ترياق الأسرة

الأسرة تحت ضغط طفل مريض أو معاق

لقد جاءها المخاض! 

قالها الأب لأبنائه الصغار، وهو يستعد للمغادرة إلى المستشفى مع أمهم. 

في المستشفى، لم تكن الأمور سهلة على الإطلاق، فقد ظلت الأم تتألم لساعات، بينما هرع الأطباء والممرضات هنا وهناك لمساعدتها. 

أخبروا الأب أن ولادة زوجته متعسرة! 

بعد ساعات، خرج عليه الأطباء بولده الصغير ليحمله بين ذراعيه، لكن كلماتهم وقعت عليه كالصاعقة.  

” لقد حدث نقص أكسجين للجنين في أثناء الولادة، وهو ما أثر في مخه وقلبه، وسيعيش ابنك طوال حياته معاقًا.”

ومن هنا كانت بداية رحلة الألم والمعاناة! 

هيا بنا، لنتعرف سويًّا عبر سطور هذا المقال على التحديات التي تواجه الأسرة تحت ضغط طفل مريض أو معاق. 

ما تأثير وجود طفل معاق في الأسرة؟ 

تقبع أسر الأطفال المعاقين تحت أنواع كثيرة من الضغط النفسي، وليس الطفل ووالداه فقط هم من يعانون، بل يمتد الأمر ليشمل الإخوة وربما أقارب الدرجة الأولى أيضًا كـ “الجدود والجدات”. 

فمنذ قدوم الطفل إلى الحياة، وهو يحتاج إلى عناية خاصة وجهد أكبر، وتزداد احتياجاته كلما كبر عمره. 

وبينما ينفصل الأبناء الأصحاء عن أسرهم يومًا ما بعد أن يصبحوا مستقلين، يحتاج الابن من ذوي الاحتياجات الخاصة إلى البقاء في كنف من يرعاه طوال حياته، وهذا يضع عبئًا إضافيًّا على الوالدين، عبء الخوف والقلق على مستقبل ابنهم إذا أصابهم مكروه. 

إذن، ما هي مسببات الإجهاد العصبي الذي قد يقع على الأسرة تحت ضغط طفل مريض أو معاق؟ هذا ما سنجيب عنه في السطور القادمة. 

مسببات الضغط العصبي لوالدي الطفل المعاق

مسببات الضغط العصبي لوالدي الطفل المعاق

يؤثر وجود طفل من ذوي الاحتياجات الخاصة في نفسية الوالدين تأثيرًا هائلًا، وذلك لأنهما الأقرب إلى الطفل، وهما المسؤولان مسؤولية مباشرة عنه. 

من صور الضغوط العصبية التي قد تواجه الأب والأم ما يأتي:

1- الخوف والقلق:

  • من أن يكون الطفل المريض يعاني أو يتألم. 
  •  من العجز عن مساعدة الطفل وتلبية طلباته. 
  • الخوف على مستقبل الطفل.

2- الإحساس بالذنب:

  •  لعدم القدرة على تخفيف معاناة الطفل وحمايته من الألم الذي يشعر به.
  • تجاه إخوة الطفل بسبب الانشغال عنهم.

3- الإحساس بالعزلة والوحدة بسبب:

  • تفويت العديد من المناسبات العائلية والاجتماعية، بسبب الخوف من عدم اندماج الطفل المريض أو انزعاجه.
  • التعرض للانتقاد من الآخرين الذين لا يفهمون حالة الطفل الخاصة واحتياجاته.  

4- الشعور بالحزن:

  • بسبب عدم قدرة الطفل على الاستمتاع بطفولته كالآخرين. 
  • لأن مستقبل الطفل لن يكون مثل أقرانه. 
الشعور بالحزن

 لا تنتهي القصة هنا، بل تواجه الأسرة تحت ضغط طفل مريض أو معاق الكثير من التحديات الأخرى. 

تأثير وجود طفل معاق في أوضاع الأسرة المالية

 يحتاج الطفل المريض إلى عناية خاصة في جميع مناحي الحياة تختلف عما يحتاج إليه إخوته وأقرانه الأصحاء، وهذا يتطلب بالطبع جهدًا ماليًا إضافيًا من الأسرة، مثل:

  • الحاجة إلى تعليم خاص. 
  • خدمة طبية مكثفة.
  • أدوية وأطعمة خاصة.
  • استخدام معدات خاصة للتنقل.
  • الاستعانة بخدمات أشخاص آخرين للعناية بالطفل داخل المنزل وخارجه. 

قد توقع كل تلك الأمور الأسرة في ضائقة مالية، خاصةً إذا اضطر أحد الوالدين لترك عمله حتى يقوم برعاية الطفل. وأيضًا قد يضع هذا الوضع الطرف العامل تحت ضغط كبير لتوفير احتياجات الأسرة المادية. 

تأثير وجود طفل مريض أو معاق في عمل الوالدين

عادةً ما يضطر أحد الوالدين إلى ترك عمله والتخلي عن أحلامه المهنية من أجل رعاية الطفل المعاق، وغالبًا ما تكون الأم هي من تفعل ذلك. 

في المقابل، ينغمس الأب أكثر وأكثر في العمل، لأنه في بعض الأحيان قد تفوق احتياجات أسرته إمكانياته المادية، فيضطر إلى العمل ساعات إضافية أو في وظيفتين مختلفتين. 

ينتج عن هذا الوضع انغماس أحد الطرفين في حياة الطفل أكثر من الآخر، وقد يشعر هذا الطرف بأنه وحيد، وأن الطرف الآخر لا يشاطره آلامه وإرهاقه. 

وهذا سيقودنا إلى التساؤل عن تأثير وجود طفل معاق داخل الأسرة في علاقة الأبوين ببعضهما. 

تأثير وجود طفل مريض أو معاق في العلاقة بين الأم والأب

غالبًا ما تعاني الأسرة تحت ضغط طفل مريض أو معاق من بعض المشاكل والاضطرابات النفسية

كما قد تزداد المشاحنات وتتوتر العلاقة بين الوالدين لعدة أسباب:

  • الإرهاق والإجهاد. 
  • عدم قضاء وقت خاص مع بعضهما البعض. 
  • خلافات بشأن احتياجات الطفل وطريقة التعامل المثلى معه.
  • القلق والتوتر.
  • الشعور بالذنب أحيانًا تجاه الطفل المريض أو إخوته الأصحاء. 
  • انغماس أحد الوالدين في حياة الطفل المعاق أكثر من الآخر، وشعوره بأن شريكه لا يقوم بالجهد الكافي. 
  • شعور أحد الطرفين بأن الآخر لا يقدر جهوده.

بالطبع، سيؤثر ذلك في النهاية في الصحة النفسية لجميع أفراد الأسرة. 

تأثير وجود طفل مريض أو معاق في حياة إخوته وأخواته

في العادة، ينشغل الأبوان بطفلهما المريض، وهذا قد يكون له نتائج وآثار سلبية في أبنائهم الآخرين -خاصةً إذا كانوا صغارًا- لا يدركون جيدًا الوضع الخاص لأسرتهم. 

فأحيانًا يشعر الأبناء بالغيرة من أخيهم المريض، لأنه يحصل على جُل اهتمام أبويهم. 

كما قد يشعرون بالتقيد والملل، لأن وجود الطفل المريض في حياة الأسرة يؤثر في العديد من الأنشطة التي كان من الممكن أن يفعلوها سويًّا، مثل السفر لقضاء العطلات وغير ذلك. 

أيضًا، الجو الأسري المشحون بالقلق والتوتر والإرهاق النفسي والبدني قد يسبب نوعًا من الضغط النفسي على الأبناء. 

لذا، كان من الضروري أن يشجع الآباء الأبناء على التحدث عن مشاعرهم ومشاركة أحاسيسهم معهم، حتى لا يسبب تراكمها مشاكل نفسية للأبناء في المستقبل، كما يجب أن يتجنب الآباء إشعار أطفالهم الآخرين بالذنب تجاه أخيهم، أو اتهامهم بأنهم غير مقدرين للظروف الخاصة التي تمر بها الأسرة. 

تأثير وجود طفل معاق في الأسرة في علاقتها بأفراد المجتمع

قد تواجه الأسر التي لديها أبناء معاقون بعض المشكلات مع أفراد المجتمع الآخرين، كالجيران والأصدقاء وغيرهم. 

فغالبًا ما يتراوح رد فعل الآخرين تجاه الطفل المريض وأسرته بين أمرين:

  • الشفقة على الطفل والأسرة.
  • التجاهل وتجنب التعامل مع الأسرة.

يحدث هذا عادةً في المجتمعات التي ليس لديها القدر الكافي من الوعي تجاه الأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة. 

ينتج عن هذا الأمر انزعاج الأسرة وطفلها، وحرصهم على تجنب الأنشطة الاجتماعية، وتفضيلهم للانعزال بطفلهم عن الآخرين. 

بالطبع، سيؤثر هذا على نفسية الطفل المريض وقدرته في بناء العلاقات وتحسين مهاراته الاجتماعية. 

إذن..

ما نوع الدعم الذي تحتاج إليه الأسر التي ترعى طفلًا معاقًا؟ 

دعم الأسر الراعية لطفل معاق

على الرغم من اختلاف ظروف واحتياجات كل أسرة من تلك الأسر عن الأخرى، إلا أن جميعها تشترك في احتياجها إلى الدعم المجتمعي. 

فالأقارب والجيران والمدرسة والمعلمون ومؤسسات المجتمع المختلفة جميعهم مسؤولون عن دعم الأسرة مجتمعيًّا ونفسيًّا، وتقديم ما يلزم لهم من المساعدة -كلٌ في مكانه. 

  الاندماج في مجموعات الآباء الذين لديهم نفس الظروف هي طريقة أخرى فعالة، تساعد الأسرة على تبادل الخبرات والنصائح مع الآخرين، كما تشعرها أنها ليست وحدها من تواجه تلك التحديات. 
ختامًا، فإن الأمر ليس شرًّا محضًا؛ فوقوع الأسرة تحت ضغط طفل مريض أو معاق قد يكون فرصة ذهبية لأفرادها لاستكشاف قوتهم الداخلية في مواجهة الصعاب، ولتحسين العلاقات والروابط بينهم كأفراد أسرة واحدة.

المصدر
Parenting Children with Special NeedsChallenges and Issues for Special Needs ChildrenImpact of Child Disability on the FamilyCHALLENGES OF RAISING A CHILD WITH SPECIAL NEEDS AND ISSUES FACED BY SPECIAL NEEDS FAMILIES.The Challenge of Children with Special NeedsDisabilities
اظهر المزيد

د. سارة شبل

سارة شبل، طبيبة أسنان وكاتبة محتوى طبي، شغوفة بالبحث والكتابة منذ الصغر، أسعى إلى تبسيط العلوم الطبية وأتوق إلى إثراء المحتوى العلمي العربي، لكي يتمكن يومًا ما من منافسة نظيره الأجنبي بقوة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق