مفاهيم ومدارك

الإنكار | هل يجعل مشاكلك تختفي؟!

كل الإشارات كانت تؤكد وجود خطب ما في ابنها؛ تراجُع مستواه الدراسي، بُعده عن أصدقاء عمره وتقضية معظم وقته مع أولاد سيئي الطباع، اختفاء بعض الممتلكات من المنزل والنقود من حقيبتها! 

لكن عقلها لم يتقبل ذلك، لم يستطع تصديق أن طفلها البريء قد يُدمن! 

سيطر الإنكار عليها، تجاهلت الأمر، ورفضت كل الأدلة، أقنعت نفسها أنها تغيرات طبيعية يمر بها ابنها خلال مرحلة المراهقة، بل واستماتت في الدفاع عنه أمام الجميع… 

لقد أغمضت عينيها عن الحقيقة المؤلمة؛ آملة أن تختفي من حياتهم!

ما خطب هذه الأم؟! 

هل دفعها الألم وخيبة الأمل إلى رفض الحقيقة؟!  

هل يمكن للعقل أن يفرط في حمايتها بإنكار ما قد يؤلمها؟!

يسعى عقلك لحمايتك، ويستخدم في سبيل ذلك شتى أنواع الحيل، كأنه يمارس فنونًا قتالية خاصة به للدفاع عنك.

آليات الدفاع التي يستخدمها عقلك متنوعة، يأتي في مقدمتها “الإنكار”.

يكاد لا يكون هناك أحد لم يعانِ حالة إنكار، فمعظمنا يهرب من الواقع بآلامه ومخاوفه ومشاكله؛ معتقدًا أنه بذلك سيتخلص منها، لكن الحقيقة أن إغماض أعيننا عن مشاكلنا؛ لا يعني اختفاءها.

في هذا المقال، سنتعرف سويًا إلى مفهوم “الإنكار” بشكل مُفصّل، لكن لنفهم أولًا: ما هي “آليات الدفاع”؟

آليات دفاع العقل 

آليات دفاع العقل

هي استجابات نفسية غير واعية يقوم بها العقل لحمايتك من المشاعر أو الأفكار أو الذكريات التي يصعب عليك التعامل معها، ويحاول منع وصولها إلى وعيك. 

تحدث هذه الآليات الدفاعية -غالبًا- دون وعي كامل بحدوثها؛ نتيجة شعورك بالحزن أو الخزي أو الذنب أو التهديد.

أمثلة على أشهر آليات الدفاع: 

  • الإنكار Denial:

 سنتناوله بالتفصيل لاحقًا. 

  • الإزاحة Displacement:

تنطوي الإزاحة على إخراج مشاعرك السلبية وإحباطاتك على شخص آخر -غير المتسبب فيها-؛ لأنه لن يمثل تهديدًا لك أو لأنه سيتحملك.

كما الحال عندما تُنفس غضبك بعد يوم عمل طويل مليء بالضغوطات على شريك حياتك أو أبنائك، بدلًا من مديرك.

  • القمع Repression 

يتضمن كبت مشاعرك وأفكارك السلبية، والإبقاء عليها بعيدة عن إدراك وعيك، كأنها غير موجودة.

 مثلما يقمع الشخص تعرضه للإساءة في طفولته، ويعيش حياته وكأن شيئًا لم يحدث.

بالإضافة إلى التسامي Sublimation، والتراجع Regression، وغيرها من الحيل الدفاعية التي يعتمدها عقلك لحمايتك.

يشاع التعامل مع آليات الدفاع على أنها سلبية؛ إلا أننا في بعض الأحيان نحتاج إليها للتحكم في التوتر والقلق والتعامل مع المواقف والمشاعر المزعجة في حياتنا.

اقرأ أكثر:  السلوك الدفاعي – كيف نُؤمِّن أنفسَنا أمام المخاطر؟ 

تعريف الإنكار في علم النفس

تُعرَّف حالة الإنكارِ في علم النفس بأنها عدم تقبل موقف ما والتعامل معه كأنه لم يحدث، أو هو عدم القدرة على مواجهة الواقع أو الاعتراف بحقيقة مؤكدة.

أنواع الإنكار

يصنف “إنكار الواقع” إلى الأنواع التالية:

  • الإنكار البسيط Simple denial:

عندما ينكر الشخص حدوث أمر سلبي له. 

مثلما يحدث مع بعض المصابين بأمراض العضال (مثل السرطان)، عند إنكارهم لمرضهم.

  • الإنكار بالاستهانة Minimization:

عندما يعترف الشخص بحدوث الأمر السلبي؛ لكنه لا يتقبل جديته. 

مثل تقبل مريض السرطان حقيقة أنه مريض، لكنه يرى أن مرضه بسيط لا يحتاج إلى العلاج.

  • الإنكار بالإسقاط Projection:

في هذا النوع يتقبل الشخص الأمر السلبي وجديته، لكن ما ينكره هو مسؤوليته تجاه هذا الأمر، مما يجعله يلقي اللوم على غيره. 

مثل إلقاء الموظف المستهتر اللوم في فشله الوظيفي على زملائه أو مديره، وكذلك مريض السرطان الذي يلوم الطبيب في تأخر اكتشاف مرضه أو تدهور حالته.

هل الإنكار يفيد أم يضر؟!

إنكار الواقع سلاح ذو حدين؛ قد يكون إيجابيًا أو سلبيًا، كالآتي:

الإنكار لفترة قصيرة: 

يحدث كرد فعل مؤقت لموقف أو صدمة في حياتك. يسمح لك بتجنب التوتر أو المشاعر السلبية الناتجة عن هذا الموقف، ويتيح لك استيعاب المعلومات، والتفكير بذهن صافٍ، واتخاذ قرارات أصوب. 

كما في الإنكار المؤقت نتيجة خبر مفجع، مثل: فقدك شخص عزيز، أو احتمالية إصابتك بمرض شديد الخطورة.

الإنكار لوقت طويل: 

يستمر فيه تجنبك لما تنكر، مع استمرار وجوده في حياتك. إن عدم تعاملك الفوري معه وتجاهله؛ قد يسبب لك -لاحقًا- أذى أكبر مما تتخيل.

هل الإنكار يفيد أم يضر؟!

أمثلة على الإنكار الضار: 

  • إنكار أهل المدمن إدمانه؛ هربًا من مواجهة الحقيقة القاسية، أو خوفًا من نظرة المجتمع.
  • إنكار الزوجة ما تتعرض له من إساءة زوجها، قد يكون ذلك حفاظًا على المظهر الاجتماعي، أو حمايةً للأولاد.
  • إنكار أهل الطفل الذي تعرض للتحرش ما حدث له؛ قد يكون خوفًا من مواجهة حقيقة صادمة ومحزنة، أو خوفًا من الخزي والعار.

يظن الشخص بإنكاره للمشكلة أنه سينجح في تجنبها ونسيانها، وأنه سيستمر في حياته الطبيعية كأن شيئًا لم يكن، لكنه يجهل أنه لن يتمكن من دفنها للأبد في اللاوعي، وأنها ستعاود الظهور في حياته في أية لحظة، وسيكون لها أثر سلبي في جوانب الحياة المختلفة بما فيها سلوكه وعلاقاته. 

كيف تعرف أنك تعاني إنكار الواقع؟

قد يكون تحديد مدى سيطرة الإنكار عليك صعبًا -على الرغم من أثره السلبي في حياتك-، العلامات التالية قد ترجح إمكانية معاناتك “إنكار الواقع”:

  • تكرر التجارِب السلبية في حياتك

عندما تجد نفسك تمر بنفس التجارِب السلبية مرارًا دون تغيير، قد يعني ذلك إنكارك لوجود مشكلة من الأساس. 

مثل تقبلك الإساءة في علاقاتك؛ مما يجعلك عرضة دائمة للاستمرار في علاقات مؤذية، أو عدم اعترافك بإدمانك وإنكارك له ومعاناتك المستمرة من آثاره السلبية على حياتك.

  • إلقاؤك اللوم على الغير  

قد يكون استمرارك في إلقاء اللوم على الآخرين في مشكلات حياتك، أو إنكارك مسؤوليتك ودورك فيما يحدث، أو اعتقادك أن العالم يتآمر ضدك إشارة إلى سيطرة آلية “الإنكار” على عقلك.

  • الصحبة حولك

ميلك لإنكار الواقع قد يدفعك إلى إبعاد الأشخاص الذين يذكرونك دائمًا بما تحاول تجاهله -مع أنهم يدعمونك ويحاولون مساعدتك-، والميل إلى مصاحبة أشخاص مثلك يفضلون الإنكار على المواجهة.

العلامات السابقة قد تساعدك في معرفة مشكلتك مع الإنكار؛ لكن ما الخطوة التالية؟

علاج الإنكار

بعد معرفتك أن الإنكار يشكل خطرًا على حياتك، قد تساعدك الخطوات التالية على احتوائه ومواجهة الواقع:

  • حافظ على وجود أناس ثقة داعمين لك في حياتك. 
  • تقبل إخبارهم لك أن هناك خطب ما في حياتك. 
  • تعمق في فهم واستيعاب ما تحاول إنكاره، وكيفية التعامل معه. 
  • فكر في أسباب إنكارك، وما هي مشاعرك ومخاوفك، وما العواقب التي ستنتج من عدم مواجهتها.
  • عبر عن أفكارك ومشاعرك ومخاوفك؛ إما بتدوينها أو بالحديث مع شخص تثق به (فرد من أسرتك أو صديق). 
  • استعن بمتخصص في الصحة النفسية؛ في حالة الشعور بأنك عالق في مرحلة الإنكار وأنك غير قادر على التعامل مع ما تنكره. 

سيساعدك المتخصص في فهم مشاعرك ومخاوفك، ويعرفك على أساليب للتأقلم وطرق صحية للتعامل مع التحديات المختلفة في حياتك.

“الإنكار” سلوك دفاعي طبيعي، يستخدمه عقلك لحمايتك، قد يفيدك -أحيانًا- في استيعاب الأحداث الصعبة في حياتك، ويتيح لك التأني وحسن التصرف.

لكن الانغماس في الإنكار يضرك أكثر مما ينفعك؛ فهو لا يحل مشكلاتك، ولا يجعلها تختفي، بل يتركها خامدة كالبركان حتى تنفجر فجأة مدمرة حياتك.

في حالة وعيك أنك عالق في إنكار أمر ما، أو نبَّهك شخص تثق به بذلك، انتهز الفرصة حتى تتغير، وتقبل واقعك، وواجه مخاوفك. 

لا تتردد في طلب الدعم والنصيحة من أسرتك وأصدقائك، والتحدث إلى متخصص إذا استلزم الأمر.

المصدر
Denial Prevents Pain, but Also Prevents ChangeWhat Is Denial Psychology & How To Address ItDenial20 Common Defense Mechanisms Used for Anxiety15 Common Defense Mechanisms10 Defense Mechanisms: What Are They and How They Help Us Cope
اظهر المزيد

د. أروى صبحي

صیدلانیة وباحثة. لدیها شغف دائم للبحث وفهم كل ما حولها؛ خاصة فیما یتعلق بجسم الإنسان. أشعر بالرضا عند تبسیط العلوم للغیر، ووجدت في الكتابة وسیلة لمساعدة الآخرین في الاستمتاع بالمعرفة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق