ترياق الأمراض النفسية

الأحلام والمرض النفسي | قصة يرويها عقلك الباطن!

وحيدة، وخائفة، وتائهة…

أجري حافية القدمين بلا وجهة، الظلام يحاوطني من كل مكان؛ فلا أرى شيئًا، أصرخ بملء صوتي، لعل أحدهم يسمعني…

ولكن بلا مجيب، وكأنني وحيدة في هذا المكان الموحش، ما زلت أجري لأجد مخرجًا من ما أنا فيه، ثم فجأة أسقط في بئر سحيق!

وإذا بالمنبه يرن معلنًا موعد استيقاظي… «الحمد لله، إنه مجرد حلم!»… أو هكذا أطمئن نفسي.

يلاحقني هذا الكابوس منذ مدة، وهو ما يشعرني بالقلق، وأظل أسأل نفسي: 

هل هناك علاقة بين الأحلام والمرض النفسي؟! 

لقد عانيت “الاكتئاب” وأصابني “القلق” خوفًا من الوحدة، منذ عدة سنوات… فهل عاودني المرض النفسي مرة أخرى؟! 

سنتحدث في السطور القادمة عن الأحلام وعلم النفس، والعلاقة بين الأحلام والمرض النفسي، والخوف من الأحلام، وتفسيرها، وسنتطرق أيضًا إلى التفسير النفسي للأحلام… فتابع معنا هذا المقال.

الأحلام وعلم النفس

لطالما جذب عالَم الأحلام انتباه علماء النفس؛ فقد أشار (سيجموند فرويد) إلى الأحلام بأنها:

«الطريق الملكي نحو اللاوعي».

وبينما يرى بعض العلماء أن الأحلام نافذة إلى اللاوعي، وأنها الطريقة التي اختارها العقل الباطن ليفصح عن مكنوناته… 

يرى آخرون أنها مجموعة من الإشارات العشوائية في الدماغ، التي غالبًا ما تكون مرتبطة بتجاربنا اليومية. 

واقترح علماء آخرون أنها آلية بقاء لمساعدتنا على مواجهة التحديات والتكيف مع الواقع.

وهنا تطرح هذه الأسئلة نفسها: 

هل هناك شيء يمكن أن نتعلمه من أحلامنا؟ أم أنها شيء يجب مراقبته بعناية؟ 

وهل هي مرتبطة بالصحة العقلية؟ أم بالاضطرابات النفسية؟

اقترحت إحدى النظريات أن الأحلام المسببة للقلق قد تساعدنا على التعامل مع التحديات والمشكلات التي نواجهها.

أُجريت إحدى الدراسات في أكتوبر 2019، وطُلِب من المشاركين في الدراسة تتبع أحلامهم واختبار ردود أفعالهم تجاه الصور المؤلمة عاطفيًا.

وجد الباحثون أن الأشخاص الذين عانوا الخوف في أحلامهم أظهروا تأثرًا عاطفيًا أقل في أثناء اليقظة.

الأحلام والأمراض النفسية

عادةً ما ينغمس الأشخاص الذين يعانون الأمراض العقلية في الانشغال باضطراباتهم النفسية في ساعات النهار، ولكن هل يقتصر الأمر على ذلك فقط؟

مع الأسف، لا يقتصر الأمر على ذلك؛ فقد تؤدي هذه الاضطرابات إلى حدوث تغيرات في الدماغ نفسه، وهو ما يؤثر في الطريقة التي نحلم بها. 

تعد العلاقة بين الأحلام والأمراض النفسية معقدة، وقد تختلف باختلاف الاضطراب النفسي الذي يعانيه المريض. 

الأحلام والاكتئاب

الاكتئاب ليس مجرد مشاعر حزن أو شعور بالوحدة؛ ولكن يصاحبه -في كثير من الأحيان- تغيرات في بنية الدماغ، ومستوى الناقلات العصبية فيه.

ولذا؛ تختلف تجربة الأحلام عند الشخص الذي يعاني الاكتئاب عنها عند الشخص العادي الذي لا يعانيه، وهو ما يشير إلى العلاقة الوثيقة بين الأحلام والمرض النفسي.

فالأحلام هي الوسيلة التي يلجأ إليها المريض النفسي للتعامل مع مشاعره السلبية.

الأحلام والقلق

هناك ارتباطٌ وثيق بين الأحلام والمرض النفسي…  

وعادة لا يقتصر تأثير اضطرابات القلق في المريض على فترة النهار، بل تؤثر في نومه والأحلام التي يراها في منامه.

الأحلام والفصام

لا زلنا نتحدث عن العلاقة بين الأحلام والمرض النفسي، والفصام أحد الأمراض النفسية التي تسبب الكثير من القلق والضغط العصبي.

يعاني مرضى الفصام أحلامًا أكثر عدوانية من الأشخاص الذين لا يعانونه.

الأحلام واضطراب ما بعد الصدمة

إن كنت تعاني أحلامًا مزعجة بشأن حادث أو موقف مررت به في الماضي؛ فأنت ربما تعاني اضطراب ما بعد الصدمة، وعليك استشارة الطبيب النفسي.

وهو ما يثبت العلاقة بين الأحلام والمرض النفسي.

الأحلام المزعجة والوسواس القهري

هناك ارتباطٌ وثيق بين الأحلام المزعجة والوسواس القهري، وينطوي هذا الاضطراب النفسي على أداء نفس التصرفات والأفعال مرارًا وتكرارًا.

ويعاني المريض به تشوهات في الدماغ؛ وهي ما تؤدي إلى حدوث هذه الأفعال المتكررة.

فنجد مريض الوسواس القهري يكرر غسل يديه عشرات المرات، أو غيره من الأفعال، الأمر الذي يمنعه من الشعور بالراحة ويصيبه بالقلق والتوتر.

ولذا؛ عندما تتكرر الأحلام المزعجة مرارًا، فإنها تعد أحد أنواع الوسواس القهري الذي يعانيه المريض.

والآن، بعد أن تحدثنا عن العلاقة الوثيقة بين الأحلام والمرض النفسي، فلنتحدث عن الخوف من الأحلام وتفسيرها.

الخوف من الأحلام وتفسيرها

«الأحلام هي الطريق الملكي إلى اللاوعي»…

ولذا؛ عندما تلاحقك الأحلام المزعجة مرة بعد مرة قد يساورك الشعور بالقلق، وقد تسأل نفسك: 

هل هناك مغزى من تكرار هذه الأحلام؟! وهل لها دلالة؟!

يرى كثير من الأشخاص أن الأحلام المزعجة هي الطريقة التي اختارها عقلك الباطن ليخبرك بمكنوناته.

وقد تبدأ في التفكير: هل هناك شيء يجب عليَّ تغييره في حياتي؟! هل أعاني خطبًا ما؟!

ولذلك؛ يشعر كثير من الأشخاص بالخوف من تفسير تلك الأحلام المتكررة.

التفسير النفسي للأحلام

يطلق عليه أيضًا “التحليل النفسي للأحلام”، وهو أحد الأساليب العلاجية المعروفة في علم النفس.

اقترح الباحثون أن الأحلام هي النافذة إلى اللاوعي، وقد أشار (سيجموند فرويد) إلى أهمية التحليل النفسي للأحلام؛ لمعرفة ما يدور في اللاوعي.

هناك العديد من النظريات التي وُضِعت لتفسير الأحلام، وتتشابه معظمها في المبادئ الأساسية لتحليل الأحلام.

إذ تبدأ الرحلة العلاجية بتتبع المريض للحلم الذي يؤرق ليله مرارًا وتكرارًا، ثم يقص ذلك الحلم على المعالج النفسي.

ومن ثم تبدأ مرحلة المناقشة والعلاج، وهنا يتمكن المريض والمعالج من الحصول على معلومات مفيدة من الحلم، أو ربطه بمشكلة ما.

تشمل النظريات التي وضعت لتفسير الأحلام:

نظرية سيجموند فرويد (Sigmund Freud)

في عام 1899، نشر العالم (سيجموند فرويد) كتابه الرائد في التفسير النفسي للأحلام.

يرى (فرويد) أن الأحلام تعبر عن الرغبات التي لم نتمكن من تحقيقها في حياتنا اليومية.

واقترح أن الأحلام تحتوي على نوعين من المعلومات:

  • محتوى واضح: ما يظهر بالفعل في الحلم.
  • محتوى كامن: وهو المعنى الرمزي العميق للحلم.

تبعًا لرؤية (فرويد)، يشجع المعالج النفسي الشخص الذي يحلم على إيجاد المعنى الخفي وراء حلمه من خلال عملية تسمى “الارتباط الحر”.

يساعدك الارتباط الحر على التحدث بصراحة عن كل ما يتعلق بالصور والأحداث التي رأيتها في حلمك، وهو ما يساعدك على الكشف عن الرغبات الكامنة في عقلك الباطن.

نظرية كارل يونج (Carl Jung)

يرى (يونج) أن الأحلام تكشف عن أبعاد شخصية الإنسان الخفية وحالته النفسية، وقد تزعجه تلك الأحلام إذا لم يفهم مغزاها.

واقترح أن عناصر الحلم تمثل شيئًا حقيقيًا في حياة الإنسان.

ولذا فإنه تبعًا لرؤية (يونج)، فإن الحلم هو محاولة اللاوعي للتواصل مع الإنسان ليخبره عن أسرار حياته وأبعاد شخصيته التي يرفضها عقله.

تبعًا لتلك النظرية؛ يساعد المعالج النفسي الشخص الذي يحلم على فهم مغزى تلك الأحلام من خلال عملية “الارتباط الحر”. 

ويحدث ذلك من خلال فهم الصور والرموز التي تظهر في الحلم، وتحفز تخيلات معينة في ذهن الحالم.

نظرية الحلم الإبداعي المشترك (Co-creative dream theory)

تركز هذه النظرية على الطريقة التي تستجيب بها لما تراه في الحلم سواء في أثنائه أو بعد الاستيقاظ.

أي أن مغزى الحلم لا يأتي من الصور والأحداث التي تراها فيه، ولكن من خلال تحليل استجابتك لتلك الأحداث في الحلم.

تبعًا لتلك النظرية؛ تحدِّد أنت والمعالج النفسي المخطط الأساسي للحلم، ولكن بدون أسماء أو أماكن أو تفاصيل، ثم تحدد كيف كانت استجابتك لأحداث هذا الحلم.

وتبدأ في طرح بعض الأسئلة على نفسك، مثل: 

كيف كانت استجابتي عندما شعرت بالتهديد في الحلم؟ 

أو كيف تغيرت الصور والأحداث في الحلم بناءً على مشاعري وأفعالي؟

وأخيرًا، تستكشف أنت والمعالج النفسي طريقة استجابتك للأحداث والمواقف في حياتك اليومية، وما إذا كانت ناجحة أم لا.

لطالما جذبت الأحلام انتباهنا؛ فهي القصص التي يرويها الدماغ لنا، ولا نغفل أيضًا العلاقة بين الأحلام والمرض النفسي.

فإن كنت تعاني أحلامًا متكررة، ومن ثم يصيبك القلق والاكتئاب؛ فاسأل نفسك: «هل هناك ما أتجاهله في حياتي؟»، أو يمكنك الذهاب إلى معالج نفسي ليساعدك على فهمها.

المصدر
Depression and Dreams: How Mental Health Affects Your DreamsDreaming in Depression (and Other Mental Illness)The Fear of DreamsWhat can dreams tell us about our mental health?Dreamwork 101: Your Wide-Awake Guide to Interpreting DreamsDreaming in Depression (and Other Mental Illness)
اظهر المزيد

د. أمل فوزي

أمل فوزي، صيدلانية، أعمل في الهيئة القومية للرقابة والبحوث الدوائية. أعشق الكتابة، وأجيد البحث، أستمتع بكتابة المقالات الطبية بأسلوب سلس وبسيط، هدفي الارتقاء بمستوى المحتوى الطبي العربي، ونشر العلم من مصادره الموثوقة لينتفع به القارئ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق