ترياق الأمراض النفسية

تأثير الأمراض الجسدية المزمنة على الحالة النفسية

لم أستطع النوم الليلة الماضية؛ إذ ظللت أفكر في ما حدَّثني به صديقي للمرة الأولى عن حقيقة مشاعره تجاه ما مرَّ به. 

منذ عدة أشهر، أصيب صديقي بنوبة قلبية مفاجئة وهو يستعد لبدء عامه التاسع والعشرين، وبعد تلك اللحظة تغيَّر كل شيء…

صديقي الذي يحب الضحك والكلام أصبح دائم الصمت، مُطيل التفكير، أُحاول إقناعه بالخروج من المنزل ومقابلة بعض الأصدقاء، أو ربما السفر يومين أو ثلاثة إلى إحدى المدن الساحلية الهادئة، لكن دون جدوى…

أقرأ كثيرًا عن تأثير الأمراض الجسدية المزمنة على الحالة النفسية، أحاول أن أبقى إلى جانبه وأن أقدِّم له الدعم المناسب، لكنه كان يرفض أي محاولات للمساعدة.

بالأمس شَعرَ برغبة في التحدث، ظللتُ أستمع إليه بإنصات وأنا أمسك دموعي، تحدثَ عن رغباته وأحلامه،
عن غضبه الذي لا يفهمه، عن يأسه من تلك الحياة التي لم تسير كما حلم بها دائمًا… ووجدتني أخبره بتلك الجملة المعهودة: “دائمًا هناك أمل!” فهل هناك أملٌ حقًا؟

في هذا المقال، نتحدث عن تأثير الأمراض الجسدية المزمنة على الحالة النفسية، وكيف يمكن التعامل مع الإصابة بمرض مزمن، كذلك نتناول بعض الأمراض الجسدية ذات المنشأ النفسي، فتابِع معنا…

الأمراض الجسدية المزمنة

يمتلك تشخيص المرض المزمن بعض الرهبة حيال كونه مزمنًا؛ فالخوف من النتائج المترتبة على تغيير طبيعة
الحياة، كذلك كل ما يصاحبه من حِمل إضافي مادي أو معنوي، وربما أيضًا مشاعر الرفض لما حدث،
كلها أمور تضيف أعباءً كثيرة على الألم الجسدي أو تصعِّب التعامل معه.

الأمثلة الآتية توضح بعض أنواع الأمراض العضوية المزمنة التي قد تؤثر في الحالة النفسية:

ما هو تأثير الأمراض الجسدية المزمنة على الحالة النفسية؟

ما هو تأثير الأمراض الجسدية المزمنة على الحالة النفسية؟

يضيف المرض المزمن شعورًا مستمرًا بالضغط والقلق في كثير من الأحيان. 

وإضافة إلى الأعراض الجسدية للمرض وما يصاحبه من ضعف عام وإرهاق وألم في بعض الأمراض،
هناك بعض الأعراض النفسية غير المرئية تؤثر فيك بشكل مباشر، منها:

القلق والتوتر

يزيد المرض المزمن نسبة الإصابة باضطراب القلق والتوتر نتيجة التغيرات الناتجة عنه في حياة المصاب به وحياة من حوله، كذلك عدم فهم الأعراض وطبيعة المرض جيدًا يؤثر في مقدار الشعور بالتوتر فيزيد العبء النفسي على المريض.

الاكتئاب

يظهر تأثير الأمراض الجسدية المزمنة على الحالة النفسية واضحًا جليًا في نِسَب تعرُّض المصابين بها للاكتئاب؛
إذ إن واحد من كل ثلاثة أشخاص مصابين بأمراض مزمنة يعاني أعراض الاكتئاب المرضي.

لذا؛ العلاقة بين الاكتئاب والمرض المزمن ليست هينة؛ فمن المتوقع أن يشعر المصاب بالضيق والحزن نتيجة
التغيرات التي قد تعوق حركته، أو تؤثر في حريته أو استمتاعه بأنشطته المعتادة، وبالطبع في حالته المزاجية،
وربما تؤثر في مجال عمله وطبيعته، فيصيبه اليأس ويفقد المعاني التي كان يعيش لأجلها.

هذا إضافة إلى الألم المستمر الناتج عن بعض الأمراض المزمنة، أو ألم العلاج كما في حالة الإصابة بالأمراض
السرطانية على سبيل المثال.

وقد يكون الاكتئاب عرضًا جانبيًا لبعض الأدوية، فتتحسن أعراضه بتغيير تلك الأدوية.

العبء المادي والمعنوي

يضفي المرض المزمن عبئًا ماديًا على المريض وأسرته، وقد يؤثر في إمكانية احتفاظه بوظيفته فيتأثر دخل الأسرة،
ومن ثَم تزداد مشاعر القلق والتوتر، والشعور بالرفض لما حدث.

الأمر الذي يصبح أكثر صعوبة في حال الأشخاص الناجحين مِهَنيًا بدرجة كبيرة، أو المسؤولين وحدهم عن تحمل أعباء الأسرة المادية. كل هذا يشكل عبئًا معنويًا قد يصعُب على بعض الأشخاص التعامل معه.

تغير الهيئة أو المظهر

بعض التغيرات الجسدية الناتجة عن المرض المزمن قد تغير مظهرك الخارجي، وهو ما قد يؤثّر في مستوى رضاك
عن ذاتك ويجعلك تفقد ثقتك بنفسك، فتفضِّل الانسحاب من المواقف الاجتماعية، وتؤثِر العزلة، وتزداد حالتك سوءًا.

العقل البشري وحل المشكلات

يعمل عقلك البشري -بطريقة عجيبة- على حل المشكلات التي تواجهها، فيعطيك حِيَلًا وأفكارًا للتغلب على الصعاب المختلفة. 

فمثلًا؛ إذا كنت تعاني بعض القلق أو التوتر، يعطيك عقلك حلولًا بتجنب المواقف التي قد تزيد توترك،
ما ينتج عنه تجنب القلق والتوتر بالفِعل على قدر الموقف.

لكن الجانب الآخر لهذه الحِيلة هو كونها تجعلك تتجنب التعرض لكثير من المواقف، فتحرمك عيش حياة طبيعية،
وتصير مفضِّلًا الراحة على المواجهة.

لماذا أحاول؟

تصعّب طبيعة المرض المزمن على عقلك تلك المهمة بابتكار حلول للمشكلات المستحدَثة، نظرًا لكونه مزمنًا؛
أي يُحتمل أن يستمر معك مدى الحياة. 

ليس بالضرورة أن يكون المرض المزمن مستمرًا مدى الحياة، لكنه يحتاج إلى فَرْض بعض الإجراءات العلاجية أو
الوقائية وتغيير نمط الحياة، ويظل احتمال تكرار حدوثه قائمًا.

ولعل هذا هو السبب في رفض كثير من المرضى محاولات العلاج النفسي، أو حتى الالتزام بالعلاج الجسدي لحالتهم المرضية. فلماذا أحاول وليس هناك جدوى؟!

كيفية التعامل مع المرض المزمن

أوضحت الدراسات أن أكثر ما يمكننا التحكم به هو أفعالنا وتصرفاتنا، بينما نملك سيطرة أقل على أفكارنا ومشاعرنا،
وسيطرة أقل منها على تصرفات الآخرين، ونملك أقل سيطرة على مشاعر الآخرين وأفكارهم.

هذا يعني أنه ليس بالضرورة أن تقتنع بأهمية ما تفعله أو جدواه، ما دمت ستستمر في عمله مهما حدث.

استمرارك في اتباع نظام رياضي أو غذائي صحي، يوصلك إلى نتائج جيدة ويقلل احتمالية الإصابة المتكررة ببعض
الأمراض؛ لكن شعورك باليأس تجاه الاستمرار عليها، وانتظار أن تكون بحالة نفسية جيدة، يبعدانك عن أي “فعل”
من الممكن أن يفيدك!

القيمة والهدف

قد يؤثر مرضك المزمن في قدرتك على الاهتمام بأبنائك على سبيل المثال؛ لكنك لا زلت تستطيع أن تعطيهم من وقتك
في قراءة قصص، أو الاهتمام بأعمال يدوية، أو أنشطة تتطلب جهدًا تستطيعه. 

لذا فكر في القيمة التي كنت تبحث عنها قبل مرضك، وستجد أنك لا زلت تستطيع تحقيقها لكن بطريقة مختلفة.

النقاط الآتية يَجِبُ ألَّا تغفل عنها لمواجهة تأثير الأمراض الجسدية المزمنة على الحالة النفسية:

  • اللجوء إلى مساعدة متخصصة: فالعلاج النفسي سيحسِّن حالتك الجسدية ويزيد قدرتك على الانتظام على تناول أدويتك العلاجية، والعكس صحيح.
  • العلاج المعرفي السلوكي: بمساعدة المعالِج النفسي، يمكن أن تغيِّر نظرتك لمرضك الجسدي، وتعرف كيف يمكنك مواصلة الحياة بطرق مختلفة غير ما خططت له من قبل.
  • مجموعات الدعم النفسي: تمتلك مجموعات الدعم أهمية كبرى في مواجهة الأمراض المزمنة؛ إذ تُشعرك بتعاطف مَن يشاركونك نفس حالتك، وتمدك بأفكار للتأقلم مع المرض.
  • تغيير نمط المعيشة: اتِّباع أنظمة صحية جيدة يحسن حالتك النفسية والجسدية على حد سواء، ويجنِّبك مضاعفات بعض الأمراض.

هل المرض النفسي يسبِّب مرضًا عضويًا؟

بالحديث عن الأمراض الجسدية ذات المنشأ النفسي، لا يعي كثير من الناس تأثير الاعتلال النفسي في تغيير كيمياء
المخ؛ فالأمراض النفسية تؤثر في توازن بعض النواقل العصبية الهامة والمؤثرة في وظائف الجسم المختلفة،
وليست الحالة المِزاجية فقط.

لذا يمكن أن يسبِّب المرض النفسي أمراضًا عضوية مختلفة، ومن أمثلة تلك الأمراض النفسية:

وهي من الحالات النفسية التي تزيد احتمالية الإصابة بأمراض القلب على سبيل المثال.

للمزيد اقرأ: حقيقة الأمراض الجسدية ذات المنشأ النفسي

النقطة السابقة تُعَد قضية هامة في التعامل مع الأمراض النفسية عند النساء؛ إذ يشيع التهاون بشكوى المرأة النفسية في
كثير من الأحيان ولا تؤخَذ بشكل جاد، فيَميل بعض الأطباء إلى تشخيص أعراضها الجسدية أنها بسبب تغيرات مزاجية ليس إلا… لكنها قد تتطور إلى أمراض جسدية بالفعل إذا لم يتم التعامل معها وتشخيصها بدقة.

لمعرفة المزيد عن أشهر أنواع الاضطرابات النفسية التي تصيب النساء اقرأ: الأمراض النفسية عند النساء

بالطبع سيربك مرضك حساباتك، سيوقف زمنك في وقت ما، ستحزن وتيأس وتشعر بفقد القدرة على مواصلة الحياة.
لكن عند نقطة ما، ستقف مجددًا وتفكر في غايتك من الحياة، ستكتشف آفاقًا جديدة ربما لم تتخيلها، وطرقًا للتمتع بنِعَم لم تقدِّرها حق قَدْرها… ستعلم أن الحياة يمكن أن تستمر مهما واجهت، وربما الآن هو دورك لتعيشها بطريقتك الخاصة، فانطلق!

المصدر
Chronic Illness Dealing With Chronic Illnesses and DepressionBattling the Stress of Living with Chronic IllnessCoping with the Emotional Impact of Chronic DiseaseHow a chronic illness affects your mental healthLiving with a chronic illness - reaching out to others
اظهر المزيد

د. آلاء عمر

آلاء عمر، صيدلانية، أم، وكاتبة محتوى طبي، أهدف إلى إيصال المعلومة الطبية للقارئ بسهولة وزيادة الوعي الطبي لدى الناس. مهتمة بمجال الصحة النفسية وما يخص الطفل والمرأة طبياً. مؤمنة بقدرة الإنسان على اكتساب الوعي والتغيير الإيجابي للإرتقاء بمستوى حياته للأفضل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق