ترياق المرأة

مدة اكتئاب ما بعد الولادة

“الأُمُّ مَدرَسَةٌ إِذا أَعدَدتَها .. أَعدَدتَ شَعباً طَيِّبَ الأَعراقِ”!

مَنْ مِنَّا لا يعشق أمه؟! مَن مِنَّا لا يتمنى ألا يفارقها أبدًا؟! مَنْ مِنَّا لا يهرب إلى حضنها فى حزنه؟!

ندرك جميعًا دور الأم في حياتنا، وأنها نبراس ينير أيامنا، ونبع الحنان الذي يمحو آلامنا، ولكن هل ندرك الدور العظيم والحمل الثقيل الذي مرت به؟

أحدثكم بعد ولادة طفلي؛ فقد مررت بتجربة أليمة أشعرتني أن كل ما ننشده -وما نفعله- طوال الوقت للأم لن يوفيها حقًّا من حقوقها.

لم أكن أعرف ماذا حدث لي، لِمَ كل هذا الحزن الذي أشعر به؟ لماذا أخاف أن أحمل طفلي وفي نفس الوقت أخاف عليه؟ أليس هذا هو اليوم الذى طالما انتظرته كي تقر عيني بفلذة كبدي؟! لقد أُصِبتُ باكتئاب ما بعد الولادة، ذلك الوحش الذى ينهش فرحة الأم بصغيرها!

على الرغم من طبيعة الشعور بالقلق بعد الولادة، إلا أن بعض الأمهات يزداد لديهن هذا الشعور. ومع قلة النوم، وزيادة المسؤولية الملقاة على عاتقهن، يصبح لديهن شعور بالوحدة والاكتئاب، وكأنهن يغرقن فى بحر عميق ما له من منقِذ، ولا يحُدُّه بر!

لذلك، أنصح كل أم بقراءة هذا الموضوع، لتنجو بنفسها وبصغيرها من هذه الأزمة، وتمارس أمومتها بحب وسعادة.

هل تختلف مدة اكتئاب ما بعد الولادة؟

تختلف مدة اكتئاب ما بعد الولادة من أم إلى أخرى، إذ تصاب أغلب الأمهات الجدد -بعد يومين أو ثلاثة من الولادة- بأعراض بسيطة تستمر لمدة أسبوعين على الأكثر، وتنتهي سريعًا مع محاولة تأقلم الأم مع المسؤولية الجديدة، ومد يد العون إليها مِمَّن حولها.

لكن هناك بعض الأمهات تزداد لديهن مدة اكتئاب ما بعد الولادة لتصل إلى عام أو أكثر إذا لم يخضعن للعلاج، وقد يتطور الأمر ويُصَبن بذهان ما بعد الولادة.

فقد خضعت مجموعة من الأمهات عام 2014  لبعض الدراسات لتحديد مدة اكتئاب ما بعد الولادة، فوجد الباحثون أن 30-50% من تلك الأمهات عانين الأعراض لمدة عام، بينما عانى أقل من نصفهن تلك الأعراض لمدة ثلاث سنوات.

أسباب اكتئاب ما بعد الولادة

أسباب جسدية

  • هبوط مستوى هرمونات الحمل (الإستروجين والبروجسترون) بعد الولادة.
  • هبوط مستوى هرمونات الغدة الدرقية بعد الولادة.

أسباب نفسية

  • المسؤولية الجديدة، وبكاء الطفل المستمر.
  • قلة النوم في تلك الفترة.
  • تغير شكل الجسم، وشعور الأم أنها فقدت جاذبيتها.

هناك عوامل خطورة تزيد من مدة اكتئاب ما بعد الولادة وشدته، مثل:

  • إذا أُصِيبَت الأم قبل ذلك بالاكتئاب، أو اضطراب ثنائي القطب.
  • إذا كان لها سابق عهد باكتئاب ما بعد الولادة.
  • اذا كان هناك تاريخ مرضي بالاكتئاب في العائلة.
  • إذا كانت تعاني مشاكل أسرية، أو تعرضت لصدمة نفسية خلال فترة الحمل.
  • اذا كان الحمل صعبًا، أو غير مرغوب به.
  • إذا ولدت طفلًا مريضًا.
  • إذا كانت تعاني بعض المشاكل المالية.
  • في حالة غياب الدعم الكامل عنها ممن حولها.

أعراض اكتئاب ما بعد الولادة

تنقسم -حسب شدتها- إلى:

أعراض اكتئاب بسيطة

تصيب 80% من النساء، وتستمر لمدة أسبوعين على الأكثر، وهي:

  • تغيرات مزاجية.
  • البكاء.
  • ضعف الشهية. 
  • صعوبة النوم.
  • الشعور بالإرهاق الشديد.
  • عدم القدرة على التركيز.

أعراض اكتئاب شديدة

تصيب 15% من النساء، وتستمر لأشهر أو لمدة سنة، مما يؤثر في رعاية الأم لطفلها. وتشمل:

  • البكاء الشديد والمستمر.
  • التعرض لهجمات نفسية حادة تشعر فيها بالخوف والتوتر الشديد.
  • صعوبة النوم، وفقدان التركيز.
  • ضعف الشهية أو الإسراف في تناول الطعام.
  • عدم القدرة على التواصل مع أفراد الأسرة والأصدقاء.
  • عدم القدرة على الاعتناء بمولودها.
  • التفكير في أشياء تضرها أو تضر رضيعها.
  • التفكير في الانتحار.

ذهان ما بعد الولادة

حالة نادرة تصيب الأم في الأسبوع الأول بعد الولادة، وتعاني فيها أعراضًا شديدة، مثل:

  • الارتباك، والإحباط.
  • الهلوسة، والأوهام.
  • الهياج.
  • محاولة إيذاء نفسها ورضيعها.

العوامل المؤثرة على مدة اكتئاب ما بعد الولادة

  • كم انتظرتِ من الوقت قبل الذهاب إلى الطبيب؟ ربما تعتقدين أن الاكتئاب ليس مرضًا يحتاج إلى علاج مثل باقي الأمراض، فهذا خطأ جسيم يجعلك سجينة هذا المرض.
  • ما هي شدة الأعراض؟ بالتأكيد شعورك بالحزن فقط لا يماثل رغبتك في الانتحار؛ فأنت وحدك مَنْ بيدها القرار.
  • هل تنتظمين على العلاج المناسب؟ من الضروري مناقشة طبيبك في تأثير العلاج وفاعليته.
  • هل تعيشين حياة أُسَرية مستقرة؟ وهل تحاولين تغيير حياتك والامتثال إلى نصائح طبيبك عن الاعتناء بنفسك؟ فلا جدوى من العلاج بدون إصرارك على إنهاء تلك الأزمة.
  • هل تسرَّعتِ فى وقف العلاج دون استشارة الطبيب؟
  • هل تطلبين المساعدة ممن حولك؟

متى يجب استشارة الطبيب؟

من الطبيعي أن تشعري بالإحباط والإرهاق، وخاصة بعد الولادة القيصرية، إذ يجتمع الألم الجسدي والنفسي. هوِّني عليك؛ فكل مُرٍّ سيمُر!

لكن تصبح الاستشارة ضرورة ملحة إذا:

  • زادت الأعراض حدة، أو استمرت لفترة طويلة.
  • أصبحت غير قادرة على الاعتناء بمولودك، أو ممارسة حياتك بشكل طبيعي.
  • شعرت برغبة في الانتحار، أو إيذاء طفلك.

هل تحدث مضاعفات إذا زادت مدة اكتئاب ما بعد الولادة؟

بالطبع تؤثر زيادة تلك الفترة في أعمدة البيت الرئيسية، ومنها:

  • الأم: استمرار الأعراض يعرضها للإصابة بالاكتئاب المزمن.
  • الأب: تنتقل إليه الأعراض تأثرًا بوضع الأم المحزن، وعدم قدرته على احتوائها.
  • الطفل: يصبح كثير البكاء، ويُصاب بضعف الشهية وصعوبة النوم، بل وقد يتأخر فى تطوره العاطفي وتعلُّم الكلام.

الوقاية من اكتئاب ما بعد الولادة

  • تبدأ الوقاية في أثناء الحمل بالقراءة كثيرًا عن فترة الولادة، وكيفية التعامل مع المسؤوليات الجديدة.
  • الانضمام إلى مجموعات دعم الأمهات الجدد لتجد مَنْ يشاركها آلامها، ويساعدها على تنظيم وقتها.
  • استشارة طبيب الأطفال فيما يخص طريقة إرضاع طفلها، وتهيئته للنوم الجيد، وتعزيز التواصل بينهما.
  • طلب العون ممن حولها إذا شعرت بالإرهاق أو القلق.
  • ممارسة الرياضة بانتظام، ولو لوقت قليل.
  • إذا عانت الأم الاكتئاب سابقًا، يُفضَّل استشارة طبيبها النفسي قبل الولادة ليصف العلاج المناسب.

علاج اكتئاب ما بعد الولادة

يعتمد علاج اكتئاب ما بعد الولادة على:

العلاج الدوائي

  • يصف الطبيب مضادات الاكتئاب المناسبة بجرعات محددة حسب شدة الأعراض، حتى لا تنتقل إلى الطفل عن طريق الرضاعة، ولأنها تسبب بعض الأعراض الجانبية.
  • يصف الطبيب أيضًا العلاج الهرموني في حالة نقص هرمونات الحمل، أو هرمونات الغدة الدرقية
  • يُعالَج ذهان ما بعد الولادة بجلسات الكهرباء إذا لم تتحسن الأعراض بالأدوية

التحفيز المخي بالموجات المغناطيسية

 يصفها الطبيب لتحفيز الخلايا العصبية، وتُعَدُّ طريقة آمنة ولا تؤثر في الرضاعة، وتخضع لها الأم لمدة شهر على الأقل.

العلاج النفسي

يعتمد على جلسات استشارة نفسية تشرح فيها الأم ما تشعر به، ويعرض لها الطبيب الحلول الممكنة للتعامل مع طفلها، وكيفية الاعتناء بنفسها.

كيف أعتني بنفسي في تلك الفترة؟

بمساعدة الطبيب، ستتعلمين أن تخصصي لنفسك بعض الوقت، وأن تخبري مَنْ حولك بما تشعرين به، وأن تأكلي الطعام الصحي، وأن تنظمي أولوياتك.

وأخيرًا، انظري دائمًا إلى نصف الكوب الممتلئ؛ سيكبر طفلك الصغير، وستحصدين ثمرة جهدك بمرور الوقت. وتذكري دائمًا أنك وحدك محور اهتمامه، بل أنتِ له الكون بأكمله، تلك هي الأمومة!

بقلم د/سمر أبو الحجاج 

المصدر
The Course of Postpartum Depression: A Review of Longitudinal Studies
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق