ترياق الأسرة

مهلًا أيها الأب المتسلط ! ترفق بأبنائك!

يذوب جلدي وترتعد فرائصي عندما يناديني والدي… ذاك الأب المتسلط!

أعلم أنني سأتعرض إلى الإهانة والتقريع، على الرغم من بلوغي الثلاثين عامًا! 

ما زلت أتذكر جيدًا ذلك اليوم الذي زمجر فيه في وجهي قائلًا: “يا فاشل”؛ لأنني لم أحصد المركز الأول مثل كل عام.

وما زلت أتذكر بكائي وتوسلاتي له أن يترك لي حرية اختيار الدراسة التي أحبها؛ فقد كنت شغوفًا بدراسة الهندسة، ولكنه مارس عادته في التسلط عليّ، وأجبرني على دراسة الطب.

وها أنا ذا بعد سنوات من هيمنته عليّ واستبداده برأيه؛ قد أصبحت طبيبًا فاشلًا، ومترددًا في اتخاذ أبسط القرارات في حياته، لقد صرت شخصًا محطمًا من الداخل…

فهل أنت سعيد الآن يا أبي؟!

سنتحدث في السطور القادمة عن معنى التسلط الأسري، وأسبابه، وسنتطرق أيضًا إلى الحديث عن الحل مع الأب المتسلط؛ فتابع معنا هذا المقال.

معنى التسلط الأسري

نرى التسلط الأسري عندما يفرض أحد الأبوين آراءه وقرارته على باقي أفراد الأسرة، فنجد الأب المتسلط يهيمن ويفرض سيطرته على زوجته وأبنائه.

ويضع الكثير من القواعد الصارمة، ويجبر الجميع على اتباعها دون نقاش؛ فليس مسموحًا لأحد مناقشته أو مخالفته؛ فالطاعة العمياء واجبة على الجميع.

ومن تسول له نفسه من الأبناء معارضة هذا الأب المتسلط يتعرَّض للتنكيل أو التقريع أو الإهانة؛ فذلك الأب بيده مقاليد كل الأمور.

وعادة ما يتعرض الأبناء إلى العقاب الشديد إذا خالفوا التوقعات المرتفعة لذلك الأب المتسلط، بينما هو لا يقدم لأبنائه الرعاية والاهتمام. 

فكل ما يجيده هو التسلط في التربية والهيمنة وفرض الآراء وانتقاد الآخرين، وعلى الجميع السمع والطاعة فقط.

قد يسبب أسلوب التسلط في التربية إصابة الأبناء ببعض الاضطرابات النفسية؛ إذ يؤدي إلى ضعف شخصياتهم وافتقارهم الثقة بالنفس، فيصبحون مترددين ومهمشين، ولديهم شعور بعدم احترام الذات، إلى جانب عجزهم عن اتخاذ القرارات.

يختفي الدفء الأسري والتراحم بين الآباء والأبناء في تلك العائلات التي تمارس التسلط في التربية.

اقرأ أيضًا: الأبوة السامة.

معنى التسلط الأسري

التسلط على الآخرين

وهنا لا يكتفي الشخص المتسلط بممارسة هيمنته وفرض سيطرته على أفراد أسرته فحسب، فبالنسبة إليه التسلط على الآخرين أسلوب حياة.

وكم التقينا من مدير أو زميل أو قريب يمارس تسلطه على الآخرين!

إذ يرى الشخص المتسلط أنه على حق دائمًا، وأن الآخرين مخطئون، وعادة ما يكون فظًا سليط اللسان؛ فينفض الناس من حوله.

أسباب التسلط الأسري

تشمل أسباب التسلط على الأبناء:

  • يرى بعض الآباء أن أبناءهم ليسوا بالخبرة الكافية لاتخاذ قرارات حياتهم، وتولي شؤونهم الخاصة.
  • يخشى بعض الآباء على أبنائهم من الفشل والخذلان؛ فيتجهون إلى اتخاذ القرارات وما على الأبناء سوى التنفيذ.
  • قد يكون أحد الآباء يعاني أحد اضطرابات الشخصية، فهو معتاد على التسلط على الآخرين وليس على أبنائه فقط.

علامات تُدين الأب المتسلط

قد يقع بعض الأبناء في الحيرة، ويعجزون عن التمييز بين الاهتمام المبالغ فيه من الآباء، وبين التسلط الذي يمارسه بعض الآباء.

إليك العلامات التي تشير إلى تعرضك للتسلط الأسري:

  •  متطلِّب وغير مستجيب

يضع الأب المتسلط الكثير من القواعد، ويأمر أبناءه باتباع هذه التعليمات في البيت والمدرسة وفي كل مكان.

علامات تُدين الأب المتسلط

فهو يحرك أبناءه كيفما يشاء، ويدير حياتهم وقراراتهم، وفي المقابل لا يعامل هذا الأب أبناءه بأي عاطفية.

  • الجمود العاطفي

يبدو الأب المتسلط وكأنه بارد المشاعر ومنعزل وقاسي القلب؛ فهو يتذمر دائمًا من صراخ الأطفال أو لعبهم.

يقدِّر الأب المتسلط قيمة الانضباط، أما الضحك والاستمتاع لا يعنيان شيئًا في قاموسه، كما يظن أنه لا ينبغي الاستماع إلى الأبناء.

يعاني أبناء الأب المتسلط غياب الدفء الأسري والاستمتاع مع العائلة.

  • اللجوء إلى العقاب البدني

لا يواجه الأب المتسلط أدنى مشكلة في اللجوء إلى العقاب البدني إذا خالف الأبناء التوقعات، ويكون رد فعله سريعًا وقاسيًا.

  • لا خيار للأبناء

لا يمنح الأب المتسلط لأبنائه حرية اتخاذ القرارات، أو نادرًا ما يمنحها لهم.

وأيضا يضع القواعد -التي عليهم اتباعها، ولا يقبل وجود مساحة للتفاوض بشأنها.

  • التسرع عند سوء السلوك

يفتقر الأب المتسلط مهارات التعامل مع الأبناء عند تورطهم في تصرفات غير مقبولة؛ مما يعرضهم للعقاب الفوري.

ويفتقد هذا الأب أيضًا مهارة التحاور مع الأبناء اللازمة لتقويم سلوكهم.

  • سوء الظن

لا يثق الأب المتسلط في القرارات التي يتخذها أبناؤه؛ ولذا فإنه ينوب عنهم في اتخاذها لضمان عدم ارتكاب الأخطاء.

  • لا تفاوُض

يرى الأب المتسلط الأمور إما بيضاء أو سوداء، وليس هناك تفاوض أو حلول وسطية، وليس من حق الأبناء الإدلاء بآرائهم.

  • الخزي

ينتقد الأب المتسلط أبناءه بشدة، ودائمًا ما يشعرهم بالخزي لعدم اتباعهم أوامره، ودائما ما يتعرض هؤلاء الأبناء إلى التقريع من والدهم.

يظن الأب المتسلط أن شعور أبنائه بالخزي سوف يحفزهم على تقديم أفضل ما لديهم.

تأثير الأب المتسلط في أبنائه

يؤدي انتهاج أسلوب التسلط على الأبناء إلى:

  • ربط الأبناء حب آبائهم لهم بالطاعة العمياء.
  • التصرف بطريقة عدوانية خارج المنزل.
  • الشعور بالخوف الشديد والخجل المفرط تجاه الآخرين.
  • مواجهة صعوبات كثيرة في المواقف الاجتماعية.
  • القلق والاكتئاب.
  • عدم القدرة على اتخاذ القرارات وتحمل مسؤوليتها.

ما هو الحل مع الأب المتسلط؟

هناك بعض النصائح التي تعينك على كيفية التعامل مع الأب المتسلط، وتشمل:

ما هو الحل مع الأب المتسلط؟
  • تخلَّ عن رغبتك في إرضاء الأب المتسلط

نعيش حياتنا في سعي دائم إلى إرضاء من حولنا، ولا ننكر رغبتنا في أن نجعل آباءنا فخورين بنا، وألا يخيب رجاؤهم فينا.

ولكن يعد هذا تحديًا صعبًا في حالة الأب المتسلط، فهذا يعرضك للضغط العصبي، ومهما فعلت من مجهود، فإنه لا يكفي من وجهة نظر أبيك.

  • تولَّ زمام الأمور متى استطعت

إذا أتيحت لك الفرصة لكي تتولى شؤون حياتك، وتتخذ قراراتك، وتتحمل مسؤولية اختياراتك؛ فلا تتردد.

  • لا تتمسك بالغضب

اعلم أن شعورك بالغضب تجاه الأب المتسلط لن يفيدك، بل يثقل كاهلك ويعوقك عن المضي قدمًا.

نعم، يحق لك أن تغضب، ولكن هذا الغضب لن يمنحك القوة، ولن يساعدك على تغيير الواقع.

  • استقل ماديًا

يظن الأب المتسلط أنه يحكم قبضته على أبنائه لاعتمادهم المادي عليه. 

ولذا إذا أردت التحرر من تلك القيود؛ فليكن لديك حياتك المادية المستقلة. 

  • تعلم متى تتعرض للابتزاز العاطفي

يميل الأب المتسلط إلى الانتقاد المستمر والسيطرة عليك، ويحاول جاهدا أن يجعلك تشعر بالذنب بسبب خطأ ارتكبته في السابق، أو أن تشعر بالسخط على حياتك.

وللأسف؛ قد يتلاعب بك ذلك الأب ويهدد بمعاقبتك، إن لم تفعل ما يريد؛ فهو يعرف نقاط ضعفك وقوتك، ويعلم جيدًا مدى تقديرك للعلاقة الأسرية بينكما.

ولذا ينبغي لك أن تكتشف كيف تتعرض للابتزاز العاطفي، وكيف تتعامل معه بشكل صحي.

  • ضع خطة

لا يمكنك تغيير الطريقة التي يتعامل بها الأب المتسلط معك، وقد تجبرك الظروف على الاستمرار في العيش معه إلى أن تستطيع الاستقلال ماديًا.

ولذا قد تفيدك الخطوات التالية:

  • تعلم كيف تستجيب بهدوء تجاه تسلط والدك عليك. 
  • تدرب على كيفية الرد بعقلانية عندما تحتدم الأمور بينكما.
  • اعتنِ بصحتك النفسية والجسدية.
  • رتِّب لقاءً مع صديق عندما تخرج الأمور عن السيطرة.
  • ليس لأحد أن يتحكم في حياتك غيرك.

إن كنت مراهقًا أو صغير السن، يمكنك التحدث مع شخص بالغ تثق به (أحد الأقارب مثلًا)؛ لكي يساعدك في كيفية التعامل مع الأب المتسلط؛ فأنت بحاجة إلى خطة بما يتناسب مع وضعك.

إذا كنت أبًا متسلطًا، فاعلم أنك تؤذي أكثر مما تحمي؛ فأبناؤك بحاجة إلى تحمل المسؤولية، والتعلم من أخطائهم.

ويكفينا أجيالًا بلا هُوِيَّة، وبلا أهداف؛ فهؤلاء هم نتاج تسلط الآباء عليهم.

المصدر
8 Characteristics of Authoritarian Parenting15 Signs That You Have Controlling Parents and How to Deal with Them7 Tips for Dealing With Controlling Parents
اظهر المزيد

د. أمل فوزي

أمل فوزي، صيدلانية، أعمل في الهيئة القومية للرقابة والبحوث الدوائية. أعشق الكتابة، وأجيد البحث، أستمتع بكتابة المقالات الطبية بأسلوب سلس وبسيط، هدفي الارتقاء بمستوى المحتوى الطبي العربي، ونشر العلم من مصادره الموثوقة لينتفع به القارئ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق