ترياق الأمراض النفسية

الإبداع والمرض النفسي | علاقة معقدة بين العبقرية والألم

مصباح يعبر عن الإبداع
مصباح يعبر عن الإبداع

هل يرتبط الإبداع والمرض النفسي معًا؟ تساؤل قديم لا يزال يثير اهتمام الباحثين. من أرسطو صاحب مقولة لا وجود للعقول العظيمة دون لمسة من الجنون  إلى أحدث الدراسات العلمية.

فقديمًا لوحظ أن المبدع يتميز بشيء من الغرابة، وكان الاعتقاد السائد أن الحالات النفسية المشابهة لتلك التي تلاحظ في الجنون قد يكون لها دورًا في صفة الإبداع المميزة لهؤلاء الأفراد.

وحديثًا تساءل المفكرون عن العلاقة بين الاضطرابات النفسية والأعمال الفنية العظيمة أو الأفكار الرائدة.

كما طرحوا العديد من الأسئلة مثل هل المرض النفسي أساسي أم مجرد عرض للإبداع؟ هل اضطرابات المزاج  مصادر إلهام للمبدعين أم أنها تعيق الإبداع؟ 

هل الأعراض النفسية من الإبداع أم أنها الدافع للإبداع؟ كيف يمكن للأفراد المصابون بالاضطرابات النفسية أن يكون لديهم مواهب إبداعية أكثر؟ تابع هذا المقال لنبحر معًا في أسرار العلاقة بينهما.

الإبداع والمرض النفسي

يعتبر الإبداع صفًة فريدًة يتميز بها بعض الأشخاص. وهو القدرة على ابتكار أشياء جديدة، وإعادة ترتيب الأمور لاشعوريًا، والسعي وراء المعرفة واكتشاف المجهول.

وكان ينظر قديمًا إلى الإبداع على أنه عملية غامضة، وخارقة للطبيعة، وأنه هبة من الله.  

وتعد تعريفات جورتزيلر هي الأكثر تعبيرًا عن معنى الإبداع فيقول:

  • منتج جديد ذو قيمة للمفكر أو للثقافة.
  • التفكير غير التقليدي.
  • دافع قوي ومستمر.

أما المرض النفسي فهو اضطرابات الشخصية التي تؤثر على التفكير، والمشاعر، والسلوك، وتتعد الأمراض النفسية مثل: الذهان، والفصام، والاكتئاب، واضطراب ثنائي القطب. 

هل يؤثر الإبداع على الصحة العقلية؟

بالطبع نعم، إن ممارسة الإبداع بمثابة تمرين صحي للعقل مثله مثل اتباع نظام غذائي متوازن أو ممارسة التمارين الرياضية بانتظام.

تود الحصول على المزيد من المقالات المجانية على ترياقي؟ اشترك الآن ليصلك كل جديد!

تشير مجلة علم النفس الإيجابي إلى أن تحقيق الفرد لأهداف إبداعية له مزايا متعددة مثل:

  • ضبط الحالة المزاجية. 
  • زيادة المشاعر الإيجابية مثل: الفرح، والسعادة، والتفاؤل.
  • التخفيف من أعراض القلق والاكتئاب.
  • تحسين وظائف الجهاز المناعي.
  • إيجاد السلام، والهدوء، والسعادة من خلال التفكير بطرق مبتكرة وإيجاد أفكار جديدة (التفكير التباعدي)
العلاقة بين الإبداع والمرض النفسي

استخدام الإبداع كوسيلة علاجية

تقدم الطبيبة “كيم نغوين” في مركز إيفرسس هيلث برنامج العلاج بالفن، يستخدم للأشخاص الذين يعانون الاضطرابات النفسية.

تقول نغوين: (استخدام الإبداع يدربنا على التحرر من الأشياء السامة للعقل، والقلب، والروح، والجسد. مثل استخدام الكلمات المكتوبة أو استخدام الألوان والرسومات)

وحيث إن الإبداع يحفز الصحة النفسية فيمكن تعزيزه عن طريق: 

  • الرسم والتلوين.
  • كتابة وحكاية القصص.
  • قضاء الوقت في الطبيعة.

العلاقة بين الإبداع والمرض النفسي

إن العلاقة بينهما معقدة وغامضة؛ ودفعت العديد من الباحثين إلى البحث عنها ودراستها.

فمثلًا يعتقد “سيمون كياجا” (حاصل على دكتوراة في الطب والمدير الطبي العالمي في جمعية الشؤون الطبية المهنية) أن هناك ارتباط لا شك فيه بين الإبداع والمرض النفسي، نشر دراسات حول هذه الصلة، وقد وجد كياجا أن الأفراد المصابين بالاضطرابات النفسية لديهم ميلًا زائدًا نحو الإبداع. 

ولكن تشير بعض الدراسات مثل دراسة “ستانفورد” التي استمرت 35 عامًا وأجريت على أكثر من 1000 عبقري، ودراسة “أليس” النفسية للسيرة الذاتية لرجال بارزين، ودراسة “ماكينون” للإبداع لدى المهندسين المعماريين إلى وجود صلة بين الإبداع والصحة النفسية أكثر من المرض النفسي.

نتائج دراسات العلاقة بين الإبداع والمرض النفسي

أجري بعض الباحثين دراسات للبحث في العلاقة بين الإبداع والمرض النفسي، عن طريق اختيار عشوائي لبعض المبدعين لإجراء بعض التقييمات في مجالات الأمراض النفسية وكانت النتائج كالتالي:

  1. يتشابه انتشار الأمراض النفسية بين الأشخاص المبدعين وغير المبدعين، ولكن المبدعين لديهم معدل أعلى للإصابات النفسية مثل الاكتئاب، أو الهوس الخفيف، أو اضطراب المزاج، أو الفصام، أو الوسواس القهري، أو طيف الاكتئاب ثنائي القطب.
  1. بعض المبدعين لديهم إصابات نفسية، ولكن لا يبحثون عن العلاج حتى لا يصابوا بالوصمة الاجتماعية كونهم مشهورين، وأيضًا الخوف من أن يعيق تناول الأدوية العصبية إبداعهم. 
  1. المبدعين كانوا أكثر إبداعًا في الحالات الطبيعية عن حالات الاضطرابات. 
  1. وجود التوتر والإجهاد بصورة أكبر في الفئة الإبداعية. 
  1. تأثير العلاج النفسي على الإبداع، في بعض الحالات العلاج أعاق أشخاصًا عن الإبداع، وفي البعض الآخر لم يؤثر، وفي البعض الآخر زاد الإبداع. 

اضطراب ثنائي القطب والإبداع

يتضح من نتائج بعض الدراسات والتقارير زيادة معدل الإصابة باضطرابات الشخصية والأمراض النفسية مثل: الاضطراب الوجداني ثنائي القطب لدى المبدعين. 

الاضطراب الوجداني ثنائي القطب

مرض العباقرة ثنائي القطب 

الاضطراب الوجداني ثنائي القطب حالة صحية نفسية تنتج من مزيج معقد من العوامل البيئية والوراثية.

تسبب هذه الحالة تقلبات حادة في المزاج والطاقة، فيعاني المصاب ارتفاعات عاطفية (هوس) وانخفاضات عاطفية (اكتئاب)، وهو مرض مرهق ولكنه قابل للعلاج من خلال الدعم وخطة العلاج.

يعاني بعض المصابين بهذا المرض نوبات قليلة في حياتهم، بينما يعاني آخرون منها بضع مرات في السنة.

تشخيصه أمرًا معقدًا للغاية حيث يجب التركيز على وجود أو غياب ثلاث أنواع من النوبات:

  1. الهوس: ويتميز بارتفاع الروح المعنوية، والنشاط الكبير، والأفكار المتسارعة، وقلة النوم، وزيادة النشاط.
  1.  الهوس الخفيف: نفس أعراض الهوس ولكن أقل حدة ولفترة زمنية أقل. 
  1. الاكتئاب: يتسبب في مشاعر اليأس، وقلة الاهتمام بالأنشطة الممتعة، والتعب، والأرق، الأفكار الانتحارية.

هناك تباين على وجود صلة بين الإبداع والمرض النفسي بصورة عامة واضطراب ثنائي القطب والإبداع بصورة خاصة.

كثيرًا ما يربط الباحثون بين فترات الهوس والهوس الخفيف بالجانب الإبداعي لمرض ثنائي القطب، كما أظهرت بعض الدراسات أن المصابين بهذا المرض قد يكونون أكثر إبداعًا، حيث أن التقلبات المزاجية الحادة يمكن أن تساعدهم على الإبداع. 

ثنائي القطب والذكاء

أثبتت بعض الدراسات أن بعض المبدعين ممن يتسمون بمعدلات عالية من الذكاء عانوا دوروية المزاج والتغير في التفكير والسلوك سابقًا أو أثناء نوبات الإبداع. 

فيظهر عليهم زيادة الحماس والطاقة، والثقة بالنفس، وسرعة الترابط الذهني، وسلاسة الأفكار، وارتفاع المزاج، وانخفاض ملحوظ في الحاجة إلى النوم، كما يدخلون في فترات من التركيز الشديد تشبه الغيبوبة أو نوبة الهوس الخفيف، تتميز هذه الفترة بوعي متزايد، ونشاط، وإنتاجية عالية.

أشارت دراسة أخرى أجريت في جامعة ستانفورد إلى أن المبدعين المصابين باضطراب ثنائي القطب ولديهم ميل أعلى للذكاء سجلوا درجات أعلى بكثير على مقياس بارون ويلش للفن من الأصحاء الذين لديهم حس إبداعي.

وقد حدد الباحثون السمات المزاجية المشتركة بين المصابين باضطراب ثنائي القطب والمبدعين، ووجدوا أن كلًا منهم يشترك في الميل للبهجة الخفيفة، والاكتئاب مع تحولات تدريجية من أحدهما إلى الآخر، والانفعال والعصبية.

ينطوي هؤلاء الأشخاص خلال فترات الاكتئاب الخفيف على أنفسهم، فيتمكنوا من التأمل، ووضع الأفكار والمشاعر في أماكنها الصحيحة، واستبعاد الأفكار غير ذات الصلة، ثم خلال فترة الهوس الخفيف يستجمعوا الرؤية، والثقة، والقدرة على الإبداع.

هل تقلل أدوية اضطراب ثنائي القطب من الإبداع؟ 

يصعب الجزم بكيفية تأثير علاج ثنائي القطب على الإبداع، حيث يحتاج الخبراء إلى إجراء المزيد من الدراسات حول هذا الموضوع. قد تمنح الأدوية النفسية فترات أطول من الاستقرار، لكن الأعراض لا تختفي كلية (الاكتئاب والهوس الخفيف).

توصف بعض الأدوية مثل التي تحتوي على الليثيوم لتثبيت المزاج، وأدوية أخرى لمنع النوبات المستقبلية.

يصاب بعض المرضى المبدعين بالقلق من تناول هذه الأدوية حتى لا تؤثر على قدرتهم على الإبداع.

يدعي بعض المبدعين أنهم أكثر إنتاجيًة خلال فترات الهوس الخفيف، ويخشون أن تضعف الأدوية تلك الشرارة الإبداعية. ومع ذلك قد يكون للعلاج فوائد، فأي شخص يصاب بتشتت الانتباه واضطراب التركيز خلال نوبات المرض قد يجد أن تركيزه يتحسن بعد تناول الدواء.

 هل هناك حقًا علاقة بين الإبداع والمرض النفسي أم أنها مجرد صدفة؟ 

إن الجزم بوجود علاقة بينهما أو عدم وجود علاقة صعبًا للغاية، ففي حين أن الاضطرابات النفسية قد تؤثر سلبًا على أداء الشخص لبعض المهام اليومية إلا أنها قد تزيد من إبداع البعض الآخر، يزخر التاريخ بأسماء مبدعين عانوا مثل هذه الأمراض. 

وجدت بعض الدراسات علاقة بين الإبداع والمرض النفسي، ودراسات أخرى وجدت اضطرابات في المزاج بين المبدعين ولكن بدرجات متفاوتة، ودراسات أخرى وجدت أن المصابين بهذه الأمراض لا يكونون أكثر إبداعًا من غير المصابين.

ختامًا

العلاقة بين الإبداع والمرض النفسي معقدة وتحتاج إلى المزيد من الدراسات والأبحاث لتأكيدها أو نفيها، وفي هذا الصدد يواصل الخبراء دراسة العلاقة بينهما.

لا ينبغي المبالغة في تقدير المصابين بالاضطرابات النفسية أو البحث عن المرض أو تركه بدون علاج لمجرد أنه قد يزيد من الإبداع، فجميع هذه الاضطرابات كئيبة ومؤلمة وقد تؤدي في بعض الأشخاص إلى الانتحار.

المصادر

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى