ترياق الأسرة

الأمومة – بين الحب الجارف والخوف من المسؤولية!

“مبروك…أنتِ حامل!” 

أكاد أجزم أن هذه الكلمات هي أجمل ما تسمعه النساء في حياتهن. 

فهن يحلمن بالأمومة منذ نعومة أظافرهن!

أليست العرائس هي لُعْبَة الفتيات المفضلة؟!… يحملنها في كل مكان ويعتنين بها ويغمرنها حبًا وحنانًا، وكأنهن يعددن أنفسهن لتلك اللحظة التي سيصبحن فيها أمهات. 

فإذا حانت اللحظة المنتظرة، غمرتهن مشاعر عدة متباينة، وتأرجحت نفوسهن بين العاطفة الجياشة لأطفالهن وبين الخوف من المسؤولية. 

ودار في خلدهن الكثير من التساؤلات: “هل أكون أمًّا صالحة؟!”… “هل الأمومة فطرة وغريزة أم سأحتاج إلى تعلمها؟!”… “لطالما حلمت بأن أكون أمًا، فلماذا أشعر بالحزن والاكتئاب أحيانًا بعد ولادة طفلي؟!”. 

وغيرها الكثير والكثير…

هوِّني على نفسك عزيزتي، ورافقينا عبر سطور هذا المقال، لنجيبك عن تساؤلاتك، ونكشف لكِ الستار عن أعظم المشاعر التي وهبكِ الخالق إياها. 

النساء وحلم الأمومة

منذ الأيام الأولى لزواجها، تحلم الفتاة بتلك اللحظة التي ستصبح فيها أمًّا تحمل وليدها بين ذراعيها، وتمسك بيديها كفيه الصغيرتين، فيبتسم في وجهها وينير حياتها. 

حتى إذا ما علمت أنها حامل، وأن جنينها يتكون في أحشائها، تبدلت حياتها، وصار كل شيء يدور حول الرفيق المنتظر، وكيفية العناية به والقيام على شؤونه. 

وخلال ذلك، تتخوف الكثيرات، وتتشكَّكن في قدرتهن على تحمل هذه المسؤولية، حتى إن بعضَهن يصبن باكتئاب الحمل من جرّاءِ تلك الأفكار.  

ما تجهله العديد من النساء أن كل لحظة تمر عليهن في شهور حملهن تعدهن وتجهزهن لمهمة الأمومة العظمى.  

كيف هذا؟! 

هذا ما سنعرفه في الفِقْرة القادمة. 

كيف يعد الحمل النساء لمرحلة الأمومة؟ 

مع أنّ أن فترة الحمل غالبًا ما تكون صعبة وشاقة على الكثير من النساء، إلا أن الفوائد التي تعطيها الأمهات لا تعد ولا تحصى، فمثلًا:

  • يعطي الحمل النساء القوة

على الرغم من الوهن والضعف الذي تشعرين به -عزيزتي- في فترة الحمل، إلا أنه يجعلكِ تدركين مدى قوتك الداخلية.

 فكم مرة شعرتِ بآلام في ظهرك وتحاملتِ على نفسك من أجل الذهاب إلى عملك أو تهيئة منزلك. 

 وثقلك وحركتك البطيئة في نهاية الحمل التي لم تثنيكِ عن تجهيز حاجيات الطفل، أو التمشية اليومية من أجل تيسير ولادتك المرتقبة.

 كل ذلك يلعب دورًا خفيًا في تهيئتك لما هو قادم. 

  • يُعَلِّم الحمل النساء كيف يفهمن أنفسهن 

في الحمل، أنتِ وحدكِ من تستطيعين التعبير عن احتياجات جنينك، لذا، كان ضروريًا أن تفهمي جسدَك واحتياجاتِه جيدًا؛ وهذا سيساعدك على زيادة ثقتك بنفسك، وعلى إيمانك بأنكِ ستستطيعين فهم طفلك والاعتناء به في أيامه الأولى.

 لكن لن ننكر أن الأمر يحتاج منكِ إلى بعض التدريب لبناء تلك الثقة. 

  • يُعَلِّم الحمل النساء كيف يتعايشن مع الأوضاع غير المريحة

في شهور الحمل، تُعايشين العديد من الأوضاع المزعجة لكِ، ولكنك تتحملينها وتتأقلمين عليها. 

هل تذكرين كم مرة كنت تضطرين إلى الاستيقاظ ليلًا للذهاب إلى المرحاض؟! 

وأوضاع النوم التي أصبحت كلها -فجأة- غير مريحة لكِ!

تعدك كل تلك الأمور لتحمل الإرهاق والتعب والتحديات التي ستواجهك بعد قدوم مولودك إلى الحياة. 

إذن، هل أنتِ ممن يؤمنون بأن الأمومة غريزة عند كل النساء، أم شيء مكتسب يجب تعلمه من أجل إتقان مهامه؟ 

غريزة الأمومة بين الواقع والخيال

يعتقد الكثيرون أن الأمومة غريزة موجودة لدى كل الإناث -حتى لدى الكائنات الأخرى غير البشرية-، وأن النساء يُجِدن بالفطرة التعاملَ مع الصغار، ورعاية شؤونهم دون الحاجة إلى تدريب أو تعليم. 

هذا الكلام صحيح في بعض جوانبه، فالأمومة غريزة وفطرة تولد بها الفتيات وتترسخ في نفوسهن كلما كبرن، لكن هذا لا يمنع أن رعاية شؤون الصغار تحتاج إلى أكثرَ من هذه الغريزة. 

تحتاج الأمهات إلى:

  •  فهم احتياجات الطفل الجسدية والنفسية.
  • فهم التغيرات التي تحدث في أجسادهن أثناء الحمل والرضاعة، وتعلم كيفية التعايش معها. 
  • التهيئة النفسية للتغلب على لحظات الأمومة الصعبة. 
  • تعلم الصبر، والتعايش مع الضغوط. 

كل تلك الأشياء لا تحدث فجأة عندما تعلم الأم أنها حامل، بل تحتاج إلى تعلم وخبرة، وقد يستغرق الأمر بعض الوقت حتى تعتاده الأم. 

لهذا السبب، تصاب العديد من النساء باكتئاب الحمل واكتئاب ما بعد الولادة، وما يزيد الطين بلَّة هو تعامل المحيطين بالأم مع مشاعرها على أنها غريبة ومستهجنة، فكيف -في نظرهم- يجتمع الحزن والاكتئاب مع مشاعر الأمومة؟!

غريزة الأمومة

الحقيقة أن تلك المشاعر طبيعية للغاية، وما تحتاجه المرأة في تلك الفترة هو الدعم وتفهم أحاسيسها، ومساعدتها على طلب العلاج -إن لزم الأمر- لتتخطى هذه الأزمة، أما إشعارها بالذنب ووصمها بأنها لا تستحق نعمة الأمومة، فلن يزيد الأمور إلا سوءًا. 

أما وقد ذكرنا ذلك، فوجب علينا أن نعرج على العَلاقة بين الأمومة والصحة النفسية للمرأة.

التأثير النفسي للأمومة

كما تمنح الأمومة النساء العديد من الأحاسيس والمشاعر الإيجابية، مثل: الحب والرحمة والعاطفة الجياشة تجاه أطفالهن، فقد تسبب لهن أيضًا بعض المشاكل والاضطرابات النفسية. 

كما ذكرنا سابقًا، فإن بعض النساء يعانين الاكتئاب وتقلبات المزاج بعد ولادة أطفالهن، وهناك عدة عواملَ تزيد من احتمالية حدوث ذلك، مثل:

  • إذا كانت الأم تعاني في السابق من إحدى الاضطرابات النفسية. 
  • إذا كانت الأم تفتقر إلى الدعم النفسي من زوجها أو المحيطين بها. 
  • إذا كانت الأسرة تعاني الفقر وضعف الإمكانات المادية. 
  • إذا كان حمل الأم مفاجئًا، أو غير مخطط له. 
  • إذا كانت الأم تعاني العنف المنزلي، أو الانتهاكات من شريك حياتها. 
  • إذا تعرضت الأم لضغوطات عصبية خلال فترة الحمل أو خلال الولادة. 

بالطبع، فإن الحالة النفسية للأم لا تؤثر فقط عليها، بل على مولودها أيضًا. 

في بعض الأحيان، إذا كان اكتئاب الأم شديدًا ولم تخضع للعلاج، فقد ينتابها أفكار انتحارية، أو شعور بالرغبة في إيذاء نفسها أو طفلها. 

لذا، فإن السعي لطلب العلاج النفسي يُعَدُ أمرًا ضروريًا، إذا شعرت الأم أنها غيرُ قادرة على القيام بمهامها تجاه صغيرها. 

ربما يكون قد أصابكِ -عزيزتي- بعض المخاوف من فكرة الأمومة والطفولة بعد معرفتك باحتمالية تأثيرها السلبي على نفسيتك، فلتعلمي أنه في أغلب الأحيان تنتهي تلك الأحاسيس والمشاعر المزعجة وحدها دون الحاجة إلى تدخل طبي، إذا وجدت الأم الدعم النفسي المناسب من زوجها وأسرتها. 

والآن، هيا بنا لنكتشف سويًا…

 فوائد الحمل والأمومة على صحة المرأة

فوائد الحمل والأمومة على صحة المرأة

كونك أمًا، فهذا يعني العديد من التغيرات الإيجابية في حياتك، فقد أصبحتِ:

  • أكثرَ نضجًا. 
  • أكثرَ تقديرًا لنفسك، حيث أدركتِ مواطن قوتك في مواجهة الصعاب. 
  • أكثرَ اهتمامًا بصحتك النفسية، فأنتِ تعلمين أن هناك كائنًا ضعيفًا، يجد فيكِ ضالته لمواجهة الحياة. 

لكن، هل تعلمين أن هناك فوائد أخرى ستلمسينها على صحة جسدك، نتيجة مرورك بتجربة الحمل والأمومة، مثل:

في الختام نقول، إن الأمومة من أعظم الهبات التي اختص الله بها النساء، ولا يقتصر الأمر على من أنجبت أطفالًا فقط، بل هي فيض من حب وحنان، يحيا بداخل كل امرأة منذ ولادتها حتى مماتها، وتستطيع أن تغمر بها أطفال الأرض جميعًا إن أرادت.

المصدر
The amazing way that pregnancy prepares you for motherhoodHealth Benefits of Pregnancy and MotherhoodMaternal Instinct: Does It Really Exist?Mental health
اظهر المزيد

د. سارة شبل

سارة شبل، طبيبة أسنان وكاتبة محتوى طبي، شغوفة بالبحث والكتابة منذ الصغر، أسعى إلى تبسيط العلوم الطبية وأتوق إلى إثراء المحتوى العلمي العربي، لكي يتمكن يومًا ما من منافسة نظيره الأجنبي بقوة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق