ترياق الأمراض النفسية

الأمراض السيكوسوماتية | سر الألم الغامض!

– السلام عليكم سيدي الطبيب…

= وعليكم السلام؛ أخبرني مما تشكو!

– أشعر بآلام شديدة في أنحاء متفرقة من جسدي، أكثرها أسفل الظهر.

= حسنًا؛ أخبرني عن تاريخك المرضي، وكيف بدأت هذه الآلام.

– أحكي لك الأمر من البداية؛ بدأ الألم بعدما تعرضتُ لصدمة عصبية شديدة، إثر علاقة عاطفية فاشلة منذ حوالي أسبوعين.

شعرتُ بأن الدنيا صارت سوادًا، وانطفأت شمعة قلبي بعد اتقادها لسنوات. ثم ظهرت تلك الآلام، لتنغص عليَّ عيشي دون سبب وجيه لظهورها.

= هل أجريتَ فحوصات وأشعة من قبل؟

– نعم سيدي… وبدت جميعها سليمة!

= إذًا، أنت تعاني ما يُسمَّى بالأمراض السيكوسوماتية.

– وما الأمراض السيكوسوماتية، سيدي؟ أهي أمر خطير؟ هل سأموت منها؟! 

تود الحصول على المزيد من المقالات المجانية على ترياقي؟ اشترك الآن ليصلك كل جديد!

= اهدأ -عزيزي- لا داعي للهلع؛ فإن الأمراض السيكوسوماتية قد تصيب أيًا منا، ولها أسباب وعلاج. سأشرح لك تفصيلًا ماهية الأمراض السيكوسوماتية، فاضغ إليَّ جيدًا.

معنى الأمراض السيكوسوماتية

يُقال في أحد الأمثلة الشعبية: “فكِّر بعقلك لا بقلبك”، ويقال أيضًا: “قلب المؤمن دليله”.

دائمًا ما يرتبط العقل والقلب بما يحدث لصاحبهما؛ فالعقل تدبير ومنطق، والقلب عاطفة ومشاعر. وبين هذا وذاك، يحتار الإنسان كي يتخذ قرارًا في موقف يواجهه.

لكن… ماذا يحدث إذا اتفق كلاهما عليك وصرتَ بين شقي الرحى؟! ماذا لو تعاطف قلبك مع حدث ما وتفاعل عقلك مع مؤثرات سلبية، فانقلبا عليك وعلى جسدك؟!

إن العقل قوة كبيرة لك، وربما عليك؛ فهو سلاح ذو حدين، إما أن تحسن استخدامه بمميزاته وقدراته الفائقة، أو ينقلب عليك بلا هوادة.

ربما يكون مصطلح الأمراض السيكوسوماتية جديدًا عليك نوعًا ما، لكن أغلبنا يعاني أحد هذه الأمراض دون دراية، وهو ما نحن بصدد الحديث عنه.

فمصطلح الأمراض السيكوسوماتية يشير إلى تلك الأمراض النفسية الجسدية التي تتمثل في مرض حقيقي بالجسم، بسبب تفكير سلبي أو مشاعر سلبية خاضها عقل الإنسان وقلبه، فتأثر بها وعادت عليه بالمرض.

تنشأ الأمراض السيكوسوماتية من الإجهاد العاطفي، فتظهر في صورة مرض كألم بالجسد، أو علامات كالتي تنجم عن بعض الكدمات، خاصةً إذا كان جهاز المناعة لدى الإنسان ضعيفًا، مما يساعد على تمكن الأمراض السيكوسوماتية من جسده.

فقد صدق أسلافنا ممَّنْ توارثنا عنهم مقولة “الحزن لا يأتي إلا بالمرض”. لذا، أُمِرنا أن نفرح ونستبشر خيرًا ونتحلى -دومًا- بالتفكير الإيجابي، ولا نسلم قلوبنا للأحزان.

أسباب الأمراض السيكوسوماتية

إذا وضعتَ طنجرة ملأى بالماء على النار، وأحكمتَ إغلاقها وتركتَها حتى الغليان، فإن بخار الماء حتمًا سيسبب ضغطًا -على جوانب الطنجرة- يزداد بمرور الوقت حتى تتصدعَ الطنجرة عند أضعف نقطة في هيكلها، مما يسبب الانفجار في النهاية وفساد الطنجرة.

وهذا ما يحدث بالضبط مع الإنسان؛ فالتعرض للضغط السلبي المستمر -دون القدرة على التنفيس عن تلك المشاعر السلبية- يؤدي في النهاية إلى الإجهاد العاطفي، والانهيار الذي يظهر على هيئة مرض في أضعف نقطة لديك في جسدك.

فقد تظهر في صورة آلام بالرقبة (إن كانت رقبتك أضعف نقطة لديك)، أو مشكلات بالجهاز الهضمي، أو صداع… إلخ.

قد تتأثر مناعتك أيضًا بسبب الإجهاد النفسي والاكتئاب والتوتر الذي تتعرض له، فنجد أن المُعَرَّضين للتوتر أكثر عرضة للإصابة بالزكام أو الإنفلونزا من غيرهم، وقد يستغرقون مدة أطول للتحسن.

لا تزال أسباب الأمراض السيكوسوماتية غير واضحة، لكن هناك بعض العوامل التي قد تشارك في الإصابة بهذه الأمراض، وهي:

  • عوامل وراثية وبيولوجية، مثل: زيادة الحساسية للإصابة بالألم أو المرض.
  • التأثير العائلي، مثل: غياب الوالدين عن الطفل منذ الصغر أو قسوة معاملتهما للطفل، وهذا من أشهر أسباب الإصابة بالأمراض السيكوسوماتية عن الأطفال.
  • عوامل شخصية، وهي تتمثل في الشخصية السلبية المحفورة في نفس الفرد.
  • قلة الوعي، وكذلك عدم القدرة على التعامل الصحيح مع المشاعر السلبية.

وهناك -أيضًا- بعض عوامل الخطر التي قد تساعد على الإصابة بالأمراض السيكوسوماتية، منها:

  • معاناة الاكتئاب أو القلق.
  • معاناة مرضٍ جسدي أو في أثناء فترة التعافي من أحد الأمراض.
  • القابلية للإصابة بأحد الأمراض الجسدية لأي سبب، مثل: وجود تاريخ عائلي للإصابة بمرض ما.
  • التعرض للضغوط والصدمات النفسية المتكررة.
  • التعرض لبعض الصدمات النفسية في أثناء الطفولة، مثل: التحرش الجنسي بالأطفال

قد تؤدي الإصابة بالأمراض السيكوسوماتية إلى مشكلات أكبر صحيًا ونفسيًا واجتماعيًا على مختلف الأصعدة، مثل: المشكلات في العمل والتعرض لمشكلات اقتصادية كبيرة.

أعراض الأمراض السيكوسوماتية

يُعَدُّ الألم الذي يتمركز في مكان ما -كالظهر، وكذلك ضيق التنفس- أشهر أعراض الأمراض السيكوسوماتية،
وقد تكون الأعراض عامة كالإجهاد والضعف الجسدي العام.

ربما ترتبط أعراض الأمراض السيكوسوماتية بمرض يعانيه المصاب، مثل: السرطان، وقد لا ترتبط بأية أمراض،
لكن تظهر أعراضها أكثر وضوحًا من غيرها مما يتشابه معها من الأمراض.

تتفاوت الأعراض فيما بينها من حيث شدتها، وقد تظهر عدة أعراض معًا أو يظهر عرض واحد فقط على المريض،
وقد تتشابه الأعراض -كذلك- أو تتنوع بين مكان وآخر في الجسم.

الأمراض السيـكوسوماتية وعلاقتها بالتفكير السلبي

مهما كانت أعراض الأمراض السيكوسوماتية التي تعانيها، فإن لها ارتباطًا وثيقًا بأفكار سلبية تراودك، وتعيقك عن أداء المهام والوظائف على النحو المطلوب، ومن أهم هذه الأفكار والسلوكات والمشاعر السلبية ما يأتي:

  • القلق المستمر بشأن احتمالية الإصابة بمرض ما.
  • التعامل مع ردود أفعال الجسم الطبيعية على أنها علامة لمرض خطير.
  • النظر إلى أعراض مرض ما على أنها خطيرة، في حين أنها قد لا تكون كذلك.
  • تجنب تحريك الجسم خوفًا من تفاقم المرض.
  • الشعور بأن التقييم الطبي للحالة وكذلك العلاج غير كافيين.
  • المداومة على فحص الجسد -ربما تصل لعدة مرات في الساعة- لاكتشاف أية إصابات أو تغيرات.
  • زيارة الطبيب دائمًا من أقل شكوى دون الاحتياج إلى ذلك.
  • الخوف الزائد من الأعراض الجانبية للأدوية، أو من عدم الاستجابة لها.

وتُعَدُّ أهم أعراض الأمراض السيكوسوماتية هي طريقة التفكير السلبية في الأعراض حال ظهورها، وكذلك طريقة التعامل معها، وكيفية تأثيرها في حياتك اليومية.

الأمراض السيـكوسوماتية عند الأطفال

لا تختلف الأمراض السيكوسوماتية عند الأطفال عنها عند الكبار في أسبابها أو أعراضها؛ فقد يقع الطفل فريسة للمشكلات الأسرية وسوء المعاملة والضغط المدرسي، سواء من الدراسة، أو من قِبل أقرانه (كالتنمر مثلًا)،
وقد يعاني خللًا في جيناته الوراثية يؤدي إلى إصابته بالأمراض السيكوسوماتية.

تتراوح نسبة الإصابة بالأمراض السيكوسوماتية عند الأطفال والمراهقين بين 10% إلى 25%، وتشتمل الأعراض الأكثر شيوعًا على آلام بالبطن والصدر، وآلام بالأطراف والظهر، وصعوبة التنفس.

يُعَدُّ التاريخ المرضي للطفل -وكذلك التاريخ النفسي والاجتماعي والفحص البدني- أهم الجوانب التشخيصية لحالته، لاستبعاد المسببات العضوية للأعراض.

تشخيص الاضطرابات السيكوسوماتية

من المؤكد أن تشخيص المرض أهم خطوة للمضي قدمًا في العلاج نحو مزيد من التحسن، لكن تشخيص الاضطرابات السيكوسوماتية من أصعب الأمور التي قد يواجهها الطبيب.

فالطبيب يُشخص الحالة بناءً على أدلة عينية واضحة من فحوصات طبية وتحاليل وأشعة، ثم إذا نفذت الاحتمالات أمام الطبيب، فليس لديه طريق سوى اختبار الحالة النفسية.

فإذا سألك الطبيب عن حالتك النفسية، وعن مقدار الإجهاد والضغط النفسي والتوتر الذي تتعرض له في حياتك،
فهذا لا يعني -البتة- أنه يقلل من شأن حالتك المرضية، أو يوجه لك اتهامًا بأنك موهوم.

الألم الذي تشعر به -وما تعانيه من مرض- حقيقيٌ بالفعل، لكنه يعزي ما تعانيه إلى الحالة النفسية بعد استبعاد المسببات العضوية، ومن ثَمَّ يشرع في الخطة العلاجية المناسبة.

وقد طور العلماء مقياس الأمراض السيكوسوماتية ليصبح أكثر ملاءمة ودقة لتشخيص الاضطرابات السيكوسوماتية.

فقد نشرت الجمعية الأمريكية للطب النفسي ما يُسمَّى بـ”الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات العقلية
(DSM-5)”، ويحتوي على بعض النقاط التي تساعد على تشخيص الأمراض السيكوسوماتية منها:

  • إذا كان لديك عرض أو أكثر من الأعراض الجسدية -مثل آلام الرقبة والإجهاد العام- التي تؤثر بالسلب في نشاطاتك وحياتك اليومية.
  • اذا كانت لديك أفكار سلبية ومستويات عالية من القلق بشأن خطورة الأعراض التي تعانيها.
  • إذا استمرت الأعراض التي تقلقك لستة أشهر أو أكثر.

بالإضافة إلى بعض الأسئلة عن بعض العادات الشخصية، مثل سؤالك عن التدخين وشرب الكحوليات، وكيفية التعامل مع الضغوط في مواقف مختلفة.  

علاج الأمراض السيـكوسوماتية

في حال توصل الطبيب إلى التشخيص السليم للحالة، فإنه يبدأ على الفور في خطة العلاج، إذ يكون الهدف الأساسي من العلاج تحسين حياتك اليومية، وكذلك تحسين قدرتك على العمل.

وينقسم علاج الأمراض السيكوسوماتية إلى ثلاثة أقسام، هي:

  1. العلاج النفسي

نظرًا لكون الأعراض الجسدية للأمراض السيكوسوماتية ترتبط في الأساس بالحالة النفسية والمزاجية للفرد،
فإن العلاج النفسي أمر حتمي في هذه الحال.

يُعَدُّ العلاج المعرفي السلوكي من أهم الخطوات الفعالة في علاج أعراض الأمراض السيكوسوماتية، مما يحسن من الحالة البدنية للمريض؛ فهو يساعد على ما يأتي:

  • تعديل مسار متابعة الفرد للأعراض التي تظهر عليه جسديًا، ومن ثَمَّ التعامل معها بشكل صحيح.
  • تعلُّم كيفية التحكم في الضغوط النفسية وتخفيف التوتر النفسي.
  • تقليل الانشغال بالمرض.
  • التوقف عن تجنب الأنشطة الحياتية بسبب ما تشعر به جسديًا من آلام.
  • تحسين الأنشطة والوظائف اليومية للفرد في المنزل والعمل، وفي المواقف الاجتماعية المختلفة.
  • علاج الاكتئاب والاضطرابات النفسية والعقلية التي قد تكون سببًا للأمراض السيكوسوماتية.

ولا نغفل عن العلاج الأسري، والذي أثبت أن له بالغ الأثر في تحسين الحالة الصحية لمصاب الأمراض السيكوسوماتية، عندما يجد الدعم ويشعر بالألفة والاهتمام.

  1. العلاج العضوي

تبدأ الأمراض السيكوسوماتية -كما ذكرنا- بالحالة النفسية السيئة، وتنتهي إلى مرض عضوي يتفاوت في خطورته من إنسان لآخر.

وعندما يصف الطبيب الدواء، فإنه يسير في طريقين متوازيين، هما: علاج الحالة النفسية، وعلاج المرض العضوي الناجم عن الحالة النفسية.

وقد وُجِد أن مضادات الاكتئاب تساعد كثيرًا على تقليل الأعراض المصاحبة للاكتئاب وتحسين الحالة المزاجية،
وبالتالي تقليل الألم الناتج عن الاكتئاب.

اقرأ مضادات الاكتئاب ثلاثية الحلقة | بداية طريق النجاة.

في بعض الحالات التي لا تستجيب للدواء، يضطر الطبيب إلى تبديل الدواء لآخر، أو الدمج بين أكثر من دواء لتعزيز الفعالية.

أما عن علاج المرض ذاته الذي قد يكون خطيرًا، فيختلف باختلاف موضع المرض. ولا يجب إهماله أبدًا؛ فهو حالة مرضية حقيقية غير وهمية تحتاج إلى رعاية طبية حتى الشفاء.

  1. تغيير نمط الحياة الحياة اليومية

ويشمل تغيير نمط الحياة اليومية تغيير العادات السيئة إلى عادات سليمة، مثل:

  • الإقلاع عن التدخين أو تناول الكحوليات إذا كنت ممَّنْ يتعاطونها.
  • التدرب على ضبط النفس والتحكم في العواطف والأفكار.
  • ممارسة الرياضة، وتمرينات اليوجا، والتاي تشي للمساعدة على الاسترخاء.
  • المشاركة الفعالة في الأنشطة الاجتماعية والأسرية.

ختامًا -عزيزي القارئ- لا تدع لنفسك فرصة لافتراسك، ولا تنقَد خلف تلك الأفكار السلبية التي تجلب عليك الأمراض من حيث لا تحتسب، وتعلَّم التحكم في كل انفعالاتك على الدوام.

المصدر
An Overview of Psychosomatic IllnessSomatic symptom disorderPsychosomatic DisordersPsychosomatic disorders in pediatrics
اظهر المزيد

د. محمود المغربي

صيدلي إكلينيكي، عملت في المجال الطبي لسنوات اكتسبت خلالها الخبرة الكافية بالإضافة إلى الخلفية الطبية القوية كصيدلي إكلينيكي. أهدف إلى مساعدة الناس على تحقيق حياة صحية أفضل من خلال إعطائهم معلومات دقيقة تستند إلى مراجع طبية موثوقة، بأسلوب كتابة سهل تتحول فيه المعلومات الطبية الأكثر تعقيدًا إلى كلمات سلسة تتدفق بسهولة في ذهن القارئ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى