عبر الجمجمة
    أحدث وسائل تحفيز الدماغ، وتعالج أنواع الاكتئاب المختلفة.
  •  المكملات والأعشاب
    مثل: زيت السمك وبعض الأعشاب والزهور.
    لكنها لا تُغني عن الأدوية أبدًا، ويجب أن تخبر طبيبك إذا كنت تستخدمها.

ماذا أفعل؟

الحياة في ظل “اضطراب ثنائي القطب” تبدو حملًا ثقيلًا، وفكرة تناول العقاقير مرعبة للكثيرين.
لذا؛ يعزف عنها كثير من المرضى، بل ويتجاهل بعضهم الأعراض ويُسكت نفسه الحائرة السائلة: كيف أعرف أني مصاب باضطراب ثنائي القطب؟!

لكن عزيزي إذا لاحظت الأعراض، وبدأت رحلة التشخيص والعلاج، أرجوك لا تتوقف، تابع المسير وتناول الأدوية كما وصفها لك الطبيب.

إن التزامك بخطة العلاج يضمن لك التحكم في مزاجك وطاقتك، وبالتالي في حياتك.

في النهاية، أقدم لك بعض النصائح التي تساعدك في أن تحيا حياة طبيعية سعيدة ومنتجة:

  • مارس الرياضة بانتظام.
  • تأكد من حصولك على قسط كافٍ من النوم.
  • تناول الوجَبات الصحية.
  • مارس اليوجا لمقاومة التوتر.
  • دوّن ما تشعر به وناقشه مع طبيبك.

بقلم د/ سارة عصام فهمي

المصدر
Everything You Need to Know About Bipolar Disorder
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق