ترياق الأمراض النفسية

هل الأمراض النفسية وراثية؟

واجهت عائلة (مارييل همنغواي) -ممثلة وكاتبة أمريكية- مصيرًا مأساويًا للغاية، فقد وُلِدَت (مارييل) بعد انتحار جدها الروائي الكبير (إرنست همنغواي) بستة أشهر.

وسجلت العائلة سبع حالات انتحار أخرى، بالإضافة لإرث باقي الأفراد من الاكتئاب والإدمان واضطرابات الطعام.

وقد شاركت (مارييل) في فيلم وثائقي بعنوان “الهروب من الجنون”، وناقشت فيه تحديات الكآبة ومشكلات الإدمان والعنف والانتحار التي رافقت عائلتها كاللعنة، وقد شاركت مرارًا وتكرارًا تاريخ عائلتها من أجل الدفاع عن أهمية الصحة النفسية، والحرص على مساعدة الآخرين.

والجدير بالذكر أن عادة البشر دائمًا هي عدم الإفصاح عن التاريخ العائلي للأمراض النفسية، خوفًا من ملاحقة وصمة العار.

ولعل مناقشة تلك الأمراض مع المختصين بصدق ستفيد في الوقوف على رأس المشكلة، وتحديد العلاج المناسب.

هل الأمراض النفسية وراثية حقًا؟

في الحقيقة، تزداد فرصة إصابة الشخص بمرض نفسي معين إذا كان أحد أفراد عائلته يعاني نفس المرض. 

وبالرغم من أن الاضطراب النفسي قد ينتشر بين أفراد الأسرة الواحدة، إلا أنه قد تظهر اختلافات كبيرة في شدة الأعراض بينهم. 

وهذا يعني أن أحد أفراد الأسرة قد يكون مصابًا بحالة خفيفة، بينما يعاني شخص آخر حالة أكثر خطورة من نفس المرض؛ فالأمراض النفسية والاضطرابات العقلية لا تتبع الأنماط النموذجية للوراثة.

هل المرض النفسي وراثي ويمكن أن أنقله لطفلي؟

يدور هذا السؤال في أذهان العديد من الآباء والأمهات المصابين بأمراض نفسية. ولحسن الحظ، رغم أن الجينات الوراثية أحد عوامل الخطر للإصابة بمرض نفسي، إلا أنه ليس بالضرورة أن يكون هذا هو المصير الحتمي لطفلك.

فكي تعبر هذه الجينات عن حالة مرضية وتُظهِرها، يجب أن تواجه عوامل بيئية وفوق جينية معينة، بالإضافة لتأثير نمط الحياة الشخصي والظروف الصحية العامة.

هل الأمراض العقلية وراثية مثل داء السكري وارتفاع ضغط الدم؟

تُشير (تريزا شوك) -مستشارة مهنية في الصحة العقلية، وعضو فريق الجينات بإحدى مستشفيات ولاية ويسكونسن- إلى أنه لا توجَد اختبارات جينية محددة يمكنها الجزم بأن شخصًا ما سيصاب بمرض عقلي أو لا.

وإن وجود تاريخ عائلي من الأمراض العقلية يمكن النظر إليه على غرار متابعة تاريخ أمراض العائلة، من ارتفاع ضغط الدم أو مرض السكري.

فهو يعني زيادة خطر التعرض لمشكلة صحية معينة، لكن لا يؤكد مَنْ سيصاب بالمرض تحديدًا، وكيف ستظهر أعراضه.

لهذا السبب، عندما يوجَد شخص لديه تاريخ عائلي من الاضطرابات النفسية، لا بُدَّ من توعيته بأن توقعات الصحة العقلية تفوق نظريات علم الأحياء وعلم الوراثة. 

إن معظم الاضطرابات النفسية تنجم عن مجموعة من العوامل الجينية والبيئية المتعددة، وهذا ما يُسمَّى بالوراثة عديدة العوامل (Multifactorial inheritance). 

والكثير من المشكلات الطبية الشائعة الأخرى -مثل: مرض السكري من النوع الثاني، والسمنة، والربو- تخضع أيضًا للوراثة عديدة العوامل.

هل الأمراض العقلية وراثية مثل داء السكري وارتفاع ضغط الدم؟

 هل مرض الاكتئاب وراثي؟

في الواقع، ليس للاكتئاب نمط وراثي واضح في العائلات؛ فمن ناحية، تشير الدراسات إلى أن الأشخاص الذين لديهم قريب من الدرجة الأولى (مثل أحد الوالدين أو الأشقاء) مصاب بالاكتئاب، تزداد احتمالية إصابتهم بمقدار مرتين أو ثلاثة.

ومن ناحية أخرى، فإن العديد من الأشخاص الذين يصابون بالاكتئاب ليس لديهم تاريخ عائلي على الإطلاق، في حين أن كثيرًا ممَّنْ لديهم قريب مصاب لا يصابون به أبدًا.

مع العلم أن تصرفات المريض النفسي يمكن أن يتأثر بها مَنْ حوله؛ فالشخص الذي عاش مع مصاب الاكتئاب من المحتمَل أن يتأثر بكثير من تصرفاته وأسلوب حياته، فتظهر عليه بعض الأعراض ولكن لا يكون سببها مرضي.

ما هي الأمراض النفسية الوراثية؟

لقد أدرك العلماء منذ زمن أن العديد من الأمراض النفسية تميل إلى الانتشار بين أفراد العائلة الواحدة، مما يشير إلى وجود عوامل وراثية محتمَلة. وتشمل هذه الأمراض:

وقد كشفت الدراسات الحديثة عن وجود اختلافات في أربع مناطق جينية مرتبطة بهذه الاضطرابات، وذلك بعد فحص الحمض النووي للأشخاص المصابين.

ووُجِدَ أن بعض هذه الاختلافات الجينية يؤثر في كيفية انتقال الكالسيوم عبر المخ، وقد أثارت هذه النتائج توقعات حول إمكانية تطوير وسائل علاجية جديدة لهذه الحالات.

ومع ذلك، فإن الباحثين لم يستطيعوا التنبؤ بتشخيص تلك الحالات المرضية من هذه الاختلافات الجينية الصغيرة.

يوضح الجدول التالي نِسَب فرص توريث مرَضَي الفصام والاضطراب ثنائي القطب:

الفصامالاضطراب ثنائي القطب
إذا كان أحد الأبوين مصابًا بتلك الحالة6 %10 %
إذا كان كلا الأبوين مصابين45 %40 %
إذا كانت أختك أو أخوك مصابين9 %13 %
إذا كان توأمك المتماثل مصابًا40-50 %40-70 %
إذا كان توأمك غير المتماثل مصابًا17 %20 %
إذا كان لديك قريبًا من الدرجة الثانية مصابًا (عمك أو خالك أو جدك)3 %5 %
ما هي الأمراض النفسية الوراثية؟

أسباب الاضطرابات النفسية والعقلية

هناك عدة أسباب للأمراض النفسية والعقلية، ويمكن أن يؤثر كل سبب في نوع المرض. وتشمل الأسباب الأكثر شيوعًا ما يلي:

إصابة ما قبل الولادة

قد يعاني الطفل مشكلات بالصحة العقلية إذا تعرضت والدته لإصابة أو صدمة خلال الحمل، كما أن تناوُل الأم للكحوليات في أثناء الحمل يمكن أن يؤدي إلى حدوث اضطرابات طيف الكحول الجنينية (Fetal Alcohol Spectrum Disorders).

الالتهابات

عندما يصاب الجسم بعدوى، فإن جهاز المناعة ينشط لمكافحتها. وإذا كان الالتهاب الناجم عن تلك العدوى مزمنًا، فإن استجابة خلايا الجهاز المناعي قد تسبب تلفًا في أنسجة المخ السليمة.

الصدمة

تؤثر الصدمات في العديد من جوانب صحة الإنسان، بما في ذلك الإساءة العاطفية، أو الجنسية، أو الجسدية. 

فأي حدث يسبب إصابة جسدية أو عاطفية في أثناء الطفولة يؤدي إلى زيادة احتمالية حدوث اضطراب عقلي، مثل: اضطراب ما بعد الصدمة، واضطراب الشخصية الحدية، والاكتئاب.

كما أن الظروف الاجتماعية القاسية للغاية، وفقدان أحد الأحباء، والكوارث الطبيعية من العوامل الرئيسة أيضًا في ذلك.

العوامل البيئية

قد يساهم نمط حياتك وبيئتك في صحتك العقلية بنسبة كبيرة، ومن العوامل المؤثرة في ذلك:

  • الحرمان من النوم.
  • تعاطي المخدرات.
  • الظروف الخطرة في مكان عملك.
  • التلوث والتعرض طويل الأمد للسموم الموجودة في: الطعام المعالَج بالمبيدات الحشرية، والمضادات الحيوية، والهواء المستنشَق، ومنتجات النظافة الشخصية، والمنظفات.

العوامل الوراثية

لكي نفهم بشكل أعمق الإجابة على السؤال السابق “هل الأمراض النفسية وراثية أم لا؟”، لا بُدَّ أن نتعرف إلى العوامل الوراثية التي تساهم في تطور الاضطرابات النفسية والعقلية. تنقسم هذه العوامل إلى:

  • عوامل الوراثة اللاجينية

إن علم الوراثة اللاجينية هو الذي يدرس العوامل الخارجية والبيئية التي تنشط أو تثبط عمل الجينات، وتؤثر في كيفية قراءة الخلية لتلك الجينات، ولا علاقة لها بالتغيرات التي تحدث في الحمض النووي.

تؤثر الوراثة اللاجينية في كيفية تفاعل الشخص مع العوامل البيئية، وإذا كان سيعاني اضطرابًا عقليًا نتيجة لذلك أم لا. 

  • تعدد الأشكال الجينية

إن تعدد الأشكال الجينية وحده لن يساهم في تطور الاضطراب العقلي. ومع ذلك، فإن الجمع بين واحد أو أكثر من تعدد الأشكال الجينية -مع بعض العوامل البيئية- قد يؤدي إلى تطور ذلك الاضطراب.

علاج الأمراض النفسية الوراثية

لا يزال علاج الأمراض النفسية الوراثية لا يخرج عن دائرة فصائل الأدوية المعروفة، والعلاج السلوكي المعرفي، والعلاج بالكلام.

فالعقل البشري معقد للغاية، ولا يوجَد تشابه واضح بينه وبين كائنات أخرى تسهل دراستها وإجراء التجارب عليها.

ونحن بحاجة إلى تركيز أكبر على علم الأحياء البشري، بدءًا من النماذج الخلوية البشرية التي تُخلَّق باستخدام تقنيات الخلايا الجذعية، إلى أدوات أفضل لدراسة نشاط دوائر الدماغ البشري عند الإنسان الحي.

ربما تشهد السنوات القادمة تطورات واكتشافات أكثر، تفيد في فهم أعمق للخلل الجيني الذي يسبب الأمراض النفسية الوراثية.

وتذكر في النهاية… أنه يصعب على الأطباء معرفة هل الاضطرابات النفسية الوراثية ستنتقل للأبناء أم لا، كما يصعب تحديد مَنْ ستظهر عليه الأعراض تحديدًا، وكيف ستظهر.

وذلك لأن أسباب الاضطرابات النفسية معقدة، ويتحكم فيها تفاعل العديد من الجينات والعوامل البيئية.

المصدر
Challenging the inevitability of inherited mental illnessDoes mental illness run in families?Five 'mental disorders' may have genetic linksCommon Genetic Factors Found in 5 Mental DisordersIs Mental Illness Hereditary?Is Depression Genetic? Here’s What Experts Have to SayHow Genetic Studies Can Help Us Develop Treatments for Mental Illness
اظهر المزيد

د. مي جمال

صيدلانية ومترجمة وكاتبة محتوى طبي. أحب البحث والتعلم، ولا أدخر جهداً لمشاركة وتبسيط ما تعلمت للآخرين. أعتز بالنفس البشرية، وأهوى البحث في أعماقها، ولا أجد أبلغ من الكلمات للتعبير عنها ومناقشة قضاياها، مساهمةً في نشر الوعي والارتقاء بحياة البشر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق