عام

الأحلام وعلم النفس | أسرار فك شفرة الغموض

أعاني اكتئابًا حادًا أشعر معه بظلمة في قلبي؛ أبكي من دون أسباب وأكاد أختنق.

أهرب إلى النوم كي أتخلص من هذه المعاناة، ولا أكاد أدخل في النوم حتى تتكالب عَلَيَّ المشاهد والأحلام المزعجة وكأن الاكتئاب يحاصرني في يقظتي ونومي.

أشعر في أحلامي ببرد شديد وأرى أشخاصًا تطاردني، ويلازمني دومًا شعور الخوف والترقب من أمر ما.

كوابيس متكررة أعيشها يوميًا في منامي وأتذكر تفاصيلها المرعبة في الصباح ولا تزال تمر كالفيلم التصويري أمام ناظريّ طوال اليوم.

هل هي علامات تدل على اقتراب النهاية؟! أم هي مجرد أعراض للمرض تنتهي بانتهائه؟!

سردتُ لطبيبي النفسي تفاصيل ما أعانيه من كوابيس وأحلام متكررة أستيقظ منها في جنبات الليل الدامس فزعًا مرتجفًا تتسابق ضربات قلبي مع أنفاسي التي تكاد تنقطع من شدتها.

أخبرني بأن هناك علاقة بين ما أعانيه من الأحلام وعلم النفس، فكل ما أراه في أحلامي إنما هو بسبب الاكتئاب الذي أعانيه وربما كعرضٍ جانبي لما أتناوله من عقاقير للعلاج؛ وتنتهي هذه الكوابيس بانتهاء مدة العلاج.

نتحدث في هذا المقال عن الأحلام وعلم النفس، ونتعرف سويًا إلى بعض خبايا هذا العالم الغامض وسيكولوجية الأحلام وأهم النظريات التي وضعت تفسيرها، وعلاقة الأحلام بالصحة النفسية.

سيكولوجية الأحلام

إن عالم الأحلام غامض ومخيف لدى الكثير، وما يخفي منه أعظم بكثير مما يظهر، وقد يؤوَل الحلم الواحد إلى عدة تفسيرات تختلف باختلاف الأشخاص وظروفهم الحياتية وغيرها.

ويُعرَّف الحلم بأنه مجموعة من العواطف والأحاسيس والأفكار والصور التي يجسدها عقل الإنسان الباطن لا إراديًا في أثناء المرحلة الرابعة من النوم -بشكل أساسي- التي تعرف بحركة العين السريعة أو REM؛ والتي يكون نشاط الدماغ فيها مرتفعًا ومشابهًا -إلى حد كبير- نشاطه في أثناء الاستيقاظ.

وهناك علم خاص لدراسة الأحلام يسمى بـ (Oneirology)؛ ولا يُعرف للأحلام تفسير منطقي ولا ماهية الغرض منها، لكنها تحمل في طياتها رسائل للشخص الذي يراها ربما تكون تحذيرية وربما تكون مُطَمئنة.

تتراوح مدة الحلم الواحد ما بين 20 و30 دقيقة، وهو ما يفسر قدرة الحالم على تذكر الحلم أو إكمال حلمه الحالي إذا استيقظ في أثناء مرحلة حركة العين السريعة.

وغالبًا ما يرى الشخص ما بين ثلاثة وسبعة أحلام في الليلة الواحدة، خاصةً إذا نام ثماني ساعات متواصلة، لكنه
-في الغالب- يتذكر حلمه الأخير فقط.

يعاني بعض الأشخاص مما يسمى بـ “اضطراب سلوك حركة العين السريعة” الذي يتفاعل فيه الشخص مع الحلم بحركات لا إرادية؛ مما قد يمثل -في بعض الأحيان- خطورة عليه وعلى شريكه في الفراش.

تفسير الأحلام وعلم النفس

تفسير الأحلام وعلم النفس

شغل تفسير الأحلام العديد على مر العصور، وظهرت الكثير من التكهنات والنظريات لتفسير الأحلام المختلفة،
منها المرتبطة بالأديان ومنها الفلسفية وغيرها، لكن ظل تفسير الأحلام وعلم النفس هو الأمر الرئيس الذي وُضعت
له أسس ونظريات قابلة للتطبيق.

ونتحدث فيما يلي عن أشهر نظريات تفسير الأحلام في علم النفس، وهي نظرية سيجموند فرويد.

اقترح فرويد في كتابه (تفسير الأحلام) أن محتوى الحلم مرتبط بالرغبة الداخلية للشخص، وأن الصورة والمحتوى الواضحين للحلم يعبران عن رغبة داخلية وأفكار لدى الشخص خُزنت في اللاوعي أو العقل الباطن.

وقد أشار في كتابه إلى أربعة عناصر للحلم أطلق عليها (عمل الحلم)، وهي:

  • التكثيف: حيث تتجمع صور وأفكار مختلفة بشكل مكثف في حلم واحد، وربما تظهر في الحلم صورة واحدة تعبر عن عدة مفاهيم وأفكار.
  • الإحلال: وفيه يتحول المعنى العاطفي للمحتوى الكامن للحلم إلى معنى آخر، وتُستبدل الأجزاء غير المهمة من الحلم بالأجزاء المهمة لتتحول العاطفة الرئيسة إلى الوهم.
  • الترميز: ويعمل هذا العنصر على إعطاء رموز تعبر عن المحتوى الكامن للحلم.
  • المراجعة الثانوية: وهي المرحلة النهائية للحلم، وفيها يُعاد ترتيب العناصر الغريبة للحلم لجعله مفهومًا وأكثر وضوحًا.

أنواع الأحلام في علم النفس

تتعدد أنواع الأحلام في علم النفس، ونتعرف إليها معًا فيما يلي:

  • أحلام اليقظة

وهي الأحلام التي تأتي في أثناء فترة الاستيقاظ، ويشرد فيها الشخص بخياله من العالم الواقعي إلى عالم افتراضي يرسم أحداثه بنفسه؛ وقد تصل أحلام اليقظة إلى حد الاضطراب النفسي.

ولمزيد من المعرفة والتفاصيل عن هذا النوع من الأحلام؛ ننصحك بقراءة مقال أحلام اليقظة.

  • الأحلام الواضحة (Lucid dreams)

ويتميز هذا النوع من الأحلام بإدراكك أنك في داخل حلم، ويحدث عادة في مرحلة حركة العين السريعة.

وقد أثبتت الأبحاث أن أغلب الناس لا يتمتعون بالأحلام الواضحة إلا أنها أوضحت -كذلك- أن 55% من البشر يرون هذه الأحلام مرة واحدة في العمر على الأقل.

ويتميز هذا النوع من الأحلام بقدرتك على التحكم فيه بالتدريب، وخاصةً إذا كنت تعاني الكوابيس أو الأحلام المتكررة.

  • الأحلام المتكررة

وهي الأحلام التي تتكرر أكثر من مرة -ربما بكامل تفاصيلها-، ومن أشهر ما تتضمنه هذه الأحلام: السقوط من مرتفعات أو المطاردة من قبل شخص ما أو الخوف والترقب.

قد تعاني الأحلام المتكررة سواء كانت كوابيس أو أحلامًا طبيعية؛ بسبب بعض المشكلات النفسية أو كعرض جانبي لتناول دواء أو مادة كيميائية ما.

  • أحلام الاستيقاظ الكاذب

وفي هذا النوع يحلم الشخص أنه استيقظ من الحلم وهو -في الحقيقة- ما زال في داخله، وقد لوحظ أن حدوثه يقترن في أغلب الوقت بالأحلام الواضحة.

  • أحلام الاستشفاء

ليس هناك بيانات علمية واضحة لهذا النوع من الأحلام، ولكنها تتميز بأنها أحلام جميلة تشعر معها بالمتعة وتعيد لك الاتزان والسلام الداخلي، وربما تستيقظ منها مع ابتسامة هادئة مرسومة على وجهك.

  • أحلام التنبؤ (الرؤى)

وتُعرف بالرؤى الصادقة؛ حيث ترى فيها أحداثًا مستقبلية أو علامات ورموز تنبئك بما قد يقع في المستقبل.

وتتضمن رسائل مهمة يجب أن توضع في الاعتبار لحدوث خير أو لتجنب وقوع شر. ويُعتقد أنها من فعل عقلك الباطن الذي يتوقع نتيجة معينة ويجعلك تحلم بها للاستعداد لها، وهو اعتقاد ليس له سند علمي، إنما هو منة من الله يهبها لمن يشاء.

  • الأحلام الحية (Vivid dreams)

ويطلق مصطلح الأحلام الحية على الأحلام التي تشعر فيها أنك تعيش أحداثها وتفاصيلها بالفعل كأنها حقيقة.

وترتبط دائمًا بالاستيقاظ في أثناء مرحلة حركة العين السريعة. ويسهل عليك تذكر تفاصيلها بكل وضوح. 

قد يحول الحمل والضغوطات النفسية دون حدوث هذا النوع من الأحلام.

  • الكوابيس (Nightmares)

وهي رؤية الأحلام المزعجة والمخيفة في مرحلة حركة العين السريعة، ويكاد لا يفلت أحد من براثن هذا النوع من الأحلام. 

ونستعرض أهم الأسباب التي قد تسبب حدوث الكوابيس:

  • مشاهدة أفلام الرعب، وكذلك قراءة هذا النوع من القصص والروايات.
  • الانقطاع عن النوم لمدة طويلة.
  • تناول الطعام قبل النوم مباشرة.
  • كعرض جانبي لبعض الأدوية.
  • معاناة المرض أو ارتفاع درجة الحرارة.
  • اضطرابات النوم، مثل: انقطاع النفس الانسدادي النومي، أو اضطراب الكوابيس، أو النوم القهري
  • بعض الأمراض النفسية كالقلق، والتعرض للضغوطات النفسية.

اقرأ أيضًا: الكوابيس.. معزوفة الرعب.

  • أحلام الفزع الليلي (Night terrors)

وهو أحد اضطرابات النوم الذي ينتشر في الأطفال عن الكبار، ويحدث عكس الكوابيس في غير مرحلة حركة العين السريعة، وغالبًا ما يُنسى الحلم.

يستيقظ الحالم منها فزعًا متعرقًا مع حركة أو ركلة عنيفة -ربما يقفز من السرير-، تتسارع ضربات قلبه، ويلفظ أنفاسه بصعوبة. 

ويكون في حالة من الارتباك وعدم الوعي بمكان وجوده لبرهة من الزمن.

  • أضغاث الأحلام

وهي أحاديث النفس التي تشغلك خلال يومك، وتُخزَن في عقلك الباطن، ثم تتجسد ليلًا أمام ناظريك في حلم ربما ليس له معنى. وغالبًا ما يكون الحلم متداخلًا غير متراكب ومليء بالأحداث غير المفهومة. 

العلاقة بين الأحلام والصحة النفسية

إذا نظرنا إلى التحليل النفسي للأحلام للأشخاص الطبيعيين والأشخاص الذين يعانون الاضطرابات النفسية،
نجد أن هناك علاقة وطيدة بين الأحلام والصحة النفسية للشخص.

فالأمراض العقلية والاضطرابات النفسية تؤثر في كيمياء الدماغ والإشارات التي يرسلها ويستقبلها؛ وبالتالي تؤثر في الأحلام.

والطبيب النفسي يستطيع أن يشخص حالة شخص ما ويحلل شخصيته من خلال هيئة أحلامه وتفاعله معها. 

ونشير فيما يلي إلى أهم الاضطرابات النفسية وعلاقتها بالأحلام:

الاكتئاب والأحلام

وجد الباحثون أن المصابين بالاكتئاب يدخلون في مرحلة حركة العين السريعة أسرع من أقرانهم غير المصابين،
ويبقون فيها وقتًا أطول؛ لذا يحلمون بمعدل ثلاث مرات أكثر من غيرهم.

ويرتبط الاكتئاب برؤية الكوابيس المتكررة بنسبة كبيرة، إلا أن الشخص ينسى الكابوس ولا يتذكر منه إلا القليل.

القلق والأحلام

كما  يؤثر القلق  في الإنسان في حياة اليقظة فإنه يؤثر فيه في الأحلام. 

فالأشخاص الذين يعانون اضطرابات القلق يرون الكوابيس بشكل متكرر، وقد تكون علامة تحذيرية لهذا الاضطراب من البداية، وخاصة اضطراب ما بعد الصدمة أو اضطراب القلق المعمم.

وعلى الرغم من وجود هذه الروابط بين القلق والأحلام، إلا أنها علاقة معقدة وتحتاج المزيد من الأبحاث.

الأحلام والحالة المزاجية

فكلنا تقريبًا مَرَّ بهذه الخبرة الحياتية؛ أنه رأى حلمًا وأثر في حالته المزاجية على مدار اليوم بالسلب أو بالإيجاب. 

وهذا يتعلق أيضًا بما يدور في عقل الشخص نفسه وينشغل به طوال اليوم؛ لذا ينصح بالاسترخاء والتوقف عن التفكير الزائد قبيل النوم للتمتع بالأحلام السعيدة.

حقائق في علم النفس عن الأحلام

حقائق في علم النفس عن الأحلام

وأخيرًا، إليك -عزيزي القارئ- حقائق في علم النفس عن الأحلام، نستعرضها فيما يلي:

  • كل الأشخاص يحلمون، باستثناء بعض الذين يعانون الاضطرابات النفسية والعقلية.
  • يرى الإنسان ما بين 3 إلى 7 أحلام في الليلة الواحدة، ولا يتذكر -في الأغلب- سوى الحلم الأخير قبيل الاستيقاظ.
  • بعد الاستيقاظ ب 5 دقائق ينسى الشخص 50% من الحلم، وبعد 10 دقائق ينسي 90%. 

لذا عليك بكتابة الحلم بمجرد الاستيقاظ؛ كي لا تنسى تفاصيله.

  • نرى جميعًا الأحلام باللونين الأبيض والأسود، ولكن 15% فقط من البشر يرونها بالألوان.
  • الكفيف يرى أحلامًا كبقية الناس، ولكنها أكثر تعقيدًا.
  • تتشابه الأحلام بين الأشخاص حتى لو اختلفت ثقافاتهم، كالسقوط من المرتفعات أو الموت وغيرها.
  • الأحلام لدى الرجال أكثر عنفًا منها لدى السيدات.
  • إذا أردت التخلص من الكوابيس -وخاصةً إذا كانت متكررة-، فعليك التحدث إلى أحد الأشخاص قبل أن تخلد إلى سريرك، وكذلك قراءة أذكار ما قبل النوم.

وفي النهاية؛ لكم منا أطيب الأمنيات بنوم هادئ أحلام سعيدة.

المصدر
Dreams: What They Mean & Psychology Behind Them9 Common Dreams and What They Supposedly MeanWhy Do We Dream?3 Main Types of Dreams | PsychologyHow Dreams WorkDifferent Types of Dreams and What They May Mean About YouDepression and Dreams: How Mental Health Affects Your Dreams
اظهر المزيد

د. محمود المغربي

صيدلي إكلينيكي، عملت في المجال الطبي لسنوات اكتسبت خلالها الخبرة الكافية بالإضافة إلى الخلفية الطبية القوية كصيدلي إكلينيكي. أهدف إلى مساعدة الناس على تحقيق حياة صحية أفضل من خلال إعطائهم معلومات دقيقة تستند إلى مراجع طبية موثوقة، بأسلوب كتابة سهل تتحول فيه المعلومات الطبية الأكثر تعقيدًا إلى كلمات سلسة تتدفق بسهولة في ذهن القارئ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق