ترياق الأمراض النفسيةترياق الحياة الصحيةعام

الأوبئة وأثرها النفسي | ماذا بعد كورونا؟!

منذ شهر ونصف، شُخِّصتُ إيجابيًا بفيروس كورونا. وعلى الرغم من أن أعراض المرض لدي كانت خفيفة مقارنةً بغيري، لكنني شعرت بالذعر والخوف الشديد.

ما زاد من خوفي وفزعي هو أنني كنت أطالع الأخبار دائمًا على مواقع التواصل الاجتماعي، وأسمع بآخرين أصغر مني، بل وأفضل مني صحةً، وقد وافتهم المنية بهذا المرض اللعين! لا بُدَّ أنني القادم!

كانت هذه أفكاري طوال فترة مرضي حتى شفاني الله، كنت دائمًا ما أسمع عن الأوبئة وأثرها النفسي، لكني الآن -وبعد أن عايشت التجربة بنفسي- تيقنت من ذلك؛ فما زلت أشعر أني خائفٌ، وكأني أحمل في نفسي رواسب تلك الفترة المؤلمة، أشعر بالقلق والتوتر، وأخاف على أسرتي وكل مَنْ أحب!

في هذا المقال، سنصحبكم في رحلة قصيرة لنستكشف سويًا كيف تؤثر الأوبئة في نفوس البشر وسلامهم الداخلي. 

الأوبئة في عصر الإنترنت

لطالما سببت الأوبئة -على مَرِّ العصور- الكثير من المشاكل النفسية بجانب كوارثها الصحية. لكن الأمر مختلف في عصر الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي، إذ أصبح تأثير الأوبئة النفسي مضاعفًا، وذلك بسبب:

  • الكم الهائل من المعلومات الذي أصبح في متناول اليد؛ فصار سهلًا على الجميع الاطلاع على كل صغيرة وكبيرة بشأن انتشار الوباء ومضاعفاته وغير ذلك، بما في ذلك المعلومات الخاطئة التي قد تسبب الذعر.
  • مطالعة الأخبار باستمرار على مواقع التواصل الاجتماعي، ومعرفة أعداد المصابين والموتى، وظروفهم الشخصية، والآلام التي تعرضوا لها قبل موتهم، كل ذلك سبب للمستخدمين نوعًا من الضغط العصبي والتوتر والاكتئاب.

الأوبئة وأثرها النفسي على الأفراد

غالبًا ما يتعامل البشر مع تداعيات الوباء الصحية المؤثرة مباشرة في حياة الإنسان، فيحاولون بقدر الإمكان إنقاذ الأرواح من هذا الوباء، ومساعدة الناس في حماية أنفسهم من الإصابة بالعدوى. 

لكنهم يتجاهلون -بقصد أو بدون قصد- الأمراض النفسية وأثرها في الجسم، والتي تنتشر بصورة ملحوظة في فترة الوباء. وقد يستمر تأثيرها لفترات طويلة، حتى بعد انتهائه. 

في مطلع العام الجاري، نُشِرَت دراسة حديثة كان هدفها معرفة التأثير النفسي  للظواهر الضخمة الخارجة عن إرادة الإنسان، مثل: الأوبئة، أو الكوارث الطبيعية، أو الثورات وأعمال الشغب. 

وقد وجدت الدراسة أن هناك بعض الأمراض النفسية التي يزداد انتشارها بين الشعوب بعد حدوث مثل هذه الظواهر، مثل:

بجانب ذلك، فهناك التأثير الاقتصادي المباشر المترتب عن انتشار الأوبئة، والذي قد يزيد الطين بلة، إذ يؤثر بدوره في صحة الأشخاص الجسمانية والنفسية بسبب:

  • عدم امتلاك الناس المال الكافي لرعاية مشكلاتهم النفسية. 
  • زيادة الضغط العصبي على نفوس الناس. 
  • القلق والتوتر بشأن عدم القدرة على توفير احتياجات المعيشة الأساسية لمَنْ يعولهم الشخص. 
  • تعزيز ظهور الفوارق الطبقية بين أفراد المجتمع؛ إذ يمتلك بعضهم المال الوفير، ويرزح آخرون تحت وطأة الحاجة والمعاناة، فينشأ عن ذلك شعور بالغيرة والحقد بين أفراد المجتمع.   

كيف يحافظ الأفراد على صحتهم النفسية في زمن الأوبئة؟

كيف يحافظ الأفراد على صحتهم النفسية في زمن الأوبئة؟
  • احرص على معرفة جميع المعلومات اللازمة التي قد تحتاجها في حالة إصابتك بالعدوى؛ سيقلل ذلك من هلعك بشأن الإصابة، وستكون مطمئنًا إلى قدرتك على التصرف في تلك الحالة.
  • قلِّل من اطلاعك على أخبار الوباء والمصابين. 
  • اهتم بصحتك النفسية أكثر من ذي قبل؛ مارس مثلًا بعض الأنشطة المحببة إليك، أو بعض تمارين التنفس، كذلك مارس الرياضة بانتظام.
  • اهتم بغذائك؛ فهذا من شأنه أن يحسن من مناعتك، وكذلك مزاجك، ويساعدك على التحكم في القلق والاكتئاب. 
  • حافظ على تواصلك بمَنْ تحب من أصدقائك وأفراد أسرتك.

الأوبئة وأثرها النفسي على أفراد الطاقم الطبي 

الأوبئة وأثرها النفسي على أفراد الطاقم الطبي

الأطباء ومقدمي الخدمة الصحية هم خط الدفاع الأول أمام الأوبئة. لذلك، نصيبهم من أثرها النفسي يكون مضاعفًا لأنهم:

  • يعايشون الألم والموت كل يوم بسبب الوباء. 
  • تزداد فرص إصابتهم بالعدوى عن غيرهم، ويسبب ذلك لهم القلق والضغط العصبي. 
  • يخشون نقل العدوى إلى أقربائهم وذويهم. 
  • يعانون الإرهاق والإجهاد البدني، بسبب طول ساعات عملهم في مثل هذه الظروف الاستثنائية. 

كنتيجة مباشرة لذلك، يعاني الممارسون الصحيون مشكلات نفسية عدة على المدى القريب والبعيد، مثل:

  • الأرق.
  • الشعور بالضيق النفسي. 
  • الغضب.
  • الإجهاد والاحتراق الوظيفي. 
  • القلق والتوتر.
  • الاكتئاب.
  • أعراض اضطراب ما بعد الصدمة. 
  • تناول المهدئات -وأحيانًا المنشطات- لكي يستطيعوا مواصلة مهامهم الشاقة. 
  • الشعور بالذنب.

كيف يمكن للممارسين الصحيين التغلب على الأثر النفسي للأوبئة؟

لكي نحافظ على الكوادر الطبية من الأوبئة وأثرها النفسي، فهناك ثلاث استراتيجيات يجب أن تعمل جنبًا إلى جنب من أجل تحقيق ذلك. 

أولًا: في فترة ما قبل الوباء 

  • يجب أن يتلقى الممارسون الصحيون تدريبًا كافيًا ومكثفًا عن كيفية التعامل مع الأوبئة. 
  • يجب الحرص على توفير المعدات والأدوات اللازمة التي سيحتاجها الممارسون في حالة انتشار الوباء. 
  • يجب الحرص على أن يكون عدد الأطباء ومقدمي الخدمة الطبية كافيًا، ومتماشيًا مع عدد السكان. 
  • يجب إقامة حملات توعية مستمرة للممارسين الصحيين، لتوعيتهم بكيفية الحفاظ على هدوئهم وتوازنهم النفسي في أثناء انتشار الوباء. 

ثانيًا: في فترة انتشار الوباء

  • الاهتمام الجيد بالحالة النفسية لأفراد الطاقم الطبي، مما يعني الانتباه المبكر لأي مشكلة قد تظهر، والتعامل معها سريعًا.
  • تقديم الدعم النفسي والمعنوي من قِبَل الأفراد ومؤسسات المجتمع، وتقدير الدور العظيم الذي يؤديه الممارسون الصحيون في هذه الظروف الاستثنائية. 
  • يجب أن يدعم أفراد المؤسسة الصحية بعضهم بعضًا، ويقدم كل منهم المساندة لزميله بحسب موقعه. 

ثالثًا: ما بعد انتهاء الوباء 

يجب استمرار متابعة الحالة الصحية والنفسية لأفراد الكادر الطبي لفترة من الوقت، خاصةً مَنْ هم أكثر عرضة للإصابة بالأمراض النفسية عن غيرهم، مثل:

  • مَنْ كانوا يتعاملون مباشرة مع المصابين والموتى، كالعاملين بوحدات العناية الفائقة. 
  • مَنْ أصيبوا بالعدوى في أثناء الوباء. 
  • مَنْ كان لديهم تاريخ مرضي سابق بأحد الأمراض النفسية. 
  • مَنْ يعانون الوحدة، ويفتقرون إلى الدعم النفسي من الأصدقاء أو من أفراد أسرهم. 
  • الممارسين صغار السن قليلي الخبرة.

الأوبئة وأثرها النفسي على الأطفال

الأوبئة وأثرها النفسي على الأطفال

كلنا يعلم أن الأطفال يحملون نفوسًا حساسة، وأن الأحداث التي يمرون بها في طفولتهم قد تترك آثارًا في نفوسهم، وفي بنيتهم الشخصية مدى الحياة.

وفي أثناء انتشار الأوبئة كأيامنا هذه، يرى الأطفال آباءهم قلقين مكتئبين طوال الوقت. وقد تغير أيضًا روتين حياتهم كثيرًا؛ فأُجبِروا على الحجر المنزلي، ومُنِعوا من رؤية أصدقائهم وأقربائهم، وتوقفوا عن الذهاب إلى المدرسة.

كل تلك الأمور قد تعصف بحالتهم النفسية. لذا؛ يجب أن يتعلم الآباء والمحيطون بالطفل كيفية التعامل المُثلَى في مثل هذه الظروف.

نصائح لحماية الأطفال من المشاكل النفسية في فترة الأوبئة:

  • استمع إلى مشاعر الأطفال، وتفهَّمها جيدًا: ربما تجد الأطفال في تلك الفترة كثيري الانزعاج والشكوى، كما ستلاحظ تغيرات في سلوكهم، كل ذلك طبيعي ومنطقي في ظل القلق والتوتر الذي يتعرضون له بسبب الوباء. ساعِدهم على التحدث، وحاوِل طمأنتهم. 
  • كُن متفائلًا، وأخبِر طفلك أن هذا الوقت سيمر، وحاول السيطرة على قلقك وإحباطك، حتى لا ينتقل إلى أبنائك. 
  • احرِص على أن يتواصل طفلك مع الأصدقاء وأفراد العائلة عبر مواقع التواصل الاجتماعي. 
  • وفِّر لطفلك بعض الأنشطة البديلة الممتعة، لتقضية وقته بها، والتقليل من شعوره بالملل. 

ختامًا، إن الأمراض النفسية وأثرها في نفوس وأجساد البشر ليست بالأمر الهين، وتلك الأمراض يزداد انتشارها في فترات الوباء. لذلك، يجب أن يولي المجتمع أولوية قصوى للصحة النفسية لأفراده في تلك الفترة، حتى يتخطى الجميع الأوبئة وأثرها النفسي بسلام. 

المصدر
Psychological impact of an epidemic/pandemic on the mental health of healthcare professionals: a rapid reviewMental Health in a Time of Pandemic Coping with Stress Young people’s mental health deteriorated the most during the pandemic, study finds How the pandemic will impact your child’s long-term emotional health
اظهر المزيد

د. سارة شبل

سارة شبل، طبيبة أسنان وكاتبة محتوى طبي، شغوفة بالبحث والكتابة منذ الصغر، أسعى إلى تبسيط العلوم الطبية وأتوق إلى إثراء المحتوى العلمي العربي، لكي يتمكن يومًا ما من منافسة نظيره الأجنبي بقوة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق