ترياق الأمراض النفسية

الألم الوهمي | شبح يطارد صاحبه

في البداية طارده الشبح في أحلامه، فكثيرًا ما شاهد نفسه مستلقيًا على ظهره محمولًا على نقالة خشبية، يرى أعلى ساقه اليسرى
حتى ركبته، بينما يتدلى أدناها من فجوة في النقالة، وكان يشعر بقدمه وهي تتأرجح مع تمايل النقالة، فيخشى اصطدامها بالأرض.

ثم بدأ الشبح يطارده في يقظته، فكان يشعر بحركة ساقه المفقودة وكأنها تنحني للخلف، حتى طلب من الأطباء يومًا ثقب سرير المستشفى كي تتدلى ساقه بحرية.

وبحلول أسبوعه الثالث بعد الحادثة المشؤومة، هاجمه شبحه بضراوة مخلفًا نوبة ألم ساحق جعلته يتلوى بعنف ويضرب رأسه
بجوانب السرير المعدنية، إذ كان يشعر بأصابع قدمه وكأنها تنضغط وتتحطم أسفل إطار شاحنة كبيرة.

ذات يوم صرخ في وجه طبيبه قائلًا: “يا لك من كاذب، قلت لي أني لن أشعر بآلام وأوجاع وهمية كهذه، وأنها ستكون مجرد وخز ناتج
عن تأقلم الجسد مع التغيير، وسرعان ما ستختفي.”

وبمرور الوقت، تحسنت حالته وصارت جميع أعضائه بصحة جيدة، إلا تلك المفقودة، ظل شبحها يبث الألم والحزن على فترات متباعدة.

 ما هو الألم الوهمي؟

إن الألم الوهمي (Phantom pain) هو ذلك الألم الكاذب الذي يشعر به الشخص في جزء أو عضو من الجسم قد بُتر مسبقًا.

ويشيع هذا الشعور بوجه عام في الذراعين والساقين، لكن بعض الناس قد يشعرون به عند إزالة أجزاء أخرى من الجسم مثل الثدي.

وهناك ظاهرة أخرى غير مؤلمة تعرف بالإحساس الوهمي بالأطراف (Phantom Limb Sensation)، وتختلف عن ذلك الألم الوهمي؛
إذ يشعر المصاب أن طرفه المبتور ما زال موجودًا ويتحرك.

ما السبب في حدوث ذلك الألم؟

اعتقد الأطباء قديمًا أن الألم الوهمي ناتج عن مشكلة نفسية، وقد ظهر بعد ذلك عدة تفسيرات أخرى محتملة، منها أن هذا الألم
قد ينشأ من النخاع الشوكي والمخ. 

فعندما يشعر جسدك أن هناك شيئًا خاطئًا، وأنه قد فقد الإشارات العصبية الآتية من الذراع أو الساق المفقودة، فإنه يستجيب لهذا الأمر بعدة طرق:

تود الحصول على المزيد من المقالات المجانية على ترياقي؟ اشترك الآن ليصلك كل جديد!

  •  إما أن ينقل الدوائر الحسية الخاصة بالجزء المفقود إلى عضو آخر موجود، فتشعر بالألم في ساقك المبتورة لكن في الحقيقة
    هو في ذراعك أو وجنتيك على سبيل المثال.
  •  أو أن تصدر الأعصاب في النخاع الشوكي إشارات ألم.

كما قد ينشأ الألم نتيجة النهايات العصبية التالفة والندبات المتكونة بعد جراحة البتر، أو نتيجة الذاكرة المادية للألم في المنطقة المصابة قبل البتر.

الأعراض

في الواقع دائمًا ما تختلف أنماط الآلام عن بعضها، فالخفقان الناتج عن الصداع لا يشبه تقلصات المعدة مثلًا، وهكذا.

وبناء عليه فلا عجب في كون الأوجاع الوهمية ليس لها نمط ثابت عند الجميع، فقد تظهر على إحدى الهيئات الآتية:

  • حرقان.
  • التواء.
  • تشنج.
  • طعن أو نخز.
  • صدمة كهربائية.
  • شعور بالسحق أو التهتك.
  • ألم يشبه الوخز بالإبر.

قد يأتي الألم الوهمي فجأة ثم يزول سريعًا، وقد يستمر فترة، وإضافة إلى ذلك قد تشعر بأحاسيس أخرى آتية من الجزء المفقود
من جسمك، مثل:

  • حركة.
  • حرارة.
  • ضغط.
  • اهتزاز.
  • حكة.

ويحتمل أن تظهر الأعراض خلال أسبوع من قطع العضو، وقد تتأخر لأشهر أو سنوات، وغالبًا ما تشعر بالأعراض في الطرف الأبعد
من العضو، كقدم الساق المقطوعة على سبيل المثال.

التشخيص

لا يوجد فحص طبي لتشخيص الألم الوهمي، بينما يشخص الطبيب الحالة بناءً على أعراضك وتاريخ حالتك، كأن تكون قد تعرضت لحادث أو جراحة قبل بَدء الشعور بالألم.

قد يختلط الأمر بين الألم الوهمي وآلام الأطراف المتبقية، لذلك فإن وصف ألمك بدقة سيساعد الطبيب على اكتشاف المشكلة واختيار الحل المناسب لها.

 علاج الألم الوهمي

قد يزول الألم من تلقاء نفسه عند بعض الناس، وقد يستمر مدة طويلة عند آخرين، وفي جميع الأحوال عليك إخبار طبيبك بكل ما تشعر به على الفور، حتى تتلقى العلاج المناسب في أسرع وقت ممكن ولا تقع فريسة الألم المزمن والاكتئاب الذي يصاحبه.

في الواقع، لا يوجد دواء محدد لتسكين الألم الوهمي، وإنما تستخدم بعض أدوية الحالات الأخرى مثل الاكتئاب والصرع في تخفيف آلام الأعصاب، ومن بين الخيارات المتاحة ما يأتي:

  1. مضادات الاكتئاب الثلاثية الحلقة

قد تخفف مضادات الاكتئاب الثلاثية الحلقة (مثل: أميتريبتيلين، ونورتريبتيلين) من آلام الأعصاب؛ وذلك عن طريق تعديل المواد الكيميائية التي ترسل إشارات الألم في جسمك.

وقد يصاحبها بعض الآثار الجانبية، مثل: النعاس وجفاف الفم والرؤية الضبابية.

  1. مضادات التشنج

تستخدم هذه الفئة من الأدوية في الأساس لعلاج نوبات الصرع، لكن بعضها قد يفيد أيضًا في علاج آلام الأعصاب،
مثل: كاربامازيبين، جابابنتين، بريجابالين.

تعطي هذه الأدوية تأثيرًا مهدئًا للألم، ولها بعض الآثار الجانبية مثل: الدوار، وتقلب المزاج.

  1. الأدوية الأفيونية المفعول

ترتبط تلك الأدوية بالمستقبلات الأفيونية الطرفية والمركزية، وتسكن الألم دون فقدان اللمس أو الحس العميق أو الوعي،
وقد تقلل أيضًا من الآليات المقترحة للألم الوهمي بعد البتر. 

لقد أظهرت التجارب فعالية المواد الأفيونية (مثل: أوكسيكودون، ميثادون، مورفين، وليفورفانول) في علاج آلام الأعصاب
-بما في ذلك الألم الكاذب- مقارنة بمضادات الاكتئاب الثلاثية الحلقات والجابابنتين. 

 لكن هذا الخيار لا يصلح لجميع الحالات، خاصة من لديهم تاريخ سابق من تعاطي المخدرات، لذلك ينبغي  لهم إخبار الطبيب بهذا الأمر إن وصف لهم أحد هذه الأدوية.

وقد تسبب تلك المواد الأفيونية العديد من الآثار الجانبية مثل: الإمساك والغثيان والقيء والتخدير، ومن أجل تقليل هذه الأعراض
قد يضاف إليها أدوية أخرى مثل: مضادات الاكتئاب الثلاثية الحلقة، أو مضادات التشنج؛ وذلك لتقليل الجرعة المطلوبة لتسكين الألم ومن ثم تقل الأعراض الجانبية المصاحبة.

قد يستخدم أيضًا الترامادول (وهو مادة أفيونية ضعيفة)، ومثبطات امتصاص السيروتونين والنورأدرينالين المختلطة في علاج الألم الوهمي.

  1. مسكنات أخرى

  تساعد بعض المسكنات الأخرى في علاج ألم الأطراف الوهمية، ويمكن حقن بعضها في منطقة البتر، وتشمل ما يأتي:  

  • مضادات الالتهاب غير الإستيرويدية

تثبط مضادات الالتهاب غير الإستيرويدية (مثل: إيبوبروفين، نابروكسين) الإنزيمات اللازمة لتخليق البروستاجلاندين وتقليل الشعور بالألم.

  • مضادات مستقبلات ن-مثيل-د-أسبارتات (NMDA)

ترتبط هذه المسكنات بمستقبلات (NMDA) على الخلايا العصبية في المخ، فتمنع نشاط الجلوتامات وهو بروتين له دور هام في نقل إشارات الأعصاب.

وقد أفادت الدراسات فاعلية كل من أسيتامين وديكستروميثورفان في علاج الألم الوهمي، ولم يظهر لهما أي آثار جانبية،
على عكس مادة الكيتامين التي قد تسبب التخدير الخفيف، والهلوسة أو فقدان الوعي.

أما مادة الميمانتين فيُحتمل أن تخفف الألم عند تناولها بعد البتر بفترة وجيزة، وليس عند استخدامها في حالات الألم المزمن والاكتئاب.

  • المسكنات التي لا تستلزم وصفة طبية

قد تخفف أيضًا تلك الأدوية (مثل: الأسبرين والأسيتامينوفين) من الأوجاع الوهمية، ولكن يجب عدم الإفراط في استخدامها لتجنب حدوث آثار جانبية خطيرة.

  1. العلاجات غير الدوائية

في بعض الحالات لا يكفي الدواء وحده للسيطرة على الألم، وعندها يوصي الطبيب بعلاجات مساعدة أخرى، مثل:

  • التحفيز الكهربائي للأعصاب عبر الجلد (Transcutaneous Electrical Nerve Stimulation- TENS)

تباع أجهزة (TENS) المحمولة في الصيدليات، كما إنها سهلة الاستخدام وليس لها أي موانع أو آثار جانبية كبيرة.

وفكرة عملها هي إرسال تيار كهربائي ضعيف عبر الرقع اللاصقة التي تضعها على جلدك، فيمكن لذلك التيار قطع إشارات الألم
قبل
أن تصل إلى عقلك.

  • صندوق المرآة

صُمم هذا الصندوق على أن يكون به فتحتان بينهما مرآة، فيُطلب منك أن تدخل الطرف السليم في فتحة والجزء المتبقي
من الطرف المبتور في الأخرى، ثم تنظر إلى انعكاس الذراع أو الساق السليمة في المرآة، وتتابع حركتها.

 تخدع هذه الطريقة عقلك وتجعله يشعر بالحركة التخيلية للطرف المبتور وهو يتحرك طبيعيًا عبر المرآة. 

ويعد هذا النوع من العلاج الطبيعي ذا فاعلية مثبتة للمرضى الذين يعانون الألم الوهمي بعد البتر.

  • العلاج بالإبر

 وفيه يدخل الفني المحترف إبرًا معقمة رفيعة جدًا ومقاومة للصدأ في أماكن محددة من جلدك، لتحفيز جسمك كي يطلق المواد
الكيميائية المسكنة للألم.

  • تحفيز الحبل الشوكي

يجرى تحفيز الحبل الشوكي بأن يضع طبيبك أقطابًا كهربائية صغيرة داخل جسمك على طول الحبل الشوكي، ويرسل تيارًا كهربائيًا صغيرًا من خلالها، وقد يساعد ذلك التيار على تخفيف الألم.

  • تحفيز المخ

إن التحفيز العميق للمخ وتحفيز القشرة الحركية يشبهان تحفيز الحبل الشوكي؛ إذ يضع الجراح الأقطاب الكهربائية في المكان الصحيح
في المخ مستدلًا بأشعة الرنين المغناطيسي.

ولا يزال العلماء يدرسون مدى نجاح هذه الطريقة التي تعد من الوسائل الواعدة في المستقبل.

  • العلاج التكاملي والعلاج المعرفي السلوكي

أفادت بعض التقارير بأن التغذية الراجعة المرئية قد تساعد على تقليل الألم الوهمي، إضافة إلى التصور الموجه وتقنيات الاسترخاء
والتنويم المغناطيسي ودورهم في علاج آلام الأعصاب.

كما كشفت عدد من الدراسات عن فعالية العلاج المعرفي السلوكي في علاج متلازمات الألم العصبي.

  • التحفيز المغناطيسي المتكرر عبر الجمجمة (RepetitiveTranscranial Magnetic Stimulation)

تعتمد هذه الطريقة على وجود مجال مغناطيسي يشبه ذاك المستخدم في أشعة الرنين المغناطيسي، إذ توضع لفائف كهرومغناطيسية على فروة رأسك بالقرب من الجبهة.

ترسل هذه اللفائف نبضات قصيرة، يسري خلالها تيارات كهربائية بسيطة، وذلك في الأعصاب الموجودة في المنطقة المستهدفة من المخ.

لم تُعتمد هذه الطريقة لعلاج الألم الوهمي بعد البتر على وجه الخصوص، إلا أن العديد من البحوث أشارت إلى أهميتها في العلاج.

وفي النهاية، لا تجعل الألم والحزن يهزمانك، فلا يوجد علاج واحد يصلح للجميع، يمكنك تجربة وسائل مختلفة قبل أن تصل إلى
ما يناسبك.

المصدر
What Is Phantom Limb Pain?Phantom Limb Symptoms, Causes, and TreatmentsPhantom pain
اظهر المزيد

د. مي جمال

صيدلانية ومترجمة وكاتبة محتوى طبي. أحب البحث والتعلم، ولا أدخر جهداً لمشاركة وتبسيط ما تعلمت للآخرين. أعتز بالنفس البشرية، وأهوى البحث في أعماقها، ولا أجد أبلغ من الكلمات للتعبير عنها ومناقشة قضاياها، مساهمةً في نشر الوعي والارتقاء بحياة البشر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى