ترياق الأمراض النفسية

الأرق | متى تنتهي هذه المعاناة؟

حينما يذكر أحدهم كلمة الأرق، أتذكر على الفور ليالي الامتحانات الأليمة.

تلك الليالي التي قضيت شطرًا منها، أحملق في سقف حجرتي المظلمة، بينما تتراقص المعلومات التي كبستها في رأسي المسكين. 

تلك الليالي التي بلغ بي الأرق أشده فيها حتى صرت أحسد هاتفي النقال على قدرته على استعادة طاقته بوصلة كهربائية بسيطة متى أراد، بينما أعجز عن النوم مهما أوتيت من قوة، ومهما بلغت من تعب.

ماذا عنك؟ ما الذي يؤرقك؟ هل تمر بضائقة نفسية أو مالية تبعد النوم عن أجفانك؟ هل تقضي ليلك في جلد ذاتك أو خوف من المجهول؟ 

إذًا، دعنا في هذا المقال، يا صديقي الساهر، نبحث عن أسباب الأرق، وطرق علاجه، ونرجو كل الرجا أن تهدأ عقولنا القلقة، لتغفل عيوننا الناعسة.

ما هو الأرق؟

هو أشهر أنواع اضطرابات النوم. 

يؤثر الأرق على جودة نومك وعدد ساعاته:

  • فإما أن تعجز عن الدخول في النوم، فتقضي الليل تنظر لساعتك وتعد الدقائق والثواني على أمل أن تغفل بلا فائدة.
  • أو أن تتمكن من النوم لفترة قصيرة قبل أن تستيقظ في غير موعدك، دون أن تحصل على القدر الكافي من الراحة، وتعجز بعدها عن استكمال النوم.

وقد يسبب ذلك -على المدى الطويل- ضعفًا في تركيزك وقدرتك على تذكر المعلومات، وتباطؤًا في ردود أفعالك، وارتفاعًا في ضغط دمك، وإصابتك بالقلق والاكتئاب.

ما أهمية النوم؟

يلعب النوم دورًا أساسيًا في الحفاظ على صحتك وقدرتك على التركيز:

  • يتخلص المخ في أثناء نومك من المواد الضارة المتراكمة خلال اليوم، ويجد الفرصة لترتيب أفكارك ومعلوماتك.
  • تجد خلاياك الفرصة لتجديد نفسها، وتنتظم هرموناتك، وترتاح عضلاتك.
  • تتحسن مناعتك؛ إذ يصنع جسمك البروتينات اللازمة لمواجهة العدوى والجراثيم. 
  • يقلل من أعراض بعض الاضطرابات النفسية كالقلق والوسواس القهري؛ إذ يجعل عقلك أكثر هدوءًا وأكثر قدرة على التفكير بشكل منطقي.

ويختلف عدد ساعات النوم الكافية من شخص لآخر، ولكننا نحتاج في المتوسط من ست إلى ثماني ساعات يوميًا.

ما أنواع الأرق؟

يمكن تقسيم أنواع الأرق إما حسب المدة التي يستمر فيها، أو حسب السبب المؤدي إليه.

حسب المدة الزمنية

  • أرق عارض – قصير المدى: يستمر لفترة أقل من ثلاثة أشهر، وتكون أسبابه عادة مؤقتة مثل تغيير مكان النوم.
  • أرق مزمن – طويل المدى: يستمر لفترة تطول عن ثلاثة أشهر، ويتكرر خلال تلك الفترة ثلاث مرات أسبوعيًا على الأقل.

حسب السبب

  • أرق أولي: لا يصاحب هذا الأرق أي أمراض أخرى نفسية أو عضوية، وإنما ينشأ من تلقاء نفسه.
  • أرق ثانوي: ينشأ نتيجة وجود مرض نفسي كالاكتئاب، أو مرض عضوي أو ألم مزمن مما يعيقك من الحصول على نوم متصل مريح.

ما أسباب الأرق؟

وجود مشاكل عضوية

منها على سبيل المثال:

  • ارتجاع المريء.
  • التهابات المفاصل وآلام الظهر.
  • مرض باركنسون.
  • الربو والتهاب الجيوب الأنفية.
  • متلازمة تململ الساقين.
  • انقطاع النفس أثناء النوم.
  • فرط نشاط الغدة الدرقية.
  • بعض الأدوية المستخدمة لعلاج الأمراض المزمنة مثل ارتفاع الضغط.

وجود اضطرابات نفسية

مثل:

  • الاكتئاب: قد ينجم الاكتئاب عن الأرق، أو يصبح سببًا من أسبابه.
  • القلق بأنواعه.
  • اضطراب ما بعد الصدمة. 

أسباب متعلقة بنمط الحياة

  • التوتر العصبي: يعد واحدًا من أهم أسباب الأرق، ويبقى جسمك في حالة من التأهب، مما يقلل من جودة نومك حتى وإن نمت لساعات طويلة.
  • طبيعة عملك: إن كنت تعمل ليلًا، من المنزل مثلًا، وتجلس فترات طويلة أمام حاسبك، فتسبب تلك الإضاءة المنبعثة من الشاشة الأرق.
  • القيلولة: إن حصلت على قيلولة أثناء النهار، فإن ذلك يبقيك يقظًا وقتًا إضافيًا، وستجد صعوبة في النوم. 
  • النوم الكثير: ربما لم تتمكن من النوم في الليلة السابقة، وقررت تعويض ذلك في اليوم التالي. هذه ليست فكرة سديدة؛ إذ ترتبك ساعتك البيولوجية.
  • تغير مكان النوم: يمكن للسفر إلى دولة يختلف توقيتها عما اعتدته، أو حتى تغيير مكان نومك أن يقض مضجعك.
  • بيئة النوم المزعجة: لا عجب إن لم تتمكن من النوم إذا كانت غرفتك غير مريحة؛ كأن تكون ذات إضاءة باهرة، أو يسمع منها نباح كلب طوال الليل.
  • الأطعمة الدسمة: إن تناول الأطعمة الدسمة مباشرة قبل النوم يؤثر بالسلب على استمرار نومك بسلام، وقد تؤرق الكوابيس ليلك.
  • الكافيين: ربما ليس من الحكمة أن تشرب كوبًا من القهوة قبل النوم، أليس كذلك؟
  • الأرق عند النساء: هناك أسباب إضافية كالحمل ومتلازمة ما قبل الطمث، تجعل النساء أكثر عرضة للإصابة بالأرق.

ما علاج الأرق وقلة النوم؟

يقولون: “إذا عُرِف السبب، بَطُل العجب” 

لذا فإن تركيزنا الأساسي في علاج الأرق يعتمد على عكس الأسباب السابقة قدر الإمكان، واتباع نمط حياة صحي، ومعالجة الاضطراب النفسي والعضوي أولًا.

العادات الصحية اللازمة

  • احرص على النوم والاستيقاظ وفق مواعيد ثابتة كل يوم.
  • تجنب الإفراط في شرب الكافيين، ويفضل ألا تشرب القهوة مثلًا مساءً.
  • استخدم سريرك للنوم فقط، لا للمذاكرة أو العمل.
  • وفر بيئة نوم هادئة، ذات إضاءة خافتة ودرجة حرارة معقولة.
  • خذ حمامًا دافئًا، واقرأ كتابًا خفيفًا قبل النوم كي تسترخي.
  • ابتعد عن الشاشات الذكية والهواتف النقالة قبل النوم بساعة على الأقل. 
  • مارس رياضة خفيفة كالركض، ولكن قبل النوم بساعتين على الأقل، ليصبح جسدك أكثر استعدادًا للنوم.
  • تجنب السوائل قبل النوم بساعة، والأطعمة الدسمة قبل النوم بساعتين.
  • إذا لم تتمكن من النوم خلال 20 دقيقة، انهض من السرير ومارس نشاطًا هادئًا كالقراءة حتى تشعر بالنعاس.

العلاج النفسي

يستخدم العلاج السلوكي المعرفي مجموعة من الاستراتيجيات التي تمرن عقلك على النوم:

  1. تقنيات الاسترخاء: كتمرينات التنفس العميق، والتي تخفف توترك العصبي قبل النوم، وتجنبك أي شد عضلي، وتنظم تنفسك وضربات قلبك.
  2. تقييد ساعات النوم: ربما لا تحصل على قيلولتك ليوم، وتظل مستيقظًا لبضع ساعات إضافية، لتتمكن من النوم في موعدك المحدد في اليوم التالي.
  3. تعمد الاستيقاظ: يعد الخوف من الأرق في حد ذاته سببًا للأرق، لذا جرب هذه التقنية المعكوسة؛ بدلًا من محاولة النوم فكر في الاستيقاظ حتى تغفل دون أن تقصد.
  4. العلاج بالضوء: تُستخدم تلك الطريقة لعلاج الاكتئاب المصاحب لمواسم بعينها كالشتاء؛ يستخدم المرء إضاءة صناعية تحاكي الإضاءة الطبيعية مما ينظم مزاجه ونومه.

العلاج الدوائي

لا نلجأ عادة للأدوية المنومة إلا في حالات معينة، لا تجدي فيها الخطوات السابقة -وحدها- نفعًا، ويعتمد ذلك على سبب الأرق، والحالات المرضية المصاحبة.

وتنقسم أدوية علاج الأرق إلى قسمين:

  • أدوية يمكن تناولها دون استشارة طبية: مثل المكملات الغذائية التي تحتوي على نبتة الفالريان المهدئة، والميلاتونين.
  • أدوية تحتاج لوصفة طبية: مثل عائلة البينزوديازبينات، والزولبيدم. 

والجدير بالذكر، أن عليك مراجعة الأدوية -بشكل عام- مع الطبيب أو الصيدلي، لتعرف إذا كان الدواء يناسب حالتك، والأدوية الأخرى التي تتناولها، وما الطريقة الصحيحة لاستخدام ذلك الدواء.

لا أعرف، يا صديقي العزيز، في أي توقيت من اليوم تقرأ هذا المقال.. 

ولكنني أرجو أن يعرف النوم طريقه إلى أجفانك، وأن يرحل عنك التوتر الذي يؤرقك، وأن تحظى أخيرًا بالراحة التي تستحقها.

فتصبح على خير.

المصدر
What causes insomniaWhy do we sleep?Types of insomniaTreatment of insomniaTreatment of insomnia
اظهر المزيد

د. لميس ضياء

صيدلانية إكلينيكية، قضيت شطرًا من عمري بحثًا عن العلم، وأنوي قضاء الشطر الآخر في تبسيط ما تعلمته وتقديمه بلغة سهلة مستساغة للجميع. تستهويني النفس البشرية وأسعى دومًا لسبر أغوارها، وفك طلاسمها، وفهم ما قد يؤرقها من اضطرابات واعتلالات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق