عام

الإحساس بالاستحقاق وتقدير الذات | الكل مدين لي!

“تخرَّجتُ في كلية التجارة بتقدير جيد جدًا مع مرتبة الشرف. ليس سهلًا أن تحصل على هذا التقدير!

لكن هذه الدرجات ضاعت هباءً إذ لم تقبلني إلا شركة ناشئة محلية! أستحق شركة أفضل من هذه، وراتبًا أعلى من هذا!”.

الإحساس بالاستحقاق وتقدير الذات قد يجعل بعض الناس يشعرون بالظلم الشديد إزاء تصرفات الآخرين معهم.

في هذا المقال، سنتناول قضية الإحساس بالاستحقاق وتقدير الذات من كل الجوانب، وسنضع حدودًا فاصلة بينهما، ثم سنتطرق إلى كيفية تنمية الذات لدى أطفالنا.

الفرق بين الإحساس بالاستحقاق وتقدير الذات 

يخلط الناس خلطًا شديدًا بين الإحساس بالاستحقاق وتقدير الذات. وكثيرًا ما يُذكَرا سويًا وكأنهما يحملان نفس المعنى، والحقيقة أن كلًا منهما يحمل معنى يختلف عن صاحبه.

تقدير الذات… أنا مهم!

يحمل مصطلح “تقدير الذات” بين طياته هذه ثلاث علامات، حاول البحث عنها بداخلك لتتأكد أنك تقدر ذاتك:

1. احترام الذات

اسأل نفسك:

  • كيف تتعامل مع نفسك داخليًا بغض النظر عن أي مظاهر خارجية؟ 
  • هل ما زلت تحب نفسك حتى لو لم تنجح بعد؟
  • هل ما زلت تشعر بقيمتك الخاصة؟ 
  • هل ما زلت تعتقد أنك إضافة للعالم وليس عبئًا عليه؟

2. تحمٌُّل المسؤولية الكاملة عن واقعك

اسأل نفسك:

  • هل أنت جدير بما يكفي لامتلاك واقعك، وقوي بما يكفي لتغييره إذا أردت ذلك؟
  • هل تمنح نفسك الحق في إظهار رغباتك دون أن تنتظر الإذن؟

3. الشعور بالمساهمة الحقيقية

اسأل نفسك:

  • هل أُشكِّل إضافة إلى حياة شخص آخر؟
  • هل أُحدِث فرقًا حولي وفي بيئتي؟
  • هل أنا مساعد حقيقي؟

الإحساس بالاستحقاق – هم مدينون لي!

“لا تقل أن العالَم مَدينٌ لك بكل سُبُل العيش والراحة؛ العالَم لا يدين لك بشيء، إذ إنه جاء أولًا”.

                                                            الكاتب الأمريكي مارك توين

هذا الشعور بالاستحقاق الذاتي هو أسرع الطرق للوصول إلى ثقب أسود لا يُعرَف آخره من أوله.

هناك خط رفيع بين الإحساس بالاستحقاق وتقدير الذات؛ فعندما يؤدي تقديرك لذاتك إلى نتائج عكسية، تُرفَع ذبذبات الاستحقاق لديك.

إليك أربع خطوات لوقف هذا التحول الخطير:

1. راقِب لغتك

عندما تشعر -دون وعي- بأن “الكون أو المجتمع أو الأصدقاء” مدينون لك من وقت لآخر. تتمثل الخطوة الأولى في إلقاء الضوء على هذا العقل اللاواعي؛ فمن خلال لغتك، يمكنك اكتشاف ما إذا كنت تشعر بالاستحقاق الذاتي أكثر من اللازم.

2. تتبَّع جذور هذا الاستحقاق

بدلًا من الإحباط من هذا الشعور، اسأل نفسك: “من أين أتت توكيدات الاستحقاق هذه؟”. كن منتبهًا وصبورًا للغاية حتى تجيب نفسك عن سبب هذا الشعور بالاستحقاق.

غالبًا ما يتعلق أصل هذا الشعور بقصة أو أكثر من قصص الطفولة في الماضي، وفي كثير من الأحيان هو شغف طفلك الداخلي بأن يُرى ويحصل على الثناء والدلال.

من خلال التأمل أو التدريب الذاتي أو كتابة اليوميات، يمكنك تحديد الأحداث بدقة، وإعادة النظر في ماضيك.

3. المعرفة الحقيقية لقيمة ذاتك

حاول جاهدًا معرفة ما تحتاج وليس ما تتمنى، لتكن قادرًا على الفصل بين احتياجاتك الحقيقية وبين رغباتك الطفولية.

تذكَّر أن ما قد يعتقده الآخرون عنك ليس بالضرورة ما أنت عليه حقًا، ولن يغير ذلك حقيقتك واحتياجاتك.

4. المضي قُدُمًا

بدلًا من الضغط على نفسك بتحميلها فوق طاقتها لإرضاء الناس، عليك أن تعمل بشكل أكثر عقلانية وثباتًا. واعلم أن احتياجاتك الحقيقية تلبى دائمًا، وأن لديك كل ما يلزم للنجاح، وأنك لست مطالبًا لإثبات ذلك لكل الناس.

ثم اسأل نفسك: “كيف يمكنني أن أصبح مساهمًا حقيقيًا؟”. بدون أن تكون مساهمًا حقيقيًا في عملك أو حياتك، فلا يهم ما تحقق، ومدى سرعة حصولك عليه، إذ لا يزال هناك شيء مفقود في حياتك.

وبدلًا من الشعور بأنك ضحية، وتقول لنفسك: “لديَّ درجة علمية كبيرة، يجب أن أكون ناجحًا!”، اسأل نفسك: “ما هي أهم المهارات التي تعلمتها من شهادتي؟”، “كيف يمكنني استخدامها لتغيير حياة الناس حقًا إلى الأفضل؟”، “كيف يمكنني استخدام مواهبي لكي أصبح شخصًا مفيدًا للغاية؟”.

جيل السيلفي: كيف -وبدون قصد- نربي طفلا نرجسيًا؟!

 كيف -وبدون قصد- نربي طفلا نرجسيًا؟!

جلبت الثورة الرقمية العديد من المزايا، ولكن كان لها أيضًا بعض التأثيرات غير المرغوبة، خاصة للأطفال.

بالنسبة للعديد من الأطفال، تهيمن وسائل التواصل الاجتماعي على حياتهم، ويقضي الكثير منهم أوقات فراغهم في التنافس مع الأصدقاء حول مَنْ يمكنه نشر “صورة شخصية” مثالية. 

يرى بعض علماء النفس بأن الآثار المترتبة على ذلك مهمة جدًا، لأنه في فترة زمنية قصيرة نسبيًا، يصبح الأطفال أكثر تركيزًا على ذواتهم.

يحاول الآباء الصالحون غرس الثقة بالنفس في نفوس أبنائهم، ولكن كيف يتحول هذا -دون قصد- إلى تعزيز الإحساس بالاستحقاق؟

ابتداءً من سنوات الطفولة، فإن التركيز على الذات أمر طبيعي تمامًا وضروري للتعلم. ولكن مع نمو الأطفال،
يمكن أن يؤدي ذلك إلى الشعور بالاستحقاق و تنمية الأنانية، إذ قد يرون أنفسهم مركز الكون.

كآباء، نريد جميعًا أن يتمتع أطفالنا بالكثير من الثقة واحترام الذات. وعلى الرغم من أن احترام الذات أمر جيد دائمًا،
إلا أن محاولة غرس هذه الصفات في أطفالنا يمكن أن تكون خادعة، إذ يرى الخبراء أنه قد ينشأ أطفال متمركزون حول ذاتهم وما يتمتعون به فقط.

غالبًا ما يكون هذا نتاجًا لأسلوب حماية مبالَغ فيه من قِبَل الآباء، والذي ينبع عادةً من الرغبة في أن تكون الأب المثالي أو الأم المثالية.

نراقب أطفالنا، ونحاول التأكد من أنهم سعداء بأي ثمن. وبدلًا من بناء احترامهم لذاتهم، ينتهي بنا الأمر إلى منحهم إحساسًا زائفًا بأهميتهم.

كيف تعزز تقدير الذات لطفلك دون تنمية الإحساس بالاستحقاق ؟

كيف تعزز تقدير الذات لطفلك دون تنمية الإحساس بالاستحقاق ؟

فيما يلي أهم خمس نصائح، لمساعدتك على تعزيز احترام طفلك لذاته بطريقة لا تجعله مدللًا:

1- دَعْه يشعر بالإحباط وخيبة الأمل

يتضمن هذا السماح لطفلك بارتكاب الأخطاء، لأن ذلك سيساعده على بناء العزيمة والتصميم والمرونة. علِّم طفلك أن الأخطاء جزء من عملية التعلم حتى لا يشعر بالخجل من الخطأ.

2- تنمية التعاطف والامتنان

علِّم أطفالك ممارسة الامتنان حتى يُقَدِّروا ما لديهم ويكونوا أكثر تعاطفًا مع الآخرين. شجِّعهم على التبرع بالألعاب، أو جمع الطعام لبنك الطعام المحلي، أو التطوع لمنظمة محلية أو جمعية خيرية. 

يُعَدُّ التطوع من أجل قضية جيدة -أو التبرع بالألعاب مثلًا- طريقة رائعة لجعل الأطفال يفكرون فيما قد يكون عليه الحال عندما يكون المرء في مكان شخص آخر.

حاول تشجيعهم على التفكير في مشاعر الآخرين قدر الإمكان، حتى يصبحوا أكثر وعيًا بتأثير سلوكهم في الآخرين.

3- تجنَّب استخدام “الثناء التقييمي” عند مدح طفلك

غالبًا ما نستخدم كلمات تشجيع مثل “ذكي”على أمل أن توفر التشجيع والدعم لأطفالنا. ولكن على الرغم من نوايانا الحسنة، فيمكن أن يمنحهم ذلك إحساسًا بالاستحقاق، وربما يجعلهم يخشون الفشل. 

هذا لأنه عندما يوصَف الطفل بـ”الذكي”، سيتعين عليه الارتقاء إلى مستوى هذا التصور طوال الوقت. لذا،
سيبدأ في تجنُّب مواجهة تحديات جديدة خوفًا من ارتكاب خطأ أو كشف قدراته.

إن التركيز على الجهد الذي بذله طفلك في اختبار أو نشاط ما -بدلًا من التركيز على الإنجازات- أمر مهم،
حيث يشجع الأطفال على الاستمرار في المحاولة، بغض النظر عمَّا إذا كانوا “ناجحين” أم لا.

كما يساعد هذا أيضًا على منع طفلك من القلق بشأن ارتكاب خطأ، لذلك ستكون لديه الثقة لمواجهة تحديات جديدة.

4- علم طفلك كيفية التقييم الذاتي

من المرجَّح أن يطوِّر الطفل -الذي يتمتع بالقدرة على التقييم الذاتي- نظرة موضوعية ومتوازنة لمكانته في العالَم،
بدلًا من وجهة نظر متضخمة تعتمد كليًا على المديح الذي يتلقاه من الآخرين. 

بدون وعي كافٍ للتقييم الذاتي، يمكن للأطفال أن يصبحوا “مدمني المديح” الذين يعتمدون عليك لإخبارهم إذا كانوا يعملون بشكل جيد.

سيطوِّر هذا لديهم نوعًا من “الذات الزائفة”، والتي يتبنونها ويتكيفون معها لإرضاء البالغين من حولهم، أو للحصول على ما يحتاجون إليه من العالَم. 

ولتعزيز قدرة طفلك على التقييم الذاتي، ومساعدته على الاعتراف بإنجازاته، فبدلًا من قولك له: “أنا فخور جدًا بك”،
اسأله: “لقد عملتَ بجد وأديتَ جيدًا في هذا الاختبار، فهل أنت فخور بنفسك؟”، أو “هل أنت سعيد بالنتيجة؟”. 

وبمجرد أن يجيب: “نعم أنا كذلك”، يمكنك حينها إضافة: “أنا فخور بك أيضًا!”.

5- ضَع حدودًا واضحة

من المهم لأطفالنا أن يعرفوا أنه بينما سنحبهم دائمًا دون قيد أو شرط، لا تزال هناك بعض السلوكات التي لن يُتسامَح معها. يُعلِّم هذا الأطفال أنه على الرغم من أهمية احتياجاتهم، إلا أن احتياجات الآخرين مهمة كذلك.

عزيزي القارئ…

أنت لست مستحِقًا لنيل أي شيء بمجرد وجودك في الدنيا؛ بل أنت مستحِق لما أحرزت بعملك الجاد.

السماء لا تمطر ذهبًا؛ ولكن تمطر ماءً. فإن غرستَ فلَكَ ما حصدت، وإن تخليتَ فما استحققت!

“وأن ليس للإنسان إلى ما سعى * وأن سعيه سوف يُرَى”.

تعرَّف إلى نفسك ثم اعمل بجد، وكن أنت التغيير الذي تُريد أن تراه في هذا العالم!

المصدر
'Entitled' People May Wind Up Unhappy Why the 'Entitled' Think Rules Don't Apply to Them
اظهر المزيد

د. محمود الرزاز

محمود الرزاز، صيدلي اكلينيكي، و أخصائي معلومات طبية، استمتع بالبحث عن الدليل العلمي، ومهتم بوصول المعلومات الطبية الحديثة للقاريء بلغة بسيطة و مفهومة، في ظل فوضى انتشار المعلومات غير الدقيقة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق