ترياق الأمراض النفسية

الإسقاط النفسي | عندما تخدعنا مشاعرنا!

«لا أريد صداقتها بعد الآن!
صحيح أنني أحبها؛ فهي تتفانى في عمل ما يسعدني بطريقة لا أستطيع فعلها… لكن!
لماذا أشعر في بعض الأحيان أنها لا تريدني في حياتها؟! بل أشعر أنني حِمل ثقيل عليها!
أنا في حيرة من أمري!»
نواجه أحيانًا مشاعر لا نتقبلها، ولا نستطيع مواجهة أنفسنا بها، فنلصقها بالآخرين لاشعوريًا؛ إنه “الإسقاط النفسي”.
فما معنى “الإسقاط النفسي” في علم النفس؟

الإسقاط النفسي في علم النفس

يُعَد سيجموند فرويد -عالم النفس الشهير- أول من تكلم عن الإسقاط النفسي، في ورقة بحثية نشرها عام 1895م.

إذ لاحظ في أثناء الجلسات النفسية أن بعض مرضاه يخشون مواجهة مشاعرهم ولا يعترفون بها. 

كانوا يشعرون بذلك لأنهم لا يتقبلون أن يكون لديهم مشاعر سيئة -مثل: الحقد والغيرة والحسد- تجاه أشخاص معينين في حياتهم.

فهم يرون أنهم أفضل من ذلك، وأن من يتصف بهذه الصفات لا بد أنه إنسان سَيئ.

لذا، فإنهم ينسبون هذه المشاعر -لاشعوريًا- إلى من يتعاملون معهم كحيلة دفاعية عن النفس. 

ففي أحد المرات، صرحت لـ(فرويد) إحدى مريضاته بأنها ترتاب من خيانة زوجها لها. 

في حين كانت هي من تخون زوجها في واقع الأمر، لقد كانت بهذا تقلل من حدة شعورها بالذنب.

وفي مرةٍ أخرى، صرحت إحدى مريضاته -التي تعاني مرض السرقة القهري- بأنها تخاف سرقة أغراضها. 

أمثلة على الإسقاط النفسي 

على الرغم من أن أعراض الإسقاط النفسي ليس من السهل اكتشافها في كل الأحيان، فإنها تتضح كثيرًا في حالة إذا كان الشخص مضطرًا للتعامل باحترام مع من لا يحب.

تود الحصول على المزيد من المقالات المجانية على ترياقي؟ اشترك الآن ليصلك كل جديد!

فعندما يجتمع شخص ما بآخر يشعر تجاهه بمشاعر سلبية، قد يشعر حينها بأن الشخص الآخر لا يحبه ولا يتقبله.

بينما في الحقيقة، هو الذي لا يشعر بالراحة معه أو يغار منه.

وقد يتسبب بهذا الشعور في تفوق الآخر عليه، فمثلًا: 

  • شخص له زميل عمل مبدع في مجاله، ومحبوب من زملائه ورؤسائه. 

يحسد الشخص زميله ويتمنى أن يكون مكانه، دون وعي منه.

يُسقط الشخص شعوره بالحسد على زميله، فيدعي أنه هو الذي يغار منه، أو أنه متكبر ولا يستحق ثناء الناس.

  • امرأة لها زوجة أخ ودودة ومحبوبة في العائلة، تكسب قلوبهم بحلو اللسان، ويمدحون أخلاقها الكريمة. 

يحل الشعور بالغيرة في قلب تلك المرأة، وهو الشعور الذي لا تتقبله ولا تعترف به؛ فهي ترى نفسها أفضل منها. 

لذا فإنها تُلقي اللوم على زوجة أخيها وتدعي أنها هي التي تتربص بها وتذكرها بالسوء. 

وفي حالة المثال الموجود أول المقال، فإن حسن معاملة صديقتها لها أعجزها وأشعرها أنها لا تستطيع أن تعاملها بالمثل؛ فغارت منها، وترجمت هذه الغيرة بأنها عبء على صديقتها وأن صديقتها تتفضل عليها، فقررت أنها لا تريد صداقتها.

ويظهر أيضًا الإسقاط النفسي حين يشعر الشخص بعدم الأمان وأن حصونه النفسية مهددة، فيبادر بالتنمر والسخرية من الآخرين قبل أن يسخروا منه!

وفي تربية الأبناء، قد يؤدي الشعور الداخلي بالفشل لدى أحد الوالدين إلى أن يدفع أبناءه إلى طلب الكمال وعدم تقبل أي تعثر منهم، الأمر الذي يرهق الأبناء، إذ لا يصلون إلى الرضا عنهم.

علاج الإسقاط النفسي

لا يدرك معظم الناس وقوعهم في فخ الإسقاط النفسي. 

لكن لحسن الحظ، يوجد عدة خطوات يمكن اتباعها لمعرفة ما إذا كانوا يستخدمون الإسقاط النفسي كحيلة دفاعية، حتى يتجنبوها مستقبلًا.

أفضل وسيلة لإدراك الإسقاط النفسي ملاحظة العلاقات المتوترة في حياتنا، سواء كانت علاقات عمل أو علاقات عائلية.

اجلس مع نفسك بعض الوقت، وفكر: 

  • منذ متى والأمور غير مستقرة مع هذا الشخص؟ 
  • ما الذي حفز الوضع ليصل إلى هذه الدرجة؟ 

قد لا تستطيع في بعض الأحيان التفكير بشفافية والوصول إلى إجابة واضحة، وحينها يُفَضَّل أن تستعين بطبيب نفسي كي يساعدك على فهم نفسك وتحليل علاقاتك. 

يسأل الطبيب عدة أسئلة ويحاور المريض ليصل إلى فهم دواخله. 

وقد يُجري الطبيب بعض الاختبارات الإسقاطية ليتعرف الدوافع الداخلية المسببة للإسقاط النفسي. 

اختبار الإسقاط النفسي

يوجد عدد من اختبارات الإسقاط النفسي، منها: 

  • اختبار رورشاخ لبقع الحبر. 
  • اختبار تفهم الموضوع. 
  • مقياس ساكس لإكمال الجمل. 

وأشهرها هو اختبار رورشاخ لبقع الحبر (Rorschach inkblot test).

يُستخدم في هذا الاختبار عشر بطاقات مبهمة من بقع الحبر متماثلة الجانبين، بعض البطاقات تكون باللونين الأبيض والأسود مع ظلال رمادية، وبعضها الآخر يكون ملونًا.

يعرض الطبيب على المريض كل بطاقة على حدة، ويسأله عن معناها بالنسبة إليه، ويسمح له بحملها بالوضعية التي يفضلها. 

تكشف ردود الفعل على هذه البطاقات جوانب خفية من الشخصية، وتوضح كيف يُسقط الفرد مواقفه الداخلية وصفاته وأنماط سلوكه استجابةً للمحفزات الخارجية المستخدمة في الاختبار. 

لكن يقل استخدام هذه الاختبارات في الوقت الراهن، لصعوبة إجرائها وحساب نتائجها، ولأنها أيضًا غير موضوعية.

بعد ذلك، وبمجرد أن يتعرف الشخص إلى الإسقاطات النفسية الموجودة ببعض علاقاته سيدرك مستقبلًا أين يكمن الخلل، وكيف يبدأ الإسقاط النفسي عنده فيتجنبه، وهي عملية تحتاج إلى تدريب حتى يكسر هذه العادة. 

من المهم أيضًا أن نحسن التعامل مع مشاعرنا، فنعاملها كضيف يجلس بعض الوقت ثم ينصرف، لا أن نقاومها أو ننكرها، فنحن بشر في النهاية، ومن الوارد أن نستقبل مختلف المشاعر؛ الجيد منها والسيئ. 

فليست المشكلة في حضور المشاعر من الأساس، بل في التعامل الصحيح معها وعدم كبتها.

في النهاية، من الجميل أن نواجه مشكلاتنا وصراعاتنا الداخلية بصدق، فنُعطي لكل ذي حق حقه، دون أن نبخس من حقوقنا أو حقوق الآخرين شيئًا، لئلا نقع فريسة للحيل الدفاعية والإسقاطات النفسية.

بقلم د. منة الله عاطف السيد

المصدر
ProjectionProjectionPsychological Projection: Dealing With Undesirable EmotionsThe Rorschach Inkblot TestPsychological Testing, Overview
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى