ترياق الأسرة

الأثرُ النفسي لسفرِ الأب على الأبناء

في رسالتِهم عبر الإنترنت: 

(أبي، أبي، كيف حالُك؟ نحن نفتقدكَ كثيرًا يا أبي… لقد حلمتُ بك البارحة، كنا ننطلقُ أنا وأنت راكضَين في الحديقة وترفعُني عاليًا، كنا سعداءَ للغاية).

يسمعُ الأب تلك الكلماتِ ويبتسم في وجوهِ أبنائه كاتمًا دمعةً حارة في عينَيه… 

منزل من دون أب… منزل من دون درع! 

“غياب الأب” مصطلح حديث يصف نفسه بنفسه، كلمة واضحة وصريحة ولا تحتاج إلى تفسير. 

قد يكون غياب الأب ناتجًا عن أحد الأسباب التالية:

  • الطلاق والانفصال.
  • السفر إلى الخارج.
  • التواجد المادي والغياب العاطفي.
  • الوفاة.

تعددت الأسباب والنتيجة واحدة، غياب الأب عن أسرته، يعني غياب الدرع الحامي والمصباح المضيء للأسرة أمام ظلام العالم الخارجي المخيف.

في السنوات الأخيرة -خاصة بعد الأزمات الاقتصادية الطاحنة التي أصابت بعض الدول- صار قرار السفر والهجرة إلى الخارج أمر لا بد منه؛ من أجل توفير مصدر مادي قوي للأسرة. 

لكن هناك بعض العوائق التي تمنع سفر أفراد الأسرة كاملة، وتحتم عليهم بقاءهم من دون أب، الأمر الذي يمثل مشكلة لبعض الأبناء، ويترك أثرًا نفسيًّا سلبيًّا لا يمكن نسيانه أو التعافي منه.

لكن قبل النقد، هنا يأتي سؤال مهم…

ما هو الأثر النفسي لوجود الأب مع الأبناء؟

خلال الثلاثين سنة الماضية، جرت أبحاث علمية عدة حول أثر وجود الأب مع الأبناء بشكل مفصل، إليك أبرز النتائج والآثار النفسية والجسدية في الأبناء على وجه الخصوص:

  • التطور الذهني والعقلي: الفوائد الصحية لوجود الأب مع الأبناء طبقًا لآخر الدراسات حقًّا مذهلة؛ فعلى مدار أعمارهم المختلفة تتطور القدرات العقلية والذهنية لديهم، على هذا النحو: 

– بعمر العامين يصبح الطفل قادرًا على حل المشكلات البسيطة أمامه. 

– بعمر الخامسة يرتفع معدل الذكاء لديه لأقصى درجة وترتفع درجات تحصيله الدراسي. 

– حتى في وقت الدراسة الجامعية، تصبح لدى الأبناء فرص أعلى للحصول على وظائف أفضل والنجاح على المستوى النفسي والاجتماعي.

  • التطور العاطفي والشعور بالحياة: وجود الأب مع الأبناء يحمل تأثيرًا عاطفيًّا ونفسيًّا قويًّا؛ إذ يصبحون أكثر استقرارًا وشعورًا بالرضا عن حياتهم، وأقل عرضة لنوبات الاكتئاب، وأكثر ثقة بالنفس. 

وأيضًا تترسخ لديهم تلك المعاني الواضحة: (الاستقلالية، الثقة، العملية، الصداقة).

  • التطور الاجتماعي: دفء الأب ووجوده بالمنزل، يعزز مشاعر الثقة بالنفس لدى الأبناء، فيصبحون أكثر نضجًا، ويصبحون قادرين على التواصل الاجتماعي مع الآخرين بشكل طبيعي وأكثر قدرة على تكوين صداقات طويلة المدى.

كان ذلك الجانب المضيء لوجود الأب، فماذا عن الأثر النفسي لغياب الأب؟ 

الأثر النفسي لسفر الأب أو غيابه عن الأبناء 

يمكن تلخيص الوضع بكلمة واحدة “أزمة نفسية”! 

نعم، غياب الأب يعد أزمة نفسية لدى الأبناء. إليك عزيزي القارئ أبرز الآثار النفسية المترتبة على سفر الأب أو غيابه في الأبناء:

  • انخفاض مستوى التحصيل الدراسي: كما أسلفنا الذكر، وجود الأب يعني تحصيل دراسي عالٍ؛ إذ أثبتت الدراسات الحديثة أن الأبناء الذين يعيشون من دون أب تنخفض قدراتهم على التحصيل الدراسي مقارنة بهؤلاء الذين يعيشون مع آبائهم باستمرار.
  • القلق والتوتر النفسي: العلاقة بين الأب والأبناء قد تحدد مدى إمكانية الإصابة بالأمراض النفسية مثل القلق والتوتر. 

في دراسة حديثة أجريت، ثبت أن الأبناء الذين يعيشون مع أمهم فقط ترتفع لديهم معدلات الإصابة بالقلق والتوتر، الأمر الذي يثبت الدور القوي لوجود الأب في استقرار الأبناء نفسيًّا وعاطفيًّا.

  • مشكلات صحية خاصة بالبلوغ: انتقال الأبناء من مرحلة الطفولة إلى المراهقة والبلوغ دون إشراف أبوي يعد أمرًا خطرًا، تلك السن الخطرة التي تحتاج إلى احتواء ورعاية وخصوصًا لدى الفتيات اللاتي تتأثر قدرتهن على الثقة بأنفسهن ويصبحن أكثر عرضة لنوبات الاكتئاب والقلق.

تلك كانت الآثار النفسية بجانبيها المضيء والمظلم لوجود الأب وغيابه في الأبناء.

لكن إذا استمرت الظروف على هذا الحال…

كيف يمكن تعويض غياب الأب؟

الأب لا يمكن أن تعوض غيابه مهما كان، لكن إليك بعض النصائح المهمة من ترياقي لملء الفراغ الأبوي عند الأبناء: 

  • كثرة التواصل مع الأبناء وفهم متطلباتهم واحتياجاتهم باستمرار.
  • تخصيص يوم في الأسبوع للتواصل مع الأب بالصوت والصورة للحفاظ على علاقتهم معه.
  • على الأم التخلي عن القسوة الزائدة وإخفاء مشاعر القلق والتوتر قدر الإمكان أمام الأبناء؛ حفاظًا على صحتهم النفسية.
  • تعويض الغياب الأبوي بتشجيع الأبناء على خلق صداقات جديدة مع الأقارب من حولهم تحت إشراف الأم.
  • التعامل مع نوبات القلق أو الاكتئاب أو الأسئلة الخاصة بشأن غياب الأب بالعقل والمنطق.

ختامًا…

طبيعة الحياة قد تفرض علينا خيارات مؤلمة وقهرية وضرورية ومنها سفر الأب إلى الخارج، لتنعم الأسرة بحياة مادية أفضل.

لذا؛ على الأم أن تتحلى بالصبر مع نفسها ومع الأبناء لتعبر بالأسرة إلى بر الأمان والاستقرار.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق